تتنوع مصادر الإشعاع في حياتنا بين مصادر طبيعية، مثل الأشعة الكونية، ومواد البناء التي تحتوي على عنصر الرادون المشع، وأخرى من صنع الإنسان، كالحوادث النووية، وتسرُّب النفايات المشعَّة، وهناك تقنيات العلاج بالأشعة، والنظائر المشعة، والإشعاع الكهرومغناطيسي المستخدم في العديد من التطبيقات الطبية والصناعية. 

ومن المعروف أن الجرعات العالية من الإشعاع تُلحق بأعضاء الجسم ضررًا شديدًا، ما يستلزم ضرورة تفادي تعرُّض الجسم البشري لمعدلات مرتفعة منه، كما أن هناك حاجة إلى ضبط جرعات العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان. ويعتمد نوع الضرر الذي يُلحقه الإشعاع بأعضاء جسم الإنسان وأنسجته، على مقدار الجرعة الإشعاعية والمدة الزمنية التي يتعرض خلالها للإشعاع، وكذلك على نوع الإشعاع ودرجة حساسية الأنسجة أو الأعضاء المختلفة. لذا من الضروري الموازنة بعناية بين الحفاظ على صحة الإنسان والمخاطر الكامنة في التعرُّض للإشعاع حتى ولو بغرض العلاج. في هذا الإطار، يتطلع علماء لنجاح تجربتهم باستخدام نوعين من بكتيريا الأمعاء في الحد من آثار العلاج الإشعاعي على المرضى.

فوفق نتائج الدراسة التي نُشرت في دورية "ساينس" في 30 أكتوبر الماضي، لاحظ الباحثون أن بعض الفئران تتميز بأن لديها نوعين من البكتيريا في أمعائها تمكِّنها من مواجهة التأثير الضار للإشعاع القوي. كما أظهرت نتائج الدراسة أن هذه البكتيريا موجودة بوفرة لدى مرضى اللوكيميا (سرطان الدم) الذين يعانون من أعراض معتدلة بعد تعرُّضهم للعلاج الإشعاعي.

وكشفت الدراسة التي أجرتها مجموعة من العلماء في مركز "يو.إن.سي لاينبرجر" الشامل للسرطان مع زملائهم من مركز "ميموريال سلون كترينج" وجامعات ديوك وكورنيل، أن وجود هذه البكتيريا أدى إلى زيادة إنتاج جزيئات صغيرة تُعرف باسم البروبيونات والتربتوفان، وهي نوع من المستقلبات -أو كما تُعرف بنواتج التمثيل الغذائي (metabolites)- توفر حمايةً طويلة الأمد من الإشعاع، وتقلل الضرر الذي يصيب إنتاج الخلايا الجذعية لنخاع العظام، كما تحدُّ من تطور مشكلات الجهاز الهضمي الحادة، وتقلِّل من الأضرار التي تلحق بالحمض النووي الوراثي. يشار إلى أنه يمكن شراء هذين النوعين من المستقلبات في بعض الدول كمكملات صحية للأصحاء، ولكن ما من دليل حتى الآن يقول بأن هذه المكملات يمكنها مساعدة المرضى الذين يتعرضون لجرعات قوية من الإشعاع.

يقول هاو جوه -الباحث الرئيسي للدراسة- في تصريح لـ"للعلم": المستقلبات من بكتيريا الأمعاء هي منتجات ومراحل وسيطة في عملية التمثيل الغذائي البكتيري. وفي دراستنا، تَبيَّن أن الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (البروبيونات) ومستقلبات التربتوفان تعمل كواقٍ إشعاعي. وأوضح أنه يمكن إذابة البروبيونات في مياه الشرب وتناوُلها قبل التعرض للإشعاع وخلال مدة العلاج، كما يمكن إعطاء مستقلبات التربتوفان بثلاث جرعات (24 ساعة قبل الإشعاع، وقبل ساعة واحدة من الإشعاع، و24 ساعة بعد الإشعاع) عن طريق الفم، مشددًا على أنهم يعملون الآن على اختبار تأثير جرعة ما بعد الإشعاع لهذه المستقلبات في الفئران.

البصمة البكتيرية

تقول جيني تينج- المشرفة على الدراسة- وويليام راند- كنان أستاذ علم الوراثة في كلية طب يو إن سي "UNC": إن هذا التعاون الجماعي بين عدة مؤسسات بحثية أظهر أن هذه البكتيريا المفيدة تسبَّبت في تعديل كبير في مستقلبات الأمعاء.

وأوضحت أنه نظرًا إلى أن خلايا الدم والأنسجة في الجهاز الهضمي تتجدد سريعًا، فهي تظل عُرضةً لأضرار الإشعاع الذي سرعان ما يؤدي إلى تلفها قبل اكتمال نموها. وتابعت: إلا أننا اكتشفنا أن بعض الكائنات الميكروبية الدقيقة الموجودة في أجهزتنا الهضمية يمكنه أن يؤدي دورًا مهمًّا في الحد من هذا الضرر.

وكانت دراسة سابقة قد أظهرت أنه في حالة اعتلال الأمعاء الحاد والمتأخر بالإشعاع، فإن استمرار العلاج الإشعاعي يُربك حالة التوازن المطلوبة في بكتيريا الأمعاء، ما يقلل من التأثير الإيجابي لتلك الكائنات الدقيقة، وربما يجعل الأمعاء أكثر تعرُّضًا للتأثيرات الإشعاعية.

يقول ميجل راي فيريرا، الباحث الزائر في معهد أبحاث السرطان في لندن، في تصريح لـ"للعلم": إن الدراسة أظهرت من خلال مقارنة حالات المرضى الذين يعانون والذين لا يعانون من الآثار الجانبية للعلاج الإشعاعي أن بعض المرضى لديهم نسبة أعلى من البكتيريا التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهناك مرضى آخرون لديهم تنوع بكتيري أقل.

وهو ما تشدد عليه نتائج دراسة سابقة، وجدت أن كل شخص لديه ميكروبيوم بكتيري فريد من نوعه، وكأنها بصمة بكتيرية مميزة لهذا الفرد، وأن المرضى الذين يقل لديهم تنوُّع ميكروبيوم الأمعاء مع وجود مستويات عالية من ثلاثة أنواع معينة من البكتيريا، حددتها الدراسة، يكون أكثرعُرضةً لضرر الجهاز الهضمي.

لهذا يسعى الباحثون لإيجاد أساليب يمكنها جعل العلاج الإشعاعي أكثر لطفًا بالمريض، ومنع مشكلات الجهاز الهضمي أو علاجها، من خلال تعديل ميكروبيوم الأمعاء باستخدام تقنيات زرع البراز أو الحد من آثار جرعات الإشعاع.

من جانبه، يعلق "فيريرا" على نتائج الدراسة الجديدة بقوله: "إنها مثيرة للاهتمام، وتشير إلى علاقة سببية بين تغيُّر بكتيريا الأمعاء والآثار الجانبية للعلاج الإشعاعي مثل الإسهال".

تجارب على البشر

ونظرًا إلى أن العلاج الإشعاعي الذي يُستخدم على نطاق واسع لعلاج السرطان يؤدي إلى آثار جانبية في الجهاز الهضمي، يسعى العلماء للاستفادة من نتائج التجارب على الفئران وتطبيقها على البشر. عمل باحثو الدراسة على فحص عينات براز مأخوذة من 21 مريضًا باللوكيميا تعرضوا لعلاج إشعاعي كجزء من التأهيل لزراعة الخلايا الجذعية للنخاع، إذ تَبيَّن أن المرضى الذين عانوا من الإسهال لفترات أقصر كانت لديهم وفرةٌ أعلى من نوعين من البكتيريا المفيدة هما: Lachnospiraceae وEnterococcaceae، مقارنةً بالذين عانوا من فترات أطول من الإسهال، وقد تَبيَّن أن الفئران التي تم تزويدها ببكتريا Lachnospiraceae، لم تتأثر لديها نتائج العلاج الإشعاعي سلبيًّا.

من جانبها، ترى "تينج" ضرورة إجراء مزيد من الدراسات للتحقُّق من هذا الاستنتاج. ويرى "فيريرا" أهمية التأكيد على أن الفئران تلقَّت جرعات إشعاع لكامل الجسم، وأن البشر الذين شملتهم الدراسة تلقوا أيضًا إشعاعًا لكامل الجسم، يختلف اختلافًا جوهريًّا عن الإشعاع المستهدف الذي يخضع له مرضى سرطان البروستاتا وسرطان المستقيم على سبيل المثال. فإشعاع الجسم بالكامل يؤدي إلى حدوث تغيُّرات في العديد من الأعضاء، وبالتالي تختلف آلية الآثار الجانبية.

من جانبه، يرى مصطفى الصيرفي -أستاذ طب الأورام ورئيس الجمعية المصرية للسرطان- أن التجربة على الفئران أثبتت أن هذا النوع من البكتيريا يحول الدهون إلى أحماض دهنية أحادية وتربتوفان لها تأثير واقٍ للأمعاء.

ويضيف أن هذا الإثبات العلمي لدور البكتيريا الواقية من أضرار الإشعاع يفتح الباب لدراسات إكلينيكية على المرضى بعد إجازته من هيئات أخلاقيات البحث العلمي. ولكنه يشدد على أن هذه الدراسة معملية ولَم يَجرِ تطبيقها على البشر، وإذا أمكن تحضير مركب يحتوي على البكتيريا النافعة أوالتربتوفان، فلا بد من إجراء أبحاث للتأكد من أمان تلك المستحضرات قبل إعطائها للمرضى، كاشفًا عن أن هناك بعض الدراسات التي سبق إجراؤها بقسم العلاج الإشعاعي بالمعهد القومي المصري للأورام باستخدام مركبات كيميائية قبل الإشعاع وفي أثنائه من أجل تخفيف آثاره الجانبية، ولكن فائدتها كانت محدودة.

العقار الوحيد المُجاز

تشير "تينج" إلى أن (G-CSF) هو العقار الوحيد الذي أجازته هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) كإجراء مضاد فعال ضد التعرُّض لجرعة عالية من الإشعاع، ولكن له آثارًا سلبية، بخلاف الحاجة إلى الحَقن عدة مرات، وفق قولها. وتوضح أن دراسةً سابقةً قد أثارت القلق من زيادة المخاطر طويلة الأجل لحدوث خلل التنسُّج النقوي (نقص فى عدد خلايا الدم السليمة) أو تحوُّر خلايا النخاع لدى المتبرعين بالخلايا الجذعية الذين يتلقون جرعات ""G-CSF المتكررة. وتشدد على أنه في المقابل، فإن البكتيريا التي يجري زراعتها في التجارب، وخاصةً المستقلبات، رخيصة الثمن، وتتوافر بالفعل في الطعام الذي نأكله، وقد تصبح بديلًا جيدًا، وفق رأيها.

ويختلف "الصيرفي" مع هذا الرأي، قائلًا: إن (G-CSF) يُستخدم فى جميع مراكز الأورام فى مصر منذ نحو 15 عامًا عقب إجازته فى الولايات المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي، ولم تظهر حالات من هذا النوع بين المرضى الذين يتلقونه. وأضاف أنه يُنتج حاليًّا فى مصر، ويُصرف مجانًا من التأمين الصحي، إذ يعمل على تحفيز نخاع العظام قبل الخضوع للعلاج الإشعاعي، مشددًا على أن آثاره الجانبية تختفي بعد أيام من انتهاء العلاج.

وفيما يتعلق بالإجراء المتَّبع حاليًّا فى مصر لخفض التأثير الضار للإشعاع على كامل الجسم، قال رئيس الجمعية المصرية للسرطان إنهم يستخدمون تقنيات تصدر حقلًا إشعاعيًّا محددًا على الجزء المراد علاجه فقط، وهي تقنيات متوافرة في أجهزة المعجِّل الخطِّي الحديثة المتاحة في معظم مراكز علاج الأورام في مصر، وفق قوله. 

غسل كل ميكروبيوتا الأمعاء

من جانبها، تقول جيني تينج -المشرفة على الدراسة- في تصريح لـ"للعلم": في تجاربنا على الفئران، تم إعطاؤها مضادات حيوية لغسل كل ميكروبيوتا الأمعاء الموروثة في البداية، ثم جرى نقل سلالات بكتيرية إلى الفئران عبر التغذية بالفم مرتين أسبوعيًّا، ولمدة 8 أسابيع. 

وتتم هذه التغذية قبل التعرُّض للإشعاع، وليس بعده؛ خوفًا من أن يؤدي الإشعاع إلى إتلاف حاجز الجهاز الهضمي، ويتسبب نقل البكتيريا في حدوث تسريب أو التهاب شديد يزيد الحالة سوءًا. 

وتشدد "تينج" على أنه يمكن في التجارب السريرية استخدام البكتيريا المفيدة كتحضير وقائي قبل العلاج الإشعاعي، باستخدام التجفيف القياسي والتغليف في كبسولات معوية، بحيث تكون سلالات البكتيريا مستقرةً للإعطاء عن طريق الفم مع إعادة تكوين سريع في الأمعاء. 

وتوضح أن هناك خيارًا آخر بإدخال هذه البكتيريا المفيدة عبر منظار القولون، وهو الأمر الذي جرى استخدامه بالفعل في زراعة البراز (العلاج الجرثومي) لغرض علاج التهاب القولون المتكرر.

ويعلق "فيريرا" على الأمر قائلًا: "على الرغم من أنه من المرجح أن عمليات زرع بكتيريا البراز قد تصبح علاجًا لبعض الأسباب الكامنة وراء المشكلات التي يواجهها المرضى بعد العلاج الإشعاعي، إلا أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لمعرفة نوعية المرضى التي ستستفيد من هذا العلاج الجرثومي، سواء عن طريق زرع البراز، أو العلاج بالبريبيوتيك (المستقلبات المذكورة).

ويشدد على أنه يجب أن تستهدف الأبحاث القادمة معرفة أسباب الآثار الجانبية بشكل محدد، وكذلك معرفة الإستراتيجية المُثلى لتطبيق العلاج الجرثومي، متسائلًا: هل يحصل المرضى على هذه البكتيريا من أشخاص آخرين أم من أنفسهم؟

ومن جانبه، يؤكد "جوه" أن "هناك جهودًا فيدرالية كبيرة بُذلت للتخفيف من الأعراض الحادة للإشعاع، ولكن المشكلة لم يتم حلها بعد"، قائلًا: لقد أسفرت أبحاثنا عن مجموعة بيانات شاملة عن البكتيريا والمستقلبات التي يمكن أن تكون بمنزلة مورد قوي لتحديد أهداف علاجية قابلة للتنفيذ في دراسات الميكروبيوم المستقبلية. ويأمل الباحثون إطلاق تجربة سريرية في القريب العاجل لاختبار فوائد إعطاء هذه المستقلبات للمرضى الذين يخضعون للعلاج الإشعاعي.