إيذانًا ببدء حقبة جديدة في علوم الفلك والفيزياء، أعلن علماءٌ أكتوبر 2017 أنهم قد اكتشفوا للمرة الأولى تموجات الزمكان المعروفة باسم الموجات التثاقلية من تصادم نجمين نيوترونيين. سُجِّلَت الموجات، الآخذة في التدفق آتيةً من السماء فوق المحيط الهندي يوم السابع عشر من أغسطس، في محطتي الكشف الثنائيتين للمرصد المتطور للموجات التثاقلية بالتداخل الليزري (المعروف اختصارًا بـ"ليجو" LIGO) الكائن بالولايات المتحدة، وكذلك في مِكْشاف أوروبي يُدعى "فيرجو" Virgo في إيطاليا. هذه هي المرة الخامسة خلال العامين الماضيين التي يؤكد فيها العلماء رصد موجاتٍ كتلك، وهي ظاهرة تنبأ بها أينشتاين لأول مرة منذ أكثر من قرن، وأدى ذلك إلى حصول ثلاثة من قادة مرصد ليجو على جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام.

بيد أنّ جميع الموجات التثاقلية التي اكتُشِفَت سابقًا نتجت من اندماج أزواج من الثقوب السوداء. هذه الأجسام كثيفة للغاية بحيث لا يستطيع الضوء الهروب من قبضتها، مما يجعل مسألة اختفاء تلك الاندماجات عن التلسكوبات العادية أمرًا لا مناص منه بالرغم من الموجات التثاقلية الهائلة التي تولدها في اللحظات الأخيرة لمساراتها الحلزونية الهابطة العنيفة بشكل لا يصدق. دون وجود شبكة أكبر بكثير من مراصد الموجات التثاقلية، لا يمكن لعلماء الفلك أن يحددوا على وجه الدقة مواقع الثقوب السوداء المندمجة، فضلًا عن دراستها بتعمق.

لكن اندماجات النجوم النيوترونية تبدأ بأجسام يمكن أن تُعَدّ في خفة ريشة إذا ما قورنت بالثقوب السوداء. فالنجم النيوتروني هو الباطن المنضغط للغاية لنجمٍ ضخمٍ مُنتهٍ، ويتكون في أعقاب انفجار مُستَعِرٍ أعظم. يكون مجال جاذبيته قويًّا بما يكفي لعصر وتفتيت مادة تعادل حجم كتلة شمسية كاملة إلى جرم سماوي من النيوترونات في حجم مدينة، مما يجعله أقرب إلى نواة ذرية في حجم مدينة مانهاتن أكثر من كونه "نجمًا" حقيقيًّا. لكن جاذبية النجم النيوتروني لا تزال أضعف بكثير من أن يستطيع احتجاز الضوء. لذلك فإن الوميض الناتج من اصطدام نجمين نيوترونيين ببعضهما يمكنه الهروب إلى الكون، مُحْدِثًا موجاتٍ تثاقلية، وواحدةً من أروع عروض الألعاب النارية في الكون الظاهرة للعيان.

 

في هذه الحالة، بعد النبضة الإشارية الأولى للموجات التثاقلية، والتي تشير إلى بدء الاندماج، تكونت "الألعاب النارية" من دفقة أشعة جاما (GRB) مدتها ثانيتان، تبعها توهُّج لاحق متعدد الطول الموجي استمر أسابيع، وتبين أن وصف "العيان" يشمل تقريبًا كل فلكي وفيزيائي على كوكب الأرض ممن علموا بأمر الحدث. دعت جولي مسينيري، عالِمة المشروع لمرصد فيرمي الفضائي لأشعة جاما، والتي كانت ممن رصدوا دفقة أشعة جاما، يوم السابع عشر من أغسطس بـ"الصباح الأكثر إثارة في مهمة فيرمي البالغة تسع سنوات".

كان علماء الفلك الذين يعملون مع فيزيائيي مرصدي ليجو وفيرجو قد أدوا اليمين متعهدين بالحفاظ على السرية. بَيْد أن ضخامة عدد عمليات الرصد التتبُّعي حول العالم أسفرت بشكل لم يكن منه مفر عن شائعات متداولة، صارت مؤكدة الآن، عن حملة عالمية لتتبع التصادم وتوابعه. النوبة المحمومة من عمليات الرصد والنظريات الجديدة التي نتجت هي المثال الأبرز حتى الآن لمجال علم فلك "المرسِلات المتعددة"، وهو مجال ناشئ تُجْمَع فيه بيانات الرصد للضوء، والموجات التثاقلية، والجسيمات دون الذرية المنبعثة من الحوادث الفيزيائية الفلكية الكونية وتُدْرَس في تناغمٍ.

في سلسلة شديدة الضخامة من الأوراق البحثية المنشورة بالتزامن في دوريات عديدة، يربط الباحثون الحدث الأخير بطائفة واسعة من الظواهر ويقدمون رؤى جديدة عن كل شيء من مبادئ الفيزياء النووية إلى موضوعات ونظريات تطوُّر الكون واسعة النطاق. ضمن جملة أمور أخرى، منح اندماج النجمين النيوترونيين المراقبين مقعدًا في الصفوف الأمامية لحدث ميلاد ثقب أسود، الذي من المحتمل أن يكون النجمان النيوترونيان المتصادمان قد أحدثاه. مع ذلك، فإن الاكتشاف الأكثر بريقًا هو دليل قاطع على أن اندماجات النجوم النيوترونية -وليس انفجارات المستعر الأعظم الاعتيادية- هي البوتقات الكونية التي تشكل عناصر الكون الثقيلة: وهي المواد التي تشمل اليورانيوم، والبلاتين، والذهب.

هكذا يبدو كما لو أن كلًّا من بطارية النظائر المشعة في مفاعل نووي، والمحول الحفاز في سيارتك، والمعدن النفيس في خاتم زواجك أيضًا، قد تكون جميعها آتيةً من الأجزاء الداخلية المحطمة للنجوم الأصغر، والأكثر كثافة وغرابة في الكون -أو على الأقل من الجزء الذي يمكنه الهروب دون الوقوع في الثقب الأسود الناتج من الاندماج. قد تحسم النتيجة النقاش المستمر حول الأصول الكونية للعناصر الثقيلة، الذي استحوذ على علماء الفيزياء النظرية لأكثر من نصف قرن. إن الجزء الأكبر من عنصري الهيدروجين والهيليوم في الكون أُنْتِج في اللحظات الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم، ومعظم العناصر الأخف، كالأكسجين، والكربون، والنيتروجين وهكذا إلى آخره، شُكِّلَت من الاندماج (الانصهار) النووي داخل النجوم. بَيْد أن السؤال عن أصل العناصر الأثقل هو سؤال عالق حتى الآن.

"لقد حققنًا كشفًا علميًّا غير مسبوق!" تقول لورا كادوناتي، عالِمة الفيزياء الفلكية بمعهد جورجيا للتكنولوجيا ونائبة المتحدث الرسمي لليجو. وتضيف: "إن هذه حقًّا هي المرة الأولى التي يكون لدينا فيها كشفٌ متعدد المرسلات لحدث فيزيائي فلكي منفرد، إذ تُطلعنا الموجات التثاقلية على ما حدث قبل الحادثة الفيزيائية الفلكية الكونية، وتخبرنا الانبعاثات الكهرومغناطيسية بما حدث بعدها". وتضيف أنه بالرغم من أن هذه المعطيات غير حاسمة في الوقت الحالي، فإن تحليلات الموجات التثاقلية الخاصة بالحدث قد تكشف في نهاية المطاف عن تفاصيل حول كيفية "تناثُر" المادة داخل النجمين النيوترونيين في أثناء اندماجهما، مما يعطي الباحثين طريقةً جديدةً لدراسة هذه الأجسام الغريبة واكتشاف مدى الضخامة التي يمكن أن تصل إليها قبل أن تتردى لتصير ثقبًا أسود. وتشير كادوناتي إلى أنه -فيما يتصل بذلك- كان هناك فجوة غامضة مدتها ثانيتان بين نهاية النبضة الإشارية للموجة التثاقلية وبدء دفقة أشعة جاما، وهو فاصل زمني، يُحْتَمَل أن تكون السلامة الهيكلية للنجمين النيوترونيين المندمجين قد قاومت فيه الانهيار الحتمي فترةً وجيزة.

