"لا تستخدموا مرطبات الشعر"، تحذير أطلقته سلطات جزيرة "غوام"، الواقعة غرب المحيط الهادئ، ضمن مجموعة من الإرشادات وزعتها على سكانها، تحسبًا لهجوم نووي محتمل، على ضوء تزايُد التوتر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وتهديد بيونج يانج بتوجيه ضربة نووية إلى الجزيرة، التي تضم اثنتين من أبرز القواعد البحرية والجوية الأمريكية، ويقطنها نحو 180 ألف نسمة.

تضمنت حزمة الإرشادات -التي وزعتها سلطات "غوام" على السكان المحليين، وتتطابق مع التحذيرات الواردة على صفحة "الانفجار النووي" ضمن موقع Ready.gov التابع للحكومة الأمريكية الاتحادية- عددًا من الإجراءات الوقائية، التي يتعين اتخاذها في مراحل التعرض لهجوم نووي كافة، بدءًا من لحظة إطلاق صاروخ محمل برأس نووية، وفي أثناء الانفجار النووي، وحتى ما بعد وقوع الانفجار، كما أدرج الموقع قائمة ببعض الأهداف المحتملة.

تحذير هزلي

ولعل اللافت في تلك الإرشادات، أنها شددت على ضرورة تخلُّص الأشخاص المعرضين لانفجار نووي من ملابسهم، والاستحمام بكمية كبيرة من المياه والصابون، مع الحرص على عدم إحداث أي خدوش في أجسادهم، وكذلك سرعة غسل الشعر باستخدام الصابون العادي أو "الشامبو"، وتجنُّب استخدام "البلسم" على الإطلاق، مشيرةً إلى أنه "يساعد على التصاق الجزيئات المشعة بالرأس، ويصعب إزالتها بالمياه، وبالتالي تؤدي إلى إصابة الشخص بالتلوث الإشعاعي".

قد يبدو ذلك التحذير "هزليًّا" عند البعض، نظرًا لاختلاف الأولويات والظروف عند التعرض لانفجار نووي، ففي أغلب الأحيان لا يكون هناك متسع من الوقت لفعل أو عدم فعل الكثير، وتحديدًا عندما تشتعل السماء بتلك السحابة من النيران والتي سرعان ما تنشر موجات غير مرئية من الإشعاعات الحارقة والغبار النووي، لتلتهم الأخضر واليابس في طريقها.

لكن تلك الإجراءات تتفق مع ما ذهبت إليه دراسة أجراها فريق بحثي هندي تحت عنوان "التدابير المضادة للإشعاع الطبي في حالات الطوارئ النووية والإشعاعية: الحالة الراهنة والآفاق المستقبلية"، وانتهت إلى "ضرورة الاستحمام باستخدام كميات كبيرة من الصابون والماء؛ للمساعدة في إزالة الملوثات الإشعاعية، وتجنُّب استخدام مرطبات الشعر؛ حتى لا تلتصق الجزيئات المشعة بالرأس"، مشددة على أنه "عادةً ما يوصي خبراء العناية بالشعر باستخدام البلسم بعد غسل الشعر؛ إذ إنه يسهل تسليكه ويمنع تشابكه وتقصفه، ويحافظ عليه لامعًا وسلسًا، ليبدو بذلك المنظر الذي نشاهده في الإعلانات التلفزيونية، ولكن في حالة وقوع انفجار نووي، فإن آخر ما يحتاجه الشخص، وجود مادة لاصقة على شعره أو جسمه، تساعد الجزيئات المشعة على محاصرته".

نصيحة علمية

ووفق تقرير أورده الراديو الوطني العام – NPR (شبكة الإذاعة العامة للولايات المتحدة الأمريكية)، فإنه "لا قلق من استخدام الصابون العادي والشامبو، بل عادةً ما يوصي المختصون باستخدامها، على عكس البلسم، الذي يحتوي على "منشطات السطح الكيتونية" Cationic Surfactants، وهي مركبات تعمل على طرد المياه، بالإضافة إلى "البوليمرات"، التي تعمل كمادة لاصقة تساعد في تثبيت بروتين الشعر، مشددًا على أن "بلسم الشعر ليس الخطر الوحيد من بين مستحضرات التجميل التي تهدد حياتنا في حالة التعرض لانفجار نووي، فهناك أيضًا ألوان التجميل الصناعية التي تحتوي على زيوت، إذ إن لديها القدرة على أن تتخلل الجلد، ويمكنها أن تساعد على جذب الأتربة والجزيئات المشعة من الهواء، ولهذا يجب وضعها في الاعتبار".

ونقل التقرير عن أندرو كرم -خبير السلامة النووية ومستشار بالحكومة الأمريكية- قوله: "إن التحذير يُعَد نصيحة علمية لها مغزاها، وينبغي العمل بها؛ إذ تساعد مرطبات الشعر الجزيئات المشعة الدقيقة المنتشرة في الهواء على الالتصاق بالشعر، لتشكِّل غشاءً رقيقًا يغطي سطح الشعر، ويمكن لهذه الجزيئات أن تخترق السطح الخارجي، وتبدأ في تغيير تركيبة بروتين الشعر".

وأوضح كرم أنه "بمرور الوقت، فإن الشعر قد يتحول على مدار اليوم إلى مجموعات متفرقة ذات أشكال مخروطية، وبالتالي يمكن للجزيئات الملