ذكرت دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، أن صفيحة "جرينلاند" الجليدية تذوب بمعدل أسرع مما كان عليه في الماضي.

وأشارت الدراسة، التي حللت بيانات تعود لعدة قرون، إلى أن معدلات الذوبان خلال السنوات الماضية تتزايد بوتيرة لا خطية، ما يعني أن الجليد لا يذوب بمعدل ثابت، وهو أمر يُسهم في ارتفاع مستويات سطح البحر باطِّراد لا يُمكن حسابه على وجه الدقة، وقد ينجم عنه غرق عدد من المدن الساحلية في توقيت أكثر بكورًا مما كان يُعتقد سابقًا.

يعرف الباحثون الآن على وجه الدقة، بفضل تقنيات الرصد المعتمدة على الأقمار الصناعية، معدلات ذوبان الجليد في الغطاء الجليدي بمنطقة "جرينلاند"، عبر دراسة الجريان السطحي، (تعتمد عملية الجريان السطحي على كمية الأمطار والمدة التي هطلت بها، وحالة التربة قبل سقوط المطر سواء كانت جافة أو رطبة، وما إذا كان نسيج التربة مساميًّا أو مضغوطًا، إضافة إلى درجة ميل السطح وشدته، وقياس كثافة الجليد باستخدام المجسَّات المُدمَجة في تلك الأقمار)، إلا أن المعلومات التي سبقت عصر الأقمار الصناعية كانت مجهولة.

غير أن الفريق البحثي الذي نشر تلك الدراسة تَمكَّن من تطوير طريقة لمعرفة ذوبان الجليد خلال 350 سنةً مضت، عبر إجراء مجموعة من التحليلات على الطبقات الموجودة حاليًّا.

حين يذوب الجليد، ينساب جزء منه إلى المحيطات والمجاري المائية، في حين يتجمد القليل منه مرةً أخرى مكونًا طبقةً جديدةً فوق الطبقات القديمة، وهو ما يؤدي إلى اختلاف لوني في طبقات الثلج الجديدة؛ إذ يقل بياض الطبقات التي أُعيد تجمُّدها من ماء مُنساب عن الطبقات الأصلية.

وتُظهر النتائج أن زيادة كثافة الذوبان تراوحت بين 250% و575% على مدى العقدين الماضيين.

استخرج العلماء عينات من الجليد في الطبقات التي يزيد ارتفاعها عن 6000 قدم فوق مستوى سطح البحر؛ إذ حفروا هذه الارتفاعات لضمان احتواء النوى على سجلات لكثافة الذوبان في الماضي، بدرجة تسمح لهم بتمديد سجلاتهم حتى القرن السابع عشر، ثم قاموا بنقل العينات إلى مختبر العلوم الأمريكي، وكلية ويتون، ومعهد بحوث الصحراء في رينو، لقياس الخواص الفيزيائية والكيميائية على طول النوى لتحديد سُمك طبقات الذوبان وعمرها.

واستخدم الباحثون تقنيات رصد يُمكنها تَعرُّف تلك الطبقات، والتفرقة بينها، ثم صمموا نموذجًا حاسوبيًّا لإعادة قراءة معدلات الذوبان في الماضي، لينجحوا في حسابها على وجه الدقة، حسبما ذكر الأستاذ المساعد في قسم الجيولوجيا بجامعة روان، "لوك دي تروسيل"، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة.

ويقول "تروسيل" في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي تَمكَّن من تمديد سجل ذوبان الجليد بمنطقة "جرينلاند" إلى عام 1650 ميلادية، ما يُعد اختراقًا لمنطقة زمنية مجهولة لم يُعرف عنها أي معلومات تخص معدلات ذوبان الجليد من قبل".

وقد قام الباحثون بعمل مُقارنات واسعة منذ ذلك الزمان إلى الآن، ليستنتجوا أن معدلات الذوبان ترتفع باطِّراد بطريقة لا نمطية وغير منتظمة.

وتشير الدراسة إلى أن انصهار الجليد في "جرينلاند" عام 2012 كان الأكبر من نوعه خلال 350 عامًا، موضحةً أن السماء الصافية في تلك المنطقة سمحت بنفاذ كميات أكبر من أشعة الشمس، أسهمت في تسخين الطبقات الجليدية، مما أدى إلى حدوث الذوبان بوتيرة أسرع.

يضيف "تروسيل" أن المستقبل قد يشهد حدوث ذوبان بصورة أكبر، خصوصًا مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو ما يُمكن أن يؤدي إلى كوارث مُحققة تشهدها المدن الساحلية في أنحاء العالم؛ من جَرَّاء ارتفاع منسوب مياه سطح البحر.