 

يرى عديدٌ من الباحثين أنه طال انتظارهم لهذا الإنجاز. "لقد أصبح حلمي حقيقة". هذا ما قاله زابولكس ماركا، عالِم الفيزياء الفلكية وعضو فريق مرصد ليجو بجامعة كولومبيا، الذي كان من أوائل المؤيدين لمجال علم فلك المرسِلات المتعددة في أواخر التسعينيات. حينها، كما يتذكر، كان يُنْظَر إليه على أنه "ذلك الشخص المجنون" الذي يحاول أن يُعِد لعمليات الرصد التتبعي للموجات التثاقلية، وهي ظاهرة كانت إمكانية اكتشافها المباشر في ذلك الوقت لا تزال بعيدة عن المنال عقودًا من الزمان. يقول ماركا: "الآن، أنا وآخرون نشعر بأننا كنا على صواب". ويضيف: "لقد درسنا هذا النظام من النجوم النيوترونية المتصادمة على مجموعة متنوعة جدًّا من المُرسِلات. إذ رأيناه في الموجات التثاقلية، وفي أشعة جاما، وفي الأشعة فوق البنفسجية، وفي الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، وفي الأشعة السينية وموجات الراديو. ... هذه هي الثورة -بل التطور- في علم الفلك الذي تمنيته للمرة الأولى منذ 20 عامًا".

تصف فرانس كوردوفا -مديرة مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، أو اختصارًا NSF (الوكالة الفدرالية الأمريكية التي وفرت الجزء الأكبر من تمويل مرصد ليجو)- أحدث إنجازات المرصد بأنه "لحظة تاريخية في العلم"، لم تكن لتتحقق لولا عقود من الدعم الحكومي المستمر لمجموعة متنوعة من مراصد الفيزياء الفلكية. تقول كوردوفا: "إن اكتشاف الموجات التثاقلية، من أول نبضة إشارية قصيرة سُمِعَت حول العالم وحتى هذه النبضة الإشارية الأخيرة الأكثر طولًا، لا يؤكد صحة هذا النوع من الاستثمار عالي الخطورة، وعالي العائد الذي تقوم به مؤسسة العلوم الوطنية فحسب، ولكنه أيضًا يدفعنا للرغبة في عمل المزيد". وتضيف قائلةً: "إن ما آمله هو أن تستمر مؤسسة العلوم الوطنية في مساندة المبتكرين والابتكارات التي سوف تعيد تشكيل المعرفة، وتلهم العديد من الأجيال القادمة".

الفرصة الذهبية

بعد الاكتشافات الأولية لموجات الاندماج التثاقلية ودفقة أشعة جاما اللاحقة لها (رُصِدَت الأخيرة مباشرةً بواسطة التلسكوبين الفضائيين "فيرمي" و"إنتيجرال")، كان السباق جاريًا للعثور على مصدر التصادم، وعسى توهجه اللاحق أيضًا، في السماء. في خلال ساعات كانت فرق متعددة قد نظمت التلسكوبات المتاحة من أجل مراقبة المنطقة التي كان علماء مرصدي ليجو وفيرجو قد حسبوا أن المصدر يجب أن يكون فيها: رقعة من السماء تمتد إلى 31 درجة مربعة، وتحوي مئات من المجرات. (تقول كادوناتي إنه باستخدام مرصد ليجو وحده، كان البحث سيكون مثل "البحث عن بريق خاتم ذهبي في المحيط الهادي". أما بإضافة نقطة بيانات ثالثة من مرصد فيرجو، كما تقول، فقد تمكن الباحثون من تحديد موقع المصدر بشكل صحيح بالاستعانة بالتثليث المساحي، مقلصين نطاق البحث إلى شيء أشبه بالبحث عن "خاتم ذهبي في مكانٍ ما في البحر المتوسط").

تم الجزء الأكبر من عمليات الرصد في مراصد من شيلي حالما غربت الشمس وانجرفت المنطقة الحرجة من السماء حتى صارت فوق الأفق، على يد فرق مختلفة تتبع مجموعة متنوعة من استراتيجيات البحث. فبعضها اقتصر على أنه "كسا" المنطقة بعمليات الرصد، متحركًا بطريقة منهجية من جانب إلى الآخر، وبعضها الآخر استهدف مجموعات فرعية من المجرات التي رجحت النظريات استضافتها لاندماجات النجوم النيوترونية. وسرعان ما نجحت استراتيجية الاستهداف.

أول مَن شاهد التوهج اللاحق البصري بالفعل كان تشارلز كيلباتريك، وهو باحث ما بعد الدكتوراة بجامعة كاليفورنيا، بمدينة سانتا كروز. لقد كان جالسًا في مكتبه يفرز صور المجرات المختارة بناءً على طلب من أحد زملائه بسانتا كروز، وهو عالِم الفلك ريان فولي، الذي كان قد ساعد في تنظيم الحملة. في تاسع صورة فحصها -والتي التُقِطَت وأُرسلت بعجالة من قِبَل زملاء في النصف الآخر من العالم باستخدام تلسكوب "سوب" البالغ قطره مترًا بمرصد لاس كامباناس في شيلي- رآها: نقطة زرقاء ساطعة مطمورة في مجرة إهليلجية عملاقة، حشد من نجوم حمراء عجوزة تبلغ من العمر 10 مليارات سنة، تبعد حوالي 120 مليون سنة ضوئية، لا تحمل أسماء باستثناء التسميات الفهرسية. يسود اعتقاد بأن تلك المجرات هي المواطن الكونية الرئيسية لاندماجات النجوم النيوترونية نتيجةً لتقدُّم تلك المجرات في العمر، ولكثافتها النجمية وللغياب النسبي لعمليات التشكل النجمي حديثة العهد فيها. أظهرت مقارنة الصورة جنبًا إلى جنب بصور سابقة لنفس المجرة أن تلك النقطة لم تكن موجودة من قبل، لقد كانت شيئًا جديدًا وحديث العهد. يتذكر كيلباتريك قائلًا: "لقد أدركت ببطء شديد كم كانت تلك المناسبة عظيمة"، ويضيف: "ولكنّي كنت عاجزًا عن التفكير في أي شيء آخر في ذلك الوقت، إذ كنت أحاول أن أعمل بأسرع ما يمكن فحسب".

 

أخطر كيلباتريك أعضاء الفريق الآخرين وضمنهم جوش سايمون، عالِم الفلك بمراصد كارنيجي الذي سرعان ما ظفر بصورة تأكيدية بواسطة التلسكوب الأكبر بين تلسكوبي ماجيلان الثنائيين البالغ قطره 6,5 أمتار في شيلي. كانت النقطة الزرقاء هناك، أيضًا. على مدار ساعة، تتبع سايمون عن طريق قياس طيف النقطة -ويُقْصَد به الألوان المختلفة للضوء المنبعثة منها- من خلال تعريضين ضوئيين مدة كلٍّ منهما خمس دقائق. ورأى أنه قد تثبت فائدة تلك الأطياف لمزيد من الدراسة، أو على الأقل يمكنها أن تساعد في التأكد من أن النقطة لم تكن انفجارًا اعتياديًّا لمستعِرٍ أعظم أو ظاهرةً كونيةً زائفةً أخرى. في تلك الأثناء كانت الفرق الأخرى قد حددت موقع النقطة، وكانت منهمكةً في متابعات خاصة بها. بَيْد أن التأكيد السريع والأطياف من قِبَل فريق فولي أديا إلى انتزاع السبق لصالحهم. يقول سايمون: "لقد امتلكنا الصورة الأولى لهذا الحدث، ونحن نمتلك التعرُّف الأول على للمصدر في هذه الصورة". ويضيف: "ولأننا ظفرنا بهذين مبكرًا جدًّا، تمكنَّا أيضًا من الحصول على الطيف الأول لهذا الاندماج -وهو ما لم يتمكن أحد آخر في شيلي من عمله في تلك الليلة الأولى- ثم أصدرنا الإعلان الأول لبقية المجتمع العلمي".

ثبتت أهمية عمليات الرصد الطيفية المبكرة تلك للتحليل اللاحق ولحل ألغاز عديدة. لقد أوضحت التبرُّد السريع لبقايا الاندماج، وهي تذوي تدريجيًّا من أزرق زفيري ساطع إلى أحمر ياقوتي باهت في السماء. جرى تأكيد هذه القراءات على مدار الأسابيع القليلة اللاحقة من الرصد في حين كانت النقطة المرئية تتلاشى، إذ أخذ توهُّجها اللاحق يتبدل ويذوي مُصدِرًا ضوءًا من الأشعة تحت الحمراء أبرد وأطول في الطول الموجي. إن النمط العام للألوان، والتبرُّد والتمدُّد يقترب كثيرًا مما توقعه قبل أعوام عددٌ من علماء الفيزياء النظرية الذين يعمل كلٌّ منهم بمعزل عن الآخر، وأبرزهم برايان ميتزجر من جامعة كولومبيا، ودان كاسن من جامعة كاليفورنيا، بمدينة بيركلي.

يبين ميتزجر أن ما شاهده علماء الفلك من توابع الاندماج هو باختصارٍ شيءٌ يُدعَى "كيلونوفا"، وهو عبارة عن تدفُّق عارم من الاستضاءة ناتج عن الانبعاث والتحلل الإشعاعي لمادة من النجوم النيوترونية، وهذه المادة شديدة الحرارة لدرجة انبعاث ضوء أبيض منها، كما أنها غنية بالنيوترونات. في أثناء تمدد المادة وبرودها، يتم أسر معظم نيوتروناتها بواسطة أنوية الحديد وعناصر ثقيلة أخرى تخلفت كرماد من انفجار السوبرنوفا الذي كوَّن النجم النيوتروني، مكونةً بذلك عناصر أثقل. يقول ميتزجر: "على مدار ثانية واحدة تقريبًا، في أثناء أسر المقذوفات لهذه النيوترونات وتمدُّدها عبر الفضاء، سوف يُشَكِّل أحد هذين النجمين المندمجين النصف السفلي لعناصر الجدول الدوري، الذهب، والبلاتين، واليورانيوم وما إلى ذلك". وقرب نهايته، يتحول ضوء الكيلونوفا تحوُّلًا جذريًّا إلى الأشعة تحت الحمراء، في حين تُشَكِّل النيوترونات المنهمرة عبر المقذوفات العناصر الأثقل، والتي تمتص الضوء المرئي بكفاءة وفاعلية.

إن قياس التطور الطيفي للكيلونوفا، بدوره، يتيح لعلماء الفلك تقدير كمية العناصر المختلفة التي أنتجها. إدو برجر، الذي يدرس ظواهر الكيلونوفا بمركز هارفارد- سميثونيان للفيزياء الفلكية وأشرف على العديد من عمليات الرصد التتبعية للاندماج وأكثرها طموحًا، يقول إن الحدث أنتج تقريبًا ما يعادل 16000 كتلة أرضية من العناصر الثقيلة. ويقول: "إن ذلك يشمل كل شيء، الذهب والبلاتين واليورانيوم، بالإضافة إلى العناصر الغريبة التي تراها حروفًا فقط في الجدول الدوري ولا تعرف أسماءها". ويضيف: "وماذا عن النسب التفصيلية؟ فيما يتعلق بذلك، أعتقد أنه ما من إجابة دقيقة لدينا بعد".

اقترح بعض علماء الفيزياء النظرية أن بضع عشرات فقط من الكتل الأرضية من الذهب قد أُنْتِجَت في الاندماج. من جانبه، قدّر ميتزجر محصلة الذهب الناتج عن الاندماج بحوالي 100 كتلة أرضية، بالإضافة إلى حوالي ثلاثة أضعاف ذلك من البلاتين وعُشر ذلك من اليورانيوم. على أية حال، عند مقارنة ذلك بأحدث التقديرات الإحصائية لعدد المرات التي لا بد أن تقع فيها هذه الاندماجات، المستندة جزئيًّا إلى الاكتشاف الأخير، يقول ميتزجر: تصل إلى معدل مرتفع بما يكفي لكل مجرة في العام لجمع العناصر التي تُشَكِّل مجموعتنا الشمسية والكميات الوفيرة التي نراها في النجوم الأخرى". ويضيف: "كل هذه الأشياء التي نراها، يمكنك تفسيرها بواسطة هذه الاندماجات. قد تكون ثمة طرق أخرى لإنتاج العناصر الثقيلة، ولكن لا يبدو أننا بحاجة إليها". ويقول إنه في المتوسط، من المحتمل أن اندماجًا واحدًا فقط لنجمين نيوترونيين يحدث في مجرة درب التبانة كل عشرة آلاف عام.

 

الأفق البعيد

علاوة على ذلك، فإن الدراسة الدقيقة لكيفية نشأة حدث كيلونوفا الفلكي نتيجةً للاندماج قد تحمل معلومات جوهرية عن الكيفية التي حدث بها التصادم. فعلى سبيل المثال، الضوء الناتج عن الانبعاثات الأولى لهذا الاندماج كان أكثر زرقةً من المتوقع، مما يوحي إلى ميتزجر وعلماء فلك آخرين بأن حدث الكيلونوفا الفلكي كان يُشاهَد من زاوية وليس مباشرةً. في هذا السيناريو من شأن الانبعاث الأزرق المبكر أن يأتي من قشرة كروية أو حزام استوائي من مادة تفتقر نسبيًّا إلى النيوترونات تنبعث من النجوم النيوترونية بسرعة ربما تبلغ 10 بالمئة من سرعة الضوء. أما الانبعاث الأخير الأكثر حمرةً فمن شأنه أن يخرج من مادة غنية للغاية بالنيوترونات تنبعث بسرعات أعلى مرتين أو ثلاث مرات من أقطاب النجمين النيوترونيين في أثناء تصادمهما، مثل انبثاق معجون أسنان من أنبوبة.

هذا السيناريو، مقترنًا بعمليات رصد مستفيضة للأشعة السينية ولموجات الراديو، يساعد في تفسير الطبيعة الغريبة لدفقة أشعة جاما المصاحبة للاندماج -وهي أقرب دفقة أشعة جاما شوهدت على الإطلاق، ولكنها أيضًا من أكثرها خفوتًا. يسود الاعتقاد بأن دفقات أشعة جاما القصيرة هي تدفقات ثنائية القطب من إشعاع كثيف يتسارع دورانه وينبعث بسرعة الضوء تقريبًا بواسطة مجالات مغناطيسية عاتية داخل النجوم النيوترونية المتصادمة في أثناء التحامها وانهيارها وتحوُّلها إلى ثقب أسود. إذا ما شوهدت مباشرةً، وكأنك تحدِّق في فوهة البندقية التي تنطلق منها دفقة أشعة جاما، إذا ما جاز التشبيه، فإنها تبدو فائقة اللمعان. هذا هو حال أغلب تلك الدفقات التي يشهدها علماء الفلك في الكون البعيد. لكن إذا كانت مائلةً أو منحرفةً عن خط رؤيتنا فسوف تبدو أكثر خفوتًا ولن يكون من الممكن رؤيتها إلا إذا كانت قريبة نسبيًّا، في نطاق عدة مئات من ملايين السنوات الضوئية.

باستخدام الكم الهائل من البيانات التي يتيحها علم فلك المرسِلات المتعددة، عندئذٍ، ربما يتمكن علماء الفلك في النهاية من تحديد زوايا الرؤية للعديد من ظواهر الكيلونوفا في أنحاء الكون المنظور، جاعلين من كل واحدة منها علامة أكثر فاعلية لقياس واسع النطاق للبنية والتطور الكونيين. من شأن هذا أن يتيح للعلماء التصدي بشكل أفضل للُغز يمكن القول بأنه أكثر تعقيدًا من لغز أصل العناصر الثقيلة، وهي المعلومة المحيِّرة القائلة بأن الكون لا يتمدد فحسب، بل يتسارع بمعدل متزايد على الدوام تحت تأثير نوع من الجاذبية المضادة المُمَدِّدة للكون يُعْرَف باسم الطاقة المظلمة.

يأمل علماء الكونيات تعزيزَ فهمهم للطاقة المظلمة عن طريق قياس تأثيرها على الكون بدقة، آخذين في تتبُّع الأجسام في مناطق تزداد بُعدًا على الدوام ليروا مدى بُعد تلك الأجسام عن الأرض، ومقدار سرعة حركتها وهي في براثن التدفُّق المتسارع الذي تسببه الطاقة المظلمة. ولكن لكي يفعلوا ذلك هم بحاجة إلى "شموع قياسية" موثوقة، وهي أجسام بسطوع معروف يمكن استخدامها لمعايرة هذا المرأى الشاسع الساحق من الزمكان. أوضح دانيال هولز -عالِم الفيزياء الفلكية والمساهم في مشروع ليجو بجامعة شيكاجو- كيف يمكن للنجوم النيوترونية المندمجة أن تُسهِم في هذا الجهد. يوضح عمله أن شدة الموجات التثاقلية لهذا الاندماج الأخير والانبعاثات من ظاهرة الكيلونوفا الخاصة بها يمكن استخدامها لحساب معدَّل تمدُّد الكون المحلي. تُسفر هذه التقنية، مقتصرةً على اندماج واحد فحسب، عن قيمة تحمل قدرًا كبيرًا من عدم اليقين، وإن كانت لا تزال في الحدود التقريبية لمعدل التمدد الذي تُحُصِّل عليه بطرق أخرى. لكن في الأعوام القادمة، عندما تعمل مراصد الموجات التثاقلية وجيل جديد من التلسكوبات الكبيرة على الأرض وفي الفضاء معًا لتعرُّف المئات من تصادمات النجوم النيوترونية –أو حتى الآلاف منها- كل عام، سوف تتحسن تلك التقديرات بشكل ملحوظ.

يقول ريتشارد أوشونيسي -عالِم الفيزياء الفلكية، وعضو فريق ليجو بمعهد روتشيستر للتكنولوجيا-: "ما يعنيه كل هذا هو أن الموجات التثاقلية الناتجة عن هذه الاندماجات والتي قاسها مرصدا ليجو وفيرجو تتكامل مع نموذج ظاهرة الكيلونوفا الذي يشير إلى زاوية ميلها، وزاوية معاينتها، عن طريق تغيُّر طيفها من الأزرق إلى الأحمر". ويضيف: "تلك علاقة تآزُر قوية. فإذا عرفنا زاوية الميل، يمكننا أن نعرف المسافة، وذلك يساعدنا في علم الكونيات. ما أُنجِز في هذا الإطار هو نموذج مبدئي لما سوف نفعله على نحوٍ منتظم في المستقبل".

 ويقول أوشونيسي: "إذا فكرت في الأمر، فستجد أن الكون بمنزلة مصادم جسيمات كوني، تؤدي فيه النجوم النيوترونية دور الجسيمات. يجمع الكون النجوم النيوترونية ببعضها، والفرصة متاحةٌ لنا الآن لمشاهدة ما يُسْفِر عنه ذلك. سوف نرى العديد والعديد من هذه الظواهر في الأعوام القادمة، أما كم منها، فلا يمكنني أن أقول لك، ولكن البعض يصفها بالفعل بأنها "مطر". هذا الحدث بمنزلة حجر رشيد؛ فهو يعطينا بيانات حقيقية لنوصل عناصر الفيزياء الفلكية المتباينة ببعضها، والتي لم يكن لها وجود من قبل إلا في أذهان علماء الفيزياء النظرية، أو على شكل بتات في محاكاة يصنعها جهاز كمبيوتر فائق. إنه يتيح لنا أن نفهم الكثافة الكونية للعناصر الثقيلة. ويمكِّننا من دراسة انسحاق المادة النووية عند كثافات قصوى. إنه يسمح لنا بقياس التمدد الكوني. تضع أوجه التضافر هذه برنامج عمل مجال الفيزياء الفلكية للجسيمات ذات الطاقة العالية كله لعقود قادمة، وهي مبنية على عقود من توظيف الوقت والجهد والمصادر. إننا الآن نجني الثمرة، جبلًا من الذهب يزن 10 أضعاف أو مئة ضعف كتلة الأرض، قد أعطانا الكون إياه الآن توًّا‘‘.