في عصرنا الحديث جاءتنا مادة جديدة تم اكتشافها في مطلع القرن الماضي، وتربعت على عرش المواد المستخدمة في كافة المجالات.

المادة الجديدة تعتمد أساسًا على تركيب كيميائي متصل يربط الوحدات الكيميائية الصغيرة بعضها ببعض ليشكل سلسلةً متصلةً من الجزيئات حيث تتكون مادة ذات خواص جديدة يمكن أن تكون بديلًا للعديد من المواد التقليدية، الاسم العلمي لهذه المادة هو البوليمر، وهو اسم إغريقي مشتق من كلمتين: "بولي" وتعني عديد، و"ميروس" وتعني وحدة (أو جزء)، فالبوليمر يعني الوحدات أو الأجزاء العديدة المتصلة، أما الاسم الصناعي لهذه المادة فهو "البلاستيك"، والاسم أيضًا مشتق من الأصل الإغريقي للكلمة (بلاستيكوس) وتعني "القابل للتشكيل"، فالاسم العلمي يصف تركيب المادة، أما الاسم الصناعي فيصف خواص تلك المادة الجديدة بالدرجة الأولى، المثير أن خواص البوليمر تختلف كثيرًا عن خواص الوحدات الأساسية المركبة منها أصلًا، فلو نظرنا مثلًا إلى وحدة الإثيلين فهي غاز مكون من ذرتين من الكربون وأربع ذرات من الهيدروجين، وهي تختلف تمامًا حين تتشابك سلسلة الوحدات المكونة من جزيئات الإثيلين فنحصل على مادة بلاستيكية هي "البولي إثيلين"، وهي مادة لدنة شائعة الاستخدام في التغليف وغيرها من الاستخدامات.

لماذا البلاستيك؟

البلاستيك أصبح مادة العصر، فهو يتمتع بخواص متنوعة يمكن التحكم فيها (وفقًا للوحدات الأساسية المشتق منها البوليمر، وطريقة تصنيعه، ونوع الإضافات المزود بها المنتج النهائي)، والبلاستيك مادة قليلة الكثافة، وبالتالي فإن وزنها لا يمثل عبئًا على المنتجات النهائية التي يدخل في تركيبها من المركبات والمنشآت وغيرها، وهي مادة سهلة التصنيع والتركيب (إذ تتنوع طرق تصنيعها)، كما أنها مادة قليلة الثمن نسبيًّا مقارنةً بغيرها من المواد التقليدية والخامات الصناعية.

يتم استخدام مواد البلاستيك لفترات زمنية قد تقصر أو تطول، تتحول بعدها تلك المواد إلى نفايات، وقد تقل فترة صلاحية استخدامها عن العام إذا استُخدمت في التعبئة والتغليف، وقد يمتد عمرها إلى خمسة أعوام لو استُخدمت في صناعة الأثاث، وقد يطول عمر المواد البلاستيكية ليصل إلى خمسة عشر عامًا لو استُخدمت في صناعة المركبات والسيارات، وقد يزيد عمرها على ربع قرن لو استُخدمت في صناعات البناء والمنشآت.

يقوم العالم بتصنيع ما يزيد على 350 مليون طن من البلاستيك سنويًّا، إذ قُدر استهلاك الفرد بنحو 50 كيلوجرامًا من البلاستيك سنويًّا، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2050م، المثير أن ما يزيد على ثلث البلاستيك المصنَّع سنويًّا يُستخدم في التعبئة والتغليف (ويصل الرقم في بعض البلاد إلى 40%)، فتتراكم النفايات بمعدل سريع، وقد قيل في ستينيات القرن الماضي إننا على مدار السنة نصنع أفلامًا من النايلون تكفي لتغليف الكرة الأرضية عدة مرات، ومن ثم فإنه سيأتي يوم تغطي فيه نفايات البلاستيك سطح الكرة الأرضية، الأمر الذي كاد أن يتحقق!!

البلاستيك والبيئة

المشكلة تتضاعف حين نعلم أن نفايات البلاستيك يمكن أن تظل ثابتةً في البيئة الطبيعية لقرون طويلة ولا تتحلل فتمثل عبئًا بيئيًّا كبيرًا وتسبب ضررًا للإنسان والحيوان حين تتسرب إلى السلسلة الغذائية.

كان التفكير: ما العمل في مادة كانت تمثل فرصة؛ فهي البديل لندرة المواد التقليدية، فأصبحت تمثل أزمة، فالعبء البيئي للبلاستيك أصبح همًّا ثقيلًا على اليابسة والمجاري المائية، حيث تكونت جزر عائمة من نفايات البلاستيك في المحيطات، وقدر البعض أن وزن نفايات البلاستيك سوف يتجاوز وزن الأسماك الموجودة في البحار.

للتبسيط سنقصر حديثنا على استخدام البلاستيك في صناعة التعبئة والتغليف، فلقد كان التفكير في تطبيق إستراتيجيات متعددة للحفاظ على البيئة من نفايات البلاستيك المتراكمة من عمليات التغليف، منها تجنُّب استخدام مواد البلاستيك واللجوء إلى مواد بديلة، ومنها إعادة تدوير نفايات البلاستيك، ومنها التخلص من نفايات البلاستيك بالحرق، ومنها صناعة أنواع جديدة من البلاستيك تتوافق مع البيئة ولا تتراكم بها كنفايات.

لم يكن البديل الأول فعالًا، فحين تم تحليل دورة الحياة لمختلِف المواد، تبيَّن أن المواد البديلة المرشحة للتغليف تستهلك من أجل تصنيعها كميةً من الطاقة تفوق ما يستخدمه البلاستيك بعدة أضعاف، فالورق والزجاج يتطلب تصنيعه ضعف الطاقة التي يستهلكها البلاستيك، أما الألومنيوم فيستهلك عشرين ضعفًا!! فهل من المعقول أن نتسبب في إحداث التلوث البيئي بدعوى إنتاج مادة تحافظ على البيئة!! وبمقارنة تداعيات استخدام البلاستيك بعد الإنتاج بغيره من المواد التقليدية، فإن استخدام الزجاج في التعبئة يزيد من وزن مادة التعبئة عند النقل ويقلل من حجم العبوة المرغوبة، فضلًا عن تكلفة الوقود المضاعف لنقل الزجاج الثقيل!!

وحققت الفكرة الثانية من اللجوء للتدوير نجاحًا ملحوظًا، ولكننا لا يمكننا تدوير كل شيء؛ فالنفايات المبعثرة لا يمكن جمعها وتدويرها، إذ يكون ذلك مكلفًا إلى حدٍّ كبير، وهنا كان التفكير في تنظيم جمع النفايات بطرق مبتكرة ليسهل تدويرها، ما رأيك أن تركب الحافلة في مقابل أن تقدم قارورة بلاستيك فارغة!! كما تم ابتكار طرق فصل النفايات من المنبع، ووضعت علامات أو أرقام لتحديد أنواع نفايات البلاستيك ليسهل التعرُّف عليها حين فصلها، وتم استخدام الميكنة في عمليات فصل الأنواع المختلفة وإدخال ذلك البلاستيك في عمليات الإنتاج الجديدة.

كانت الفكرة الثالثة -وهي حرق نفايات البلاستيك واستخلاص الطاقة منها- تعتمد على الحقيقة العلمية أن البلاستيك مشتق أصلًا من المواد النفطية، فكأنني استعرت برميل البترول مدةً من الزمن لاستخدامه كبلاستيك، وعند الانتهاء من استخدامه وتحوُّله إلى نفايات يتم إحراقه لاستخلاص الطاقة الحرارية الكامنة فيه، التي تزيد عن طاقة الفحم!! ولكن هذه الفكرة تحتاج إلى تجهيزات متقدمة للتخلص من الغازات الضارة الناجمة عن عملية الحرق.

البديل الرابع كان السعي لإنتاج أنواع جديدة من البلاستيك المتوافق مع البيئة؛ فلو استطعنا التحكم في قوة الروابط في السلسلة الهيدروكربونية المكونة للبوليمر فإنه يمكننا الحصول على البلاستيك المتوافق مع البيئة.

الفكرة العلمية تقوم على أن قوة الرابطة في السلسلة البوليمرية تعتمد أساسًا على الكتل الكيميائية المحيطة بالرابطة التي تصل الجزيئات، كان التركيز على تغيير المجموعات الكيميائية المحيطة بالرابطة في السلسلة الهيدروكربونية حتى تصبح قوة الرابطة متطابقةً مع تردد الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في الطيف الشمسي؛ فلو بقي البلاستيك في داخل المنزل فإنه يظل ثابتًا لا يتأثر بالضوء المرئي (فيما بين 400– 700 نانومتر)، ولكن عند ترك البلاستيك في العراء تحت أشعة الشمس فإنه يتفتت بفعل الأشعة فوق البنفسجية ذات القوة الأكبر والتردد الأقصر (220 نانومترًا)، ويتحول البلاستيك إلى حبيبات صغيرة تستطيع البكتيريا التهامها، ويتحول البلاستيك إلى ماء وثاني أكسيد الكربون والكتلة الحيوية، وتتلاشى النفايات البلاستيكية التي سببت أرقًا وإزعاجًا للبيئة، المشكلة أن نواتج التحلل من قطع البلاستيك الصغيرة (الميكروبلاستيك) التي لا تستطيع البكتيريا التهامها يمكن أن تتراكم في البيئة وتزيد من المشكلة، ولقد تم رصد تراكم الميكروبلاستيك في البيئة البحرية، على الشواطئ وفي مياه البحار بل في قاع المحيطات أيضًا، هنا تم التوجه إلى تصنيع البلاستيك من أصول حيوية (من السكاكر أو السليولوز أو غيرها) لتتحلل بشكل كامل ويمكن للبكتيريا التهامها ولا تترك أثرًا في البيئة، ووضعت المعايير وسنت القوانين التي تنظم إنتاج هذا البلاستيك الحيوي وكيفية استخدامه.

التعريف بالبلاستيك المتوافق مع البيئة

في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، جاءتني دعوة من المركز الدولي للعلوم المتقدمة الواقع بمدينة تريستا بشمال إيطاليا، التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، للمشاركة في مجموعة علمية قام المركز بتكوينها للتعريف بالبلاستيك المتوافق مع البيئة، تم الاتفاق في تريستا على إعداد برنامج تدريبي متكامل يشمل دراسة الأساس العلمي للبلاستيك المتوافق مع البيئة: فكرته العلمية، وطريقة تحضيره وتصنيعه، وتأثيره في الحفاظ على البيئة والحد من تراكُم نفايات البلاستيك.

تم عرض البرنامج العلمي في العديد من البلاد في مختلف أنحاء المعمورة، وتدريب الحاضرين على مختلف جوانب البلاستيك المتوافق مع البيئة، في منطقة الشرق الأوسط كانت الزيارات لمصر، والبحرين، وقطر والإمارات وتركيا، وفي أوروبا كانت هناك زيارة لبولندا وسلوفينيا، وفي جنوب أمريكا كانت الزيارات للمكسيك والبرازيل والأرجنتين، وفي آسيا كانت الزيارات للهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية والصين، وقام الفريق العلمي بشرح مختلِف جوانب البرنامج -التي شملت التحضير والتصنيع والتطبيق- في هذه البلاد.

الأوليمبياد الخضراء

في الصين كانت الزيارة الأولى لجامعة فودان في شنغهاي، ثارت المناقشات العلمية حول البلاستيك المتوافق بيئيًّا وطرق اختباره وفوائد تطبيقه، نحن الآن في مطلع الألفية الثالثة، والصين سوف تقوم بتنظيم الدورة الأوليمبية في عام 2008م، كان اقتراحنا على استحياء، ماذا لو قررت الصين استخدام البلاستيك المتوافق بيئيًّا في هذه الدورة الأوليمبية لتعريف العالم بأهمية الحفاظ على البيئة والحد من نفايات البلاستيك؟ قلنا إن هذه الدعوة لها دلالة مهمة، خاصةً أن الصين واحدة من أكثر الدول إنتاجًا للبلاستيك ونفاياته، وعدَنا المسؤولون بأنهم سيرفعون الاقتراح إلى اللجنة الأوليمبية المحلية في الصين تمهيدًا لرفعه إلى اللجنة الأوليمبية الدولية.

Credit: Sherif Kandil

 جاءت الموافقة بأن تكون الدورة الأوليمبية في الصين دورةً خضراء صديقةً للبيئة، لا يُستخدم فيها إلا البلاستيك المتوافق مع البيئة.

في عام 2007م تمت دعوتنا مرةً ثانية، ولكن إلى بكين في هذه المرة، وهناك كان الحديث عن الاستعدادات التي قامت بها الصين للإعداد للأوليمبياد الخضراء، كم عدد الرياضيين والإداريين والزائرين الذين سوف يقيمون في الصين طوال فترة الأوليمبياد، كم عدد الأدوات البلاستيكية التي سوف يتم استخدامها في هذه الدورة، وبدأت المصانع تدور لإعداد هذه الأدوات من البلاستيك الحيوي حتى تصبح الدورة الأوليمبية أول دورة خضراء في التاريخ، الجميل جدًّا أن حملةً إعلاميةً تواكبت مع هذه الاستعدادات أُطلقت لتعريف المواطنين بالبلاستيك المتوافق بيئيًّا، بل تم تعريف الأطفال في المدارس بالأسس العلمية للبلاستيك الحيوي المتوافق مع البيئة.

تابعت على التلفاز من الإسكندرية أحداث الدورة ومسابقاتها ومنافساتها، وتابعت أخبار البلاستيك المتوافق مع البيئة في الصين، كنت سعيدًا وفخورًا بأن أشهد وأشارك في حدثٍ من التاريخ.

الصين الخضراء

انتهت الدورة الأوليمبية وسعد الجميع بها، جاءتني دعوة جديدة للذهاب إلى الصين في نهاية عام 2008م، تعجبت، لقد انتهى احتفال الأوليمبياد بنجاح، وكانت أوليمبياد خضراء أشاد بها كل الناس، فماذا بعد؟

قالوا لنا: نحن نريد أن نصنع الصين الخضراء، والصين واحدة من أكثر الدول إنتاجًا لنفايات البلاستيك ولها مشكلات بيئية متعددة، تم تبادل الرأي حول الخطى العلمية والصناعية والإعلامية المقترحة، ووضعت مختلف السيناريوهات لتحويل الصين إلى دولة صديقة للبيئة.

تركت الصين وقد استقر في عقلي أن تلك البلاد سوف تقود العالم يومًا ما.

ويكاد تصوري أن يتحقق!!

إلا أنه لا يزال هناك سؤال يدور في رأسي، هل ستنجح الصين أيضًا في التحول إلى الصين الخضراء؟ أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال لا تزال تحتاج إلى المزيد من التحقق.