منذ طور العالِمان الروسيان "أندريه غييم" و"كونستانتين نوفوسيلوف" من جامعة مانشستر مادة الجرافين عام 2004، ومنحتهما الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010، لم ينقطع الاهتمام البحثي بهذه المادة، المشتقة من الكربون، والتي تتمتع بمزايا أهلتها للاستخدام في عدة مجالات، وأهمها قدرتها على توصيل الكهرباء، مع ميزة السماح بنفاذ الحرارة والضوء عبر جزيئاتها.

ويُستخدم الجرافين على نطاق واسع في إنتاج الشرائح الإلكترونية والاستخدامات الطبية، وتحلية مياه البحر، وتنقية المياه من الملوِّثات، ولكن مؤخرًا عمل فريق بحثي مصري ياباني -من الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا وكلية المواد والتكنولوجيا الكيميائية بمعهد طوكيو للتكنولوجيا اليابانية- على الاستفادة من خصائصها في تحسين جودة الوقود المستخدم في محركات الديزل وكفاءته.

وتعمل الأبحاث العلمية على تحسين كفاءة هذه المحركات عبرالعديد من التجارب، وهو ما سعى له الفريق البحثي المصري الياباني المشترك، والذي اختبر إضافة صفائح الجرافين النانوية graphene nanoplatelet (GNPs) إلى وقود الديزل المخلوط بما نسبته 20% من الوقود الحيوي المستخرَج من نبات الجاتروفا jatropha، والمعروف اختصارًا بـJB20، مما أسهم في تحسين كفاءة أداء المحرك، وعملية احتراق الوقود، وتقليل الانبعاثات الملوِّثة الصادرة عنه، كما تكشف نتائج الدراسة المنشورة بدورية الطاقة (Energy).

ويمتاز وقود محركات الديزل (السولار) بأنه أعلى في لزوجته من وقود محركات البنزين (الجازولين)، ولذلك فإن محركات الديزل هي الأنسب في التعامل مع الوقود الحيوي الذي يتميز بكثافته العالية.

الخصائص المميزة للاحتراق

اختبرت الدراسة إضافة أربعة تركيزات من صفائح الجرافين النانوية (25، 50، 75، 100ملجم/ لتر)، إلى وقود الديزل المخلوط بنسبة 20% من الوقود الحيوي المستخرج من نبات الجاتروفا.

وشمل الاختبار الذي تم إجراؤه على أحد المحركات، فحص الخصائص المميزة للاحتراق، وهي أقصى ضغط يصله الوقود داخل أسطوانة المحرك (ذروة أسطوانة الضغط peak cylinder pressure)، ومعدل تغيُّر الضغط بالنسبة للزمن، لاختبار مدى انتظامه، إذ إن الصعود والهبوط المفاجِئَين غير مطلوبين(highest rate of pressure rise) ، ومتوسط درجة حرارة الغاز عند الاحتراق (درجة حرارة الغاز المتوسطية) ، وأقصى معدل حرارة منطلقة نتيجة احتراق الوقود ((maximum heat release rate، ونسبة كمية الوقود المحترق.

وجرى فحص الخلطات المصنفة، وفق الدراسة، تحت أحمال وسرعات مختلفة للمحرك engine loads and speeds.

كما شمل الاختبار الخصائص المعبرة عن أداء المحرك والفرامل، مثل كفاءة المحرك عندما يتم التحميل عليه (الكفاءة الحرارية الفرملية (BTE، وكمية استهلاك الوقود في أثناء التحميل على المحرك (الاستهلاك النوعى الفرملى للوقود (bsfc)، والنسبة المكافئة، والتي تعبر عن النسبة الزائدة فى استهلاك الوقود.

اختبار العوامل البيئية

وتضمَّن الاختبار أيضًا اختبار معدل انبعاث بعض العناصر البيئية الملوِّثة للبيئة، مثل درجة حرارة غاز العادم (EGT)، ونسب أول أكسيد الكربون (CO)، وأكسيد النيتروجين (NO)، والهيدروكربونات غير المحترقة (UHC).

يقول "حمدي حسن" -أستاذ هندسة موارد الطاقة بالجامعة اليابانية المصرية للعلوم والتكنولوجيا، وأحد الباحثين الرئيسيين بالدراسة- في تصريح خاص لـ"للعلم": إن النسبة المثالية التي تَحققت معها أعلى فائدة هي 50 ملجم من صفائح الجرافين النانوية لكل لتر من وقود الديزل المخلوط بنسبة 20% من الوقود الحيوي المستخرج من نبات الجاتروفا.

وأوضح حسن أن إضافة هذه النسبة أسهمت في التقليل من التلوث الناجم عن محركات الديزل، وفي الوقت نفسه قللت من استهلاك الوقود النفطي.

وعَزا حسن ذلك إلى أن إضافة صفائح الجرافين النانوية أدت إلى زيادة كلٍّ من ضغط الأسطوانة ومعدل ارتفاع الضغط، مما زاد من كفاءة المحرك، كما أسهمت في تقصير مدة الاشتعال والبدء السريع لعملية الاحتراق، مما أدى إلى ارتفاع معدل انطلاق الحرارة الكلية وكذلك معدل انطلاق الحرارة الفرملية، ويرجع ذلك إلى أن الموصلية الحرارية للجرافين عالية، بما يسرع من انتقال الحرارة والوقود.

وفقًا لنتائج الدراسة التي حصلت "للعلم" على نسخة منها، فقد زادت الكفاءة الحرارية الفرملية بنسبة 25% وقل الاستهلاك النوعي للوقود الفرملي بنسبة 20%، مما قلل من الاستهلاك الكلي للوقود وزاد من كفاءة المحرك.

كما تكشف نتائج الدراسة عن أن انبعاثات أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين والهيدروكربونات غير المحترقة قد تقلصت بنسبة 60% و40% و50% على الترتيب.

مزيد من الاختبارات

ويُثني "خالد عبد الله" -أستاذ هندسة السيارات بجامعة جنوب الوادي، غير مشارك بالدراسة- على هذا التوجُّه لتعظيم الاستفادة من الوقود الحيوي ، لكنه يتساءل عن المدى الزمني لرصد النتائج التي كشفت عنها الدراسة.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "قد تحدث على المدى البعيد تأثيرات سلبية، مثل حدوث ترسيبات كربونية على مكونات المحرك؛ بسبب احتواء الوقود على صفائح الجرافين، بما قد يؤثر سلبيًّا على أداء المحرك على المدى البعيد".

ويشير عبد الله إلى ملحوظة أخرى، هي الاعتماد على الوقود الحيوي المُنتَج من الجاتروفا، ويتساءل عن أسباب اختيار الجاتروفا تحديدًا؛ إذ إن المساحة المزروعة منها في مصر قليلة جدًّا، ومن ثَم لا يمكن في الوقت الحالي الاعتماد عليها حال التوسع في إنتاج الوقود الحيوي على نطاق تجاري.

ويضيف: "كان من الممكن تجربة مصادر أخرى أكثر شيوعًا لإنتاج الوقود الحيوي مثل الطحالب".

التساؤل الأول الذي طرحه عبد الله، جاء ضمن توصيات الدراسة، كما يؤكد "أحمد السيسي"، الباحث بالجامعة اليابانية المصرية للعلوم والتكنولوجيا، وأحد أعضاء الفريق البحثي.

ويقول السيسي لـ"للعلم": "خلال العمل التجريبي الذي أُجري على أحد المحركات، واستمر مدة حوالي خمسة أسابيع، لم نلاحظ أي ترسُّبات للكربون على مكونات المحرك، كما تم تشغيله بسلاسة دون أي آثار سلبية على أدائه".

لكن ذلك لا يعني اطمئنانهم الكافي لهذه النتيجة التي تحصلوا عليها بعد مراقبة خمسة أسابيع، وأضاف: "ما زلنا نحتاج إلى تطبيقات طويلة الأجل على المحرك؛ للاطمئنان الكافي إلى أن وجود الجرافين لم يؤثر على كفاءة أدائه".

أما استخدام الجاتروفا مصدرًا للوقود الحيوي، فيعزوه الباحث إلى أنها اقتصادية؛ إذ تحتوي بذورها على نسبة عالية من الزيوت تتراوح بين 20- 25% من حجم الثمرة، ويمكن استخلاصها بطريقة سهلة باستخدام المذيبات العضوية مثل الهكسان.

وعدم وجودها بكثرة لا يعوق البحث العلمي عن إجراء الأبحاث عليها؛ إذ إن الفوائد التي يتم اكتشافها تكون دافعًا لمزيد من الاهتمام بها، كما يؤكد السيسي.

وتبلغ المساحة المزروعة من الجاتروفا في مصر حوالي ألف فدان في الظهير الصحراوي بصعيد مصر.

وكانت الزيوت المستخرجة منها أيضًا موضوعًا لبحثٍ أُجري بالمركز القومي للبحوث بمصر ونُشر العام الماضي، لاستخدامه كوقود حيوي للطائرات.

وتمكَّن الفريق البحثي الذي قادته "جزين الديواني" -رئيسة قسم الهندسة الكيميائية والتجارب نصف الصناعية في المركز القومي للبحوث- من تحسين خاصية القابلية للتجمد لوقود الجاتروفا الحيوي؛ حتى يكون ملائمًا لوقود الطائرات.

وأجرت الديواني وفريقها البحثي عملية تكسير حراري لزيت الجاتروفا باستخدام محفزات حرارية ملائمة عند درجة حرارة وضغط مرتفعين، ليصل الزيت إلى درجة حرارة سالب 40 بلا تجمد، ثم بإضافة بعض المواد الخافضة لنقطة التجمد للوصول إلى سالب 45، وهي درجة الحرارة الملائمة لوقود الطائرات.