في الآونة الأخيرة، هيمن على العناوين الرئيسية للأخبار شعور بالسخط إزاء حوادث إطلاق النار في المدارس ، ليس فقط لأنّ الضحايا هم من الأطفال، وإنّما أيضًا لأنّ الهجمات تحدث على نحوٍ بالغ العشوائية وفي أماكن –مثل مدينة باركلاند بولاية فلوريدا، ومدينة نيوتاون بولاية كونيتيكت– كان يُتصور فيما مضى أن أشياء من هذا القبيل لا يمكن أن تحدث فيها أبدًا.

إن إثارة نقاش وطني حول المشكلة المزمنة المتمثلة في جرائم القتل باستخدام الأسلحة النارية في الأحياء السكنية الحضرية الأكثر فقرًا في الولايات المتحدة أمرٌ أكثر صعوبةً بكثير، على الرغم من أنّ عدد الأولاد الذين يُقتلون من جَرَّاء العنف الناجم عن استخدام الأسلحة داخل المدن يفوق أولئك الذين يُردَوْن قتلى في حوادث إطلاق النار في المدارس، وفق قول جون ماكدونالد، المختص في علم الجريمة في جامعة بنسلفانيا. ربما يكون ذلك لأنّ العنف الناجم عن استخدام الأسلحة في المدن هو أمرٌ متوقع لدرجة أنه لا يلفت انتباهنا؛ فهو متركّز تركزًا استثنائيًّا –أو "مقسم عرقيًّا تقسيمًا جغرافيًّا" وفق تعبير ماكدونالد – لدى بضعة أحياء سكنية في أكبر عشر مدن في الولايات المتحدة، تمثل نسبة 30 بالمئة من كل جرائم القتل من جَرَّاء استخدام الأسلحة على مستوى الولايات المتحدة بأسرها.

مع ذلك يبدو في الوقت الحالي أنّ إمكانية التنبُّؤ بالعنف الناجم عن استخدام الأسلحة داخل المدن وتركُّزه الجغرافي يمكن في الواقع أن تجعل الحيلولة دون وقوعه أمرًا أكثر يُسرًا. من وجهة نظر مختص علم الوبائيات من جامعة كولومبيا، تشارلز براناس، أن أحد الحلول يتمثّل في إجراء تحسين بسيط وغير مكلف نسبيًّا على البنية التحتية لقطع الأراضي المهجورة أو المهمَلة المملوكة للمدن. وتشكّل قطع الأراضي هذه نحو 7.5 ملايين هكتار من الأراضي ونحو 15 بالمئة من مساحة المدن في الولايات المتحدة كلها، ونسب أعلى كثيرًا في المدن متوسطة الحجم مثل فلينت، بولاية ميشيجان، أو كامدن بولاية نيوجيرسي.

عادةً ما تتحول قطع الأراضي المُهمَلة إلى أماكن لترويج المخدرات وسلوكيات إجرامية أخرى. ومن ثَم، فإنها تشكّل تهديدًا رئيسيًّا على صحة السكان المقيمين على مقربة منها وسلامتهم، كما يرى براناس، المُعِد الرئيسي لدراسة نُشرت في التاسع عشر من شهر فبراير في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” Proceedings of the National Academy of Siences. يشبِّه براناس وزملاؤه المشاركون في إعداد هذه الدراسة، بما فيهم ماكدونالدز، جهودَ تنظيف قطع الأراضي هذه بتوظيف الأموال العامة في القرن التاسع عشر في معالجة مياه الصرف الصحي وشبكات المياه النظيفة، والتي ساعدت في كبح انتشار الأمراض الوبائية وأدت إلى تحسُّن ظروف العيش في المدن. فبدلًا من الكوليرا، "العدوى" هذه المرة هي العنف الناجم عن استخدام الأسلحة في المدن، كما يقول براناس. ويؤكد أنّه ينتشر، ويمكن إيقاف مساره، مثل أي وباء آخر.

قطعة أرض مهجورة وخالية في مدينة فيلادلفيا تحوي قمامة متراكمة، وأنقاضًا، ونموًّا نباتيًّا مفرطًا، صيف 2016
 Credit: Charles Branas

تناول براناس وزملاؤه بالبحث 541 قطعة أرض خالية ضمن مجموعات عشوائية في أنحاء مدينة فيلادلفيا، والتي يوجد فيها واحد من أعلى معدلات جرائم القتل في الولايات المتحدة. حددت الدراسة، التي حظيت بدعم من خلال منح قدمتها معاهد الصحة الوطنية National Institutes of Health ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة U.S. Centers for Disease Control and Prevention، لكل مجموعة من الأراضي واحدًا من ثلاثة خيارات تجريبية: مجموعة مرجعية (أي عدم القيام بأي إجراء)، أو تنظيف بسيط، أو إجراء "تنظيف وتشجير"، يتضمن زرع عشب وبضع أشجار، وسياجًا خارجيًّا منخفضًا؛ "لإظهار أنّ قطعة الأرض تتلقى رعاية، ولردع التخلُّص غير المشروع من النفايات".

 تصف الدراسة الأوضاع في أسوأ الأحياء، والتي تجعل خيارَي التدخل يبدوان وكأنهما حلان مستبعدان، للوهلة الأولى. فبعض مساحات الأراضي الخالية التي ضمتها الدراسة كان يقطعها ممرات مشاة مؤدية إلى "أوكار" متعاطي المخدرات عبر الوريد. كما كان بعضها في مناطق يدفع فيها مروِّجو المخدرات لكبار تجار المخدرات مبالغ تصل حتى 5 آلاف دولار أسبوعيًّا كرسوم "استئجار"؛ "لامتلاك حق بيع المخدرات في المربعات السكنية التي يتخلل فيها البيوت المتلاصقة المأهولة عقاراتٌ خالية"، وفق ما جاء في الدراسة. على الرغم من هذه الصعوبات، فإن الإجراء الأكثر كلفة -وهو تنظيف قطعة الأرض وتشجيرها- لا يكلّف سوى 9300 دولار فقط لقطعة أرض عادية مساحتها 1000 قدم مربع، ونحو 50 دولارًا في السنة لصيانتها بعد ذلك. مع ذلك كان الفارق الذي أحدثه كلا الإجراءين ملموسًا.

عند الإجابة عن أسئلة الاستقصاء -الذي لم يُشِر إلى قطع الأرض الخالية- أفاد السكان في الأحياء متدنية الدخل التي أُجري فيها التنظيف والتشجير بحدوث انخفاض بنسبة 15.8% في تقديرهم لمعدلات وقوع الجرائم و61.9% زيادة في استعدادهم للاستجمام وممارسة علاقات اجتماعية في الأماكن المفتوحة. والأمر الأروع هو أنّ سجلات الشرطة، أظهرت بعد 18 شهرًا من التنظيف انخفاضًا بنسبة 9.1 بالمئة في الاعتداءات بالأسلحة النارية في هذه الأحياء السكنية، صاحبه انخفاض ملحوظ في عمليات السرقة وشكاوى الإزعاج. وعندما أعاد الباحثون تحليل معطياتهم لاستبعاد المناطق التي كانت قد توقفت فيها صيانة قطع الأراضي النظيفة والمشجرة لسبب أو لآخر، وجدوا انخفاضًا بنسبة 29.1 بالمئة في حالات العنف باستخدام السلاح في الأحياء السكنية التي بقيت فيها المساحات المفتوحة نظيفة. وقد كان التحسُّن ملحوظًا بدرجة كبيرة دفعت الوكالات الممولة للدراسة لتمويل التنظيف والتشجير لقطع الأراضي في المجموعة المرجعية التي بلغ عددها 150 قطعة. وكتب معدُّو الدراسة يقولون إنه لو امتدّ هذا الإجراء ليصل إلى قطع الأراضي الخالية الموجودة على اتساع رقعة المدينة، لكان ذلك سيُترجَم إلى انخفاض قدره 350 حادثة إطلاق نار أقل في السنة في مدينة فيلادلفيا وحدها.

إن العلاقة بين المساحات الخضراء ومنع الجريمة ليست حديثة العهد بالطبع. لكنّ مبادرات مكافحة الجريمة على مدى عقود تعاملت أساسًا مع المساحات الخضراء باعتبارها مصدرًا للخطر، ونادت بإزالة المزروعات الكثيفة لتقليل أماكن الاختباء، وكذلك تقليم الأشجار لإيجاد مجال واضح للرؤية. ثمّ جاءت بعد ذلك دراسة رائدة في عام 2001 تناولت مشاريع الإسكان العمومي في شيكاغو وحوّلت المساحات الخضراء إلى أداة لمنع الجريمة، مبينةً أنّ الأشجار والمساحات الخضراء، على ما يبدو، تقلل معدلات الجريمة عبر دفعها للسكان لزيادة وتيرة خروجهم من منازلهم إلى الأماكن المفتوحة، وبالتالي زيادة الأعين المراقِبة في الشارع. لكنّ الدليل على أن المساحات الخضراء تتسبب في خفض الجريمة ظل بعيد المنال، ممّا زاد من صعوبة حشد الجهود العامة لاتخاذ خطوات فعلية بهذا الشأن، حتى الآن.

إن الدراسة الجديدة هي أول دراسة تستخدم بروتوكولًا بحثيًّا تجريبيًّا مبنيًّا على الاختيار العشوائي لاختبار تأثيرات زراعة المساحات الحضراء على الجريمة. وتقول منيج كيو، من جامعة إلينوي بمدينة أوربانا بمقاطعة شامبين، والمختصة بدراسة تأثير البيئة المادية على السلوك البشري، والتي لم تكن مشاركة في الدراسة الجديدة: "لقد كنا نعلم أنّ العنف أقل بصفة عامة في الأحياء السكنية الحضرية متدنية الدّخل، عندما تكون أكثر خضرة، وكنا نعلم أنّ انخفاض العنف عادةً ما يتبع جهود زراعة المساحات الخضراء". وتشير قائلة: "لكننا لم نكن نعلم إن كانت زراعة المساحات الخضراء مسؤولة فعليًّا عن خفض العنف، الآن بتنا نعرف، إن هذا يعد تقدمًا عظيمًا؛ إذ لطالما كان هذا المجال يترقب حدوثه". وتضيف: "لا أدري إن كان ثمة جدوى كبيرة من أن تسأل عالِمًا عن الحجج التي من شأن السياسيين أن يجدوها مقنعة. لكن من وجهة نظر علمية، هذا ينبغي أن يقنع إدارات المدن بأن تجربه. أظن أنّه من الإنصاف أن نقول بأنّنا لا نعرف يقينًا أن من شأن هذا الأمر أن يؤتي التأثيرات نفسها في جميع المجتمعات المحلية، لكن ما لدينا من أدلة يشير إلى أن هذا ما يُتَوَقّع حدوثه".

يقول براناس بأنّ تنظيف مساحات الأراضي الخالية وتشجيرها "لا يؤثر على حقوق مَن يمتلك الأسلحة بطريقة شرعية"، ممّا يعني أنّ الأشخاص المنقسمين من ناحية أخرى بشدة بشأن قضية تنظيم تداول الأسلحة النارية، يمكن على الأرجح أن يوافقوا على مثل هذه الجهود باعتبارها استراتيجية مقبولة سياسيًّا لتقليل العنف الناجم عن استخدام الأسلحة النارية. لكنّ مارك كابلان -الباحث في الصحة العامة في كلية لوسكين للشؤون العامة بجامعة كاليفورنيا بولاية لوس أنجلوس، والذي لم يكن مشاركًا في هذه الدراسة- ينبه إلى أن هذه البرامج "يجب تنفيذها إلى جانب أمور أخرى. علينا أن نتناول مسألة غياب المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ولن تستطيع المساحات الخضراء وحدها حل ذلك الأمر". ويضيف أنه من المستبعد حدوث انخفاض كبير في الاعتداءات المسلحة في المناطق الحضرية "دون تنظيم حمل الأسلحة التي تسهم في العنف".

ومع ذلك فمن المثير للدهشة أن أحد مواطن القوة في الدراسة الجديدة يمكن أن يكون تطرُّقها المحدود للغاية إلى أوجه انعدام المساواة الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ إن الخطر الذي يكمن في تصويب أمور كثيرة بسرعة مبالغ فيها هو أنها قد تجتذب مطوّرين عقاريّين وتستحث عمليات تأهيل الأحياء، وقد تحمل السكان القاطنين منذ زمن طويل على مغادرة هذه الأحياء. شعر براناس وزملاؤه المشاركون في الدراسة بالقلق بشأن ذلك الاحتمال لدرجة جعلتهم يُجرون دراسةً داخل الدراسة، بهدف دحض الحجة الزاعمة أنّ أي تحسنات رصدوها في دراستهم هي ناجمة عن عمليات تأهيل الأحياء. ويقول كابلان إن تنظيف قطع الأراضي الخالية وتشجيرها قد يكون كافيًا وحده لإحداث تغيير، للمساعدة في بناء شعور بالملكية وهوية للأحياء السكنية في المجتمعات المحلية المتضررة؛ حتى يتمكن السكان من أن يتحدوا ويضغطوا من أجل إحداث تحسينات أكبر، مثل مدارس أفضل ومعالجة أفضل للمياه، والبقاء في الأحياء السكنية للاستمتاع بهذه التحسينات.

يرى براناس أن واحدةً من أكثر اللحظات المؤثرة في الدراسة -وربما كانت بداية تشكيل هوية ذلك الحي السكني- كانت تجربةً جعلت السكان يغامرون بالخروج من خلف الأبواب المقفلة لتحية فرق العمل لدى وصولها لتنظيف قطع الأراضي المهملة. ويضيف: "قائلين: ’لقد اتصلنا بكم بخصوص هذا الشأن منذ ثلاثين عامًا! لا أصدق أنكم وصلتم أخيرًا للقيام بهذا العمل‘؛ ظنًا منهم بأنّنا كنا من طرف بلدية مدينة فيلادلفيا".