تحتوي جرينلاند -إحدى أكبر جزر العالم- على ثاني أكبر مستودع من الجليد على كوكب الأرض بعد القارة القطبية الجنوبية "أنتاركتيكا". في السنوات الأخيرة، تعرضت الجزيرة -بحكم موقعها الجغرافي في نطاق المنطقة المتجمدة الشمالية- لتأثيرات تغيرات المناخ وظاهرة الاحترار العالمي، ما تسبَّب في فقدانها مساحات شاسعة من غطائها الجليدي.

تشير نتائج دراسة حديثة منشورة في دورية "نيتشر ساستينابيليتي" إلى أن تَسارُع معدلات ذوبان الجليد خلَّف وراءه كميات ضخمة من الرواسب والرمال والحصى، ما يمثل فرصةً واعدة لدعم أعمال البنية التحتية في جرينلاند، إضافةً إلى إمكانية التصدير للخارج، ودعم اقتصاد الجزيرة الهش. يأتي هذا في وقت تقلصت فيه الاحتياطيات العالمية من الرمال في العقود الأخيرة، بينما ازداد الطلب عليها بفضل تَسارُع معدلات التحضر العالمي وارتفاع معدلات الاستثمارات في البنية التحتية.

الدراسة التي أعدها فريق بحثي مكوَّن من جغرافيين وجيولوجيين في جامعات أمريكية ودنماركية شددت على أن أمام جرينلاند فرصةً كبيرةً لتعزيز اقتصادها وتعظيم الاستفادة من آثار التغير المناخي من خلال استغلال الرواسب والحصى والرمال الناجمة عن ذوبان الجليد في التصدير، في وقت يزيد فيه الطلب على الرمال عالميًّا. إلا أن هذا الاستغلال للرمل يتطلب أيضًا تقييمًا دقيقًا للأثر البيئي.

تُعد "الدراسة الحالية دراسة استشرافية، تعتمد بالأساس -بالإضافة إلى الجهد الميداني- على دراسات منشورة بالفعل، كما تستند إلى بحث ميداني حول التغيرات الساحلية في جرينلاند كرد فعل على ذوبان طبقة الجليد في الجزيرة"، وفق "لارس إيفرسون"، الباحث بجامعتي أريزونا وكوبنهاجن، والباحث المشارك في الدراسة، في تصريح لـ"للعلم".

جزيرة التناقضات

تتمتع جزيرة جرينلاند بعزلة جغرافية كبيرة بحكم موقعها في المنطقة القطبية الشمالية، اكتشفها البحار النرويجي "إريك الأحمر" وأنشأ فيها مستعمرة سكنية في عام 985، وأطلق عليها اسم "جرينلاند" ليجذب إليها السكان. ورغم أنها أقرب جغرافيًّا إلى كندا، إذ لا يفصلهما سوى 26 كم فقط، إلا أنها منطقة حكم ذاتي تتبع مملكة الدنمارك، ولها برلمان محلي، وعاصمتها هي مدينة "نوك".

جرينلاند، ليست خضراء أيضًا كما يبدو من اسمها؛ إذ يغطي الجليد الأبيض قرابة 80% من مساحتها البالغة 2,175,600 كيلومتر مربع، ولكي نتخيل مدى كِبَر حكم الجزيرة فإن مساحتها أكبر من: فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا واليونان وسويسرا وبلجيكا، مجتمِعات.

ويبلغ حجم الكتلة الجليدية في جرينلاند 2.85 مليون كيلومتر مربع، تمثل قرابة 7% من جملة احتياطي المياه العذبة على كوكب الأرض. يطلق الجرينلانديون على جزيرتهم "أرض الناس"، إلا أن مجموع سكان الجزيرة يصل إلى 56,500 نسمة فقط، يتحدثون اللغتين الجرينلاندية، والدنماركية بعد أن أصبحت جزءًا من مملكة الدنمارك في عام 1953.

اقتصاد جرينلاند

تُخلِّف المسطحات الجليدية الذائبة كميات هائلة من الرمال والرواسب على سواحل جرينلاند، التي تُسهِم وحدها بقرابة 8% من كمية الرواسب التي تتلقاها المحيطات عالميًّا، وهي نسبة من المتوقع زيادتها مع تَسارُع معدلات ذوبان الجليد، وفق "ميت بيندكسن"، أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة "كولورادو- بولدر"، والباحث الرئيسي في الدراسة.

وتقدِّر الدراسة القيمة السوقية للرمال والحصى التي يخلفها الجليد الذائب سنويًّا في جرينلاند بما يعادل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لجرينلاند، البالغ 2,22 بليون دولار أمريكي في عام 2015، ويُتوقع أن تتضاعف هذه القيمة في غضون الـ25 عامًا المقبلة، خاصةً مع مواصلة أسعار الرمال الارتفاعَ عالميًّا. ووفق الدراسة فإن تصدير الرمال هو إجراء منقذ لاقتصاد جرينلاند الذي يعتمد نصفه تقريبًا على المساعدات الدنماركية؛ إذ يعني التصدير، وبالتالي مزيدًا من فرص العمل، يتبعها زيادة في الضرائب وزيادة في الدخل القومي.

تبلغ نسبة البطالة بين السكان في سن العمل في جرينلاند حوالي 10%، لم يتلق 70% منهم تعليمًا أعلى من المرحلة الثانوية. ويحتضن قطاع الأعمال الحالي في جرينلاند عددًا من الشركات الصغيرة، يعمل معظمها في مجال البناء والخدمات والتجارة التقليدية. وتواجه جرينلاند فجوةً متزايدةً بين إيراداتها والتكلفة المرتبطة بدعم البنية التحتية والخدمات الاجتماعية للسكان، في حين يحتاج اقتصاد الجزيرة سنويًّا إلى حوالي 160 مليون دولار أمريكي إضافية للحفاظ على المستوى الحالي لرفاهية السكان.

يقوم اقتصاد جرينلاند بشكل أساسي على الصيد؛ إذ بلغ إجمالي صادرات الجزيرة في عام 2013 حوالي 366 مليون يورو، كان إسهام صيد الأسماك والمحار فيها 88% من إجمالي الصادرات التي أسهم التعدين فيها بنسبة 2% فقط، ما دفع الحكومة المحلية في الجزيرة إلى التركيز على الاستفادة من ثروتها المعدنية التي تزيد على 75 نوعًا فريدًا من المعادن والعناصر الثمينة مثل الذهب والبلاتين والألماس واليورانيوم. كما تُسهم السياحة في الاقتصاد في جرينلاند، لكن عزلة الجزيرة تجعل إسهامات السياحة ضئيلة جدًّا، إذ يبلغ عدد السائحين الذين يزورون الجزيرة سنويًّا قرابة الـ35,000 سائح. إضافةً إلى ذلك، تتلقى جرينلاند منحةً سنويةً من حكومة الدنمارك قدرها 470 مليون يورو.

بدأ تكوُّن الرواسب على طول ساحل جرينلاند منذ بداية الفترة بين الجليدية الحالية منذ حوالي 11700 سنة. وتتركز هذه الرواسب في مناطق الدلتاوات والخلجان و"الفيوردات"، التي توصف بأنها مكتنفات مائية ضحلة داخل اليابس، تتكون بعد تَراجُع الجليد.

وتُعَد الرواسب الخشنة في قيعان الأنهار الجليدية الذائبة مادةً مناسبةً للاستخدام في أعمال البناء والبنية التحتية. كما تشير الدراسة إلى أن حوالي 15% من إجمالي حمولة الرواسب هي من رمل الكوارتز، الذي يدخل في تركيب العديد من الأحجار الكريمة ويُعَد المركب الأساسي للأحجار الرملية المستخدمة في أعمال البناء، وصناعة الزجاج والسيراميك والقوالب المستخدمة لصب المعادن، إضافةً إلى عدد من الصناعات الأخرى.

أزمة عالمية

تتزايد معدلات عمليات التنمية والتحضر والتوسع في البنية التحتية عالميًّا، ويتبعها بالضرورة تَناقُص في مخزون العالم من الرمال والحصى. "يتوقع أن يرتفع الطلب على الرمال بنسبة 300%، وأن تزيد أسعار الرمال بنسبة 400%، بحلول عام 2100"، يوضح "إيفرسون" لـ"للعلم".

بلغ الطلب العالمي على الرمال حوالي 9,55 مليارات طن في عام 2017، بقيمة سوقية بلغت 99,5 مليار دولار، ويتوقع أن تزيد لتبلغ 481 مليار دولار في عام 2100 مع زيادة الطلب على الرمال في وقت يتم فيها استنزافها بشدة. ووفق الدراسة فإن الحصى والرواسب الخشنة يمكن استخدامها أيضًا في تعزيز إجراءات حماية السواحل من ارتفاع منسوب سطح البحر، سواء في جرينلاند أو خارجها.

معضلة بيئية

رغم المنافع الاقتصادية الكبيرة من تصدير الرمال، لا يخلو الأمر من تأثيرات بيئية يحذر منها "مجدي تراب"، أستاذ الجغرافيا الطبيعية ورئيس الجمعية المصرية للتغيرات البيئية. يقول "تراب" في تصريح لـ"للعلم": إن البيئة القطبية بيئة حساسة، ولا بد من التعامل معها بمنتهى الحذر؛ لحمايتها من آثار التغيرات المناخية.

يضيف "تراب": في جرينلاند نجد أن انسياب المياه الناتجة عن انصهار الجليد تجرف معها الرواسب السطحية، ويشدد على أنه لا بد من المحافظة عليها؛ لأن إزالتها في منتهى الخطورة، وتعرِّض المنطقة لغزو البحر وعمليات تآكل السواحل.

وتشدد الدراسة الأخيرة على أنه "يوجد قدر كبير من عدم اليقين حول مدى تأثير تعدين الرمال على البيئة والمجتمعات المحلية".

يتفق "بوريا ريجويرو" -الباحث في الهيدرولوجيا وحماية السواحل في جامعة "كانتابريا" الإسبانية- مع "تراب" في التحذير من الآثار البيئية لتجريف الرواسب من أمام سواحل جرينلاند. ويقول "ريجويرو" في تصريح لـ"للعلم": إن تعدين الرمال الشاطئية مسؤول عن التآكل في العديد من المناطق الساحلية على مستوى العالم، ما يزيد الحاجة إلى إجراءات الحماية الساحلية، ومن ضمنها تغذية السواحل بالرواسب وليس إزالتها، ويضيف: "يجب تقييم الآثار البيئية المحتملة بعناية".

ويوضح "إيفرسون" -الباحث المشارك في الدراسة- لـ"للعلم" أن بعض الآثار البيئية التي أشار إليها "تراب" و"ريجويرو" تحدث بالفعل في الوقت الحالي، مثل تآكل خط الساحل. ويضيف أن الفريق البحثي يعمل حاليًّا على تقييم الأثر البيئي لعمليات التجريف، وما هي الطريقة الأمثل لإجراء العملية، مع الأخذ في الاعتبار ضمان الحد الأدنى من التأثير على البيئة البحرية المحلية في جرينلاند.

ويقول "إيفرسون" إن هناك آثارًا سلبية كذلك لزيادة كميات الرواسب على البيئة البحرية المحلية؛ إذ تؤثر على النظام البيئي من خلال زيادة تجانس الموائل في قاع المحيط بسبب عمليات الترسيب، وما يتبع ذلك من انخفاض وصول الضوء اللازم لإنتاج الطحالب والمغذيات الدقيقة اللازمة للكائنات البحرية.