تُعَد المدن الرومانية القديمة أحد أهم الأسس التي يعتمد عليها باحثو الآثار في فهم التاريخ الروماني، لكن كبر هذه المدن صعب على العلماء تنقيبها بالكامل. أما الآن فقد أصبح رسم خرائط عالية الدقة لهذه المدن المدفونة دون حاجة إلى أعمال الحفر ممكنًا من خلال تقنية "رادار قياس الأرض".

توفر هذه التقنية تفصيلات عالية الدقة، ما يسهل فهم أنماط الاستيطان البشري القديمة، وكيفية تطور المدينة على مدى مئات السنوات، وفقًا للنتائج التي توصل إليها فريق من الباحثين من جامعتي كامبردج البريطانية و"خنت" البلجيكية، في دراسة نشرتها دورية "أنتيكوتي" (Antiquity)، المتخصصة في علم الآثار، مساء أمس 8 يونيو.

باستخدام هذه التقنية اكتشف الفريق البحثي مجمع حمامات، وسوقًا، ومعبدًا، ونصبًا تذكاريًّا فريدًا من نوعه. وكما امتازت الهندسة العمرانية الرومانية بشبكات الطرق الجيدة، واكتشف الباحثون شبكة مترامية الأطراف من أنابيب المياه في الموقع المدروس في مدينة "فاليري نوفي" التي تبعد حوالي 50 كيلومترًا شمالي العاصمة الإيطالية روما، ويعود تاريخ الاستيطان البشري في المدينة إلى الفترة بين عام 241 قبل الميلاد وعام 700 ميلادي.

يقول "مارتن ميليت"، أستاذ علم الآثار في جامعة كامبردج، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن الدراسة اعتمدت على رادار هوائي يرسل إشارة راديوية نابضة إلى الأرض ويستمع إلى ترددات، ويستقبل النظام الحاسوبي الذي ابتكره باحثو جامعة "خنت" هذه الإشارات لتحليلها وترجمتها إلى أنماط تضاريس.

يوضح "ميليت" في تصريحات لـ"للعلم" أن النظام يسجل الموقع الدقيق لبناء صورة مركبة، مع قراءة واحدة كل 12.5 سم، وكل 6.5 سم في بعض المواضع على مساحة 30 فدانًا داخل أسوار المدينة التي مسحها الباحثون. تتناسب الترددات مع العمق حتى يمكن للبرنامج تحديد الموجود في أعماق مختلفة في التربة. ينتج عن ذلك الكثير من البيانات (28 مليار نقطة بيانات)، لذا فإن كلمة السر في العملية هذه تكمن في سعة البرامج والكمبيوتر المستخدم.

ترجع أهمية استخدام تقنية "رادار قياس الأرض" إلى أنها جعلت من الممكن استكشاف مناطق أكبر بدقة أعلى، كما أن لها آثارًا كبيرة على دراسة المدن القديمة التي يتعذر التنقيب عنها؛ إما لأنها كبيرة أو لأنها مدفونة تحت المدن الحديثة.

تتحدى الدراسة بعض الافتراضات المسبقة حول التصميم الحضري الروماني، مما يدل على أن تخطيط المدينة كان مختلفًا عن المدن الأخرى المدروسة جيدًا، مثل مدينة بومبي. كما اتسمت المباني المكتشَفة في المدينة -مثل المعبد والسوق- بكونها أكثر تفصيلًا هندسيًّا مما هو متوقع في مدينة صغيرة.

كشف استخدام هذه التقنية داخل أسوار المدينة في المنطقة الجنوبية عن مبنى كبير مستطيل متصل بسلسلة من أنابيب المياه التي تؤدي إلى القناة الرئيسية.

يشير الباحث إلى أنه أمكن تتبُّع هذه الأنابيب عبر جزء كبير من المدينة متضمنًا تحت المباني، وليس فقط على طول الشوارع. ويعتقد "ميليت" وفريقه أن هذا المبنى كان عبارة عن مسبح في الهواء الطلق يشكل جزءًا من مجمع استحمام عام كبير.

كما رصد الفريق بالقرب من البوابة الشمالية للمدينة زوجًا من المباني الكبيرة المتقابلة داخل ممر مغطى مع صف مركزي من الأعمدة، وهو ما يعتقد الباحثون أنه كان جزءًا من نصب تذكاري عام.

يقول "ميليت": "أكثر ما أثار اهتمامي بخصوص نتائج الدراسة، التفاصيل والدقة العالية التي خرجت عليها الخرائط والصور، لقد طبقنا هذه التقنية على مدن في إيطاليا وإنجلترا، ونتطلع إلى استخدامها لدراسة مدن أخرى في اليونان وتركيا وليبيا".