تحكي الأسطورة أن الملكة بلقيس كانت أول من نقَّب في الأرض عن شعاب المرجان الأحمر، وأنها كانت أول مَن تزين به، وجعلته رمزًا للنصر وزحف الجيوش نحو الأعداء.

وكانت شعاب المرجان الأحمر حاضرةً في خزائن الفراعنة على شكل حليّ، حرص أهل المال والحكم في "مصر القديمة" على اقتنائها، فيما تحوَّلت مناطق انتشار تلك الشعاب، على طول خليج العقبة بمنطقة البحر الأحمر، إلى مقصد للباحثين؛ للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة، أو للدراسة ومعرفة بعض أسرارها وألغاز علاقاتها مع الكائنات البحرية المحيطة بها.

كما يعدُّها الباحثون دليلًا أو شاهد عيان على وقوع التغيّرات المناخية، والتلوُّث، والصيد الجائر وصيد الأسماك بالتفجير.

ومؤخرًا، حذرت دراسة حديثة أعدها فريق من الباحثين المصريين في كلية العلوم بجامعة الأزهر من التأثيرات السلبية التي يلحقها سرطان "الهابالوكارسنس مارسيبياليس" بالشعاب المرجانية على طول خليج العقبة بمنطقة البحر الأحمر في مصر.

استهدفت الدراسة إجراء مسح شامل للشعاب المرجانية في منطقة خليج العقبة-البحر الأحمر في مصر بطول 180 كم؛ وتمت في 9 أماكن بثلاث مدن تتنوع فيها الآثار البشرية والطبيعية على الشعاب المرجانية.

سرطان داخل الغرفة

اهتمت الدراسة، في الأساس، بسرطان "الهابالوكارسنس مارسيبياليس"، والذي يُعرف أيضًا باسم "سرطان داخل الغرفة"، ويؤثر سلبًا على نمو أفرع الشعاب المرجانية، واهتمت بمتابعة معاملاته البيولوجية، ونموه وتكاثره، وموعد وضعه للبيض.

وتُعد الدراسة، التي نشرتها مجلة "الجمعية المصرية لتقدم العلوم الحيوية" (Basic and applied zoology)، والتي تُنشر بواسطة الناشر الدولي “سبرنجر”، بدايةً مهمةً على طريق وضع خريطة بيولوجية لنمو الكائنات التي تعيش داخل الشعاب المرجانية، ويصل عددها لحوالي 30 نوعًا.

وبالتوازي مع ذلك، تابع الباحثون نوعًا آخر من السرطانات يُعرف باسم "التتراليا جلابيميرا"، ونشروا عنه دراسةً أخرى في أواخر 2017، وتتمثل أهمية هذا النوع في أن تأثيره ليس سلبيًّا على الشعاب المرجانية كما هو الحال بالنسبة لسرطان "الهابالوكارسنس مارسيبياليس"، بل إنه يعمل على حمايتها.

يقول "سيد سالم"- الباحث بوزارة البيئة المصرية والحاصل على درجة الدكتوراه في البيئة البحرية من علوم الأزهر، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن فريق البحث تتبَّع طريقة تكاثر ونمو سرطان "الهابالوكارسنس مارسيبياليس"، الذي لم تُجرَ أي دراسة بشأنه منذ 159 عامًّا، وتحديدًا منذ عام 1859".

والهابالوكارسنس مارسيبياليس، نوع من السرطانات البحرية، ينتشر على نطاق واسع في السواحل الغربية للمحيط الهندي، ويمتد خلال المنطقة المدارية بالهند والمحيط الهادئ إلى الشواطئ الغربية لوسط وجنوب أمريكا، وقد جرى وصفه من قبل، ولكن دون أن يُعرف عنه سوى القليل في علم الأحياء والبيئة وعلم التصنيف الخاص به.

تسعة مواقع جغرافية

درس الباحثون توزيع شعاب المرجان الأحمر في تسعة مواقع، وهي اللاجونة والكانيون والحفرة الزرقاء في مقدمة ساحل مدينة دهب، ووادي سخن ووادي حبيق ومحطة تحلية نويبع أمام شاطئ مدينة نويبع، والنورس ومورجانا وبحيرة الشمس على ساحل مدينة طابا. وهي مناطق منفصلة جغرافيًّا وتمتد على نطاق واسع.

وقاموا بتجميع 55 نوعًا من الشعاب الصلبة واللينة تندرج تحت 21 جنسًا، تتنوع أشكالها لتصل إلى خمسة أنواع، هي: (المتفرعة، والضخمة أو الكتلية، والمغلفة، والمشرومية أو الفرادية، والنارية).

يشير سالم إلى أن الدراسة امتدت من 2014 وحتى نوفمبر 2015. وتابع الباحثون تطوُّر هذه الكائنات حتى أوائل يناير 2018، إذ تم خلالها جمع 209 عينات من سرطان البحر، منها 165 أنثى و42 حدثًا، وذَكَران، جرى جمعها من أعماق مختلفة تتراوح بين نصف متر و3 أمتار من الشعاب المرجانية، ولوحِظَ وجود إناث السرطانات داخل فروع الشعاب المرجانية الصخرية في الجانب الشاطئي من الشعاب المرجانية وحافة الشعاب المرجانية، ومنحدر الشعاب المرجانية، بينما لوحظ عدد أقل منهم في الجانب البحري من الشعاب المرجانية.

اختلاف الأماكن

ويقول "منتصر الحمادي" -أستاذ البيئة البحرية المساعد بمعهد علوم البحار بالغردقة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن اختلاف أماكن الجمع وتأثيرها على الحياة البحرية كان الهدف منه هو أن نغطي منطقة خليج العقبة كلها، والتي يبلغ طولها 180 كم، واخترنا 3 أماكن تختلف فيها الأنشطة البشرية والطبيعية التي تؤثر على الكائنات البحرية، وتتغير فيها قياسات المياه، ما يؤدي إلى ردم بعض الشعاب المرجانية التي تكثر في هذه المناطق؛ ففي منطقة دهب يكثر نشاط الغوص، أما في نويبع فتوجد عمليات الصرف على البحر والصيد، وأما في طابا فنجد أن التأثيرات على الشعاب المرجانية تحدث بسبب السيول".

بدوره، يقول "محمد كريم" -أستاذ اللافقاريات والطفيليات بعلوم الأزهر- لـ"للعلم": "إن هذه الدراسة هي الأولى التي تحدد أنواع السرطانات، واتبعت نهجًا جديدًا يعتمد على دراسة نظام العوائل التي تستضيف كائنًا ما، وهل هذا الكائن يفيدها أم يضرها، واختار الباحثون مساحات كبيرة على خليج العقبة بالبحر الأحمر، واستخدموا الغوص والكاميرات، وهو نوع جديد من البحث العلمي نحتاج إلى تطويره؛ لأنه سيفيد في كشف موضوع الشعاب المرجانية وحياتها والمخاطر التي تتعرض لها، سواء من خلال البشر أو من تغيرات المناخ أو الظروف الطبيعية".

علاقة تطفلية

الدراسة وصفت التكاثر البيولوجي لسرطان "الهابالوكارسنس مارسيبياليس"، كما وصفت حجمه وشكله الجنسي وموسم تكاثره وحجمه في أول النضج والخصوبة، ومتابعة كل هذه الأحداث في المناطق الثلاث المختارة.

وأظهرت النتائج أن "هذا السرطان الطفيلي يعيش داخل غرفة في طرف بعض فروع مستعمرات الشعاب المرجانية الحجرية، وخاصةً في نوع "الأستيلوفورا بستلاتا"، الذي يُعَد مضيفه الرئيسي.

كما أظهرت أن الفروع التي لا يسكنها الهابالوكارسنس مارسيبياليس تنمو على نحوٍ أسرع من الفروع الأخرى التي يسكنها، مما يؤثر وجوده على الشعاب المرجانية.

وهو ما قامت بمتابعته دراسة سابقة درست تناسُل هذا النوع من السرطان وتكاثره؛ إذ اهتمت بالحالة الفسيولوجية للسرطانات التي يمكن أن ينخفض فيها معدلات النمو وتزيد فيها معدلات الوفيات بسبب خفض التغذية أو تحويل الإنجاب، ولكنها لم تحدد العلاقة بين نوع الشعاب والسرطان الذي يعيش داخلها، وهو ما تناولته الدراسة التي أعدها فريق البحث المصري، والذي اهتم ببحث التكاثر البيولوجي لهذا النوع من السرطانات، مع التأكيد على حجمها وتكاثرها الجنسي خلال موسم التكاثر والخصوبة والتحقيق في النمو والبيولوجيا الإنجابية لسرطان المرجان" الهابالوكارسنس مارسيبياليس" وعلاقته بالشعاب، مشيرةً إلى أن "تلك العلاقة هي علاقة تطفلية"، إذ إن لها تأثيرًا سلبيًّا على نمو الشعاب المرجانية في أثناء معيشتها داخل فروعها، حيث تغلَق عليها وتقلل من نموها".

يقول سالم: اكتشفنا أن كل مَن كانوا داخل الغرفة من هذه السرطانات من الإناث وبيضها، أما الذكور فقد اختفت تمامًا، وهو ما سيكون محل دراسات مستقبلية، تكشف الكثير من الغموض حول هذه العلاقات، خاصةً وأن الشعاب يعيش داخلها 30 كائنًا نحتاج إلى معرفة علاقاتها مع الشعاب.

من جهتها، ترى "منال مصطفى صبرة" -عميد معهد علوم البحار، فرع خليج السويس والعقبة- أن الدراسة تمس -ولأول مرة- المعاملات البيولوجية للسرطانات التي تتعايش إجباريًّا مع الشعاب المرجانية، وأشهُر التزاوج ووضع البيض ومتى يكثر إنتاجه ومتى يقل، وهذه المعاملات كانت إلى وقتٍ قريب غير متاحة في هذه المنطقة بالذات، وقد نجحت هذه الدراسة في تجميع عينات كان من الصعب الحصول عليها إلا بتوافر غواصين على درجة عالية من المعرفة".

وتطالب "صبرة" الجهات المعنية بضرورة الاهتمام بالبحث العلمي في هذه المنطقة الزاخرة بالتنوع البيولوجي، وعمل خريطة بتوزيع الكائنات الضارة للشعاب المرجانية والمعاملات البيولوجية الخاصة بها وكيفية التعامل معها، مشيرةً إلى أن "الدراسة الحالية مهدت الطريق أمام كل ذلك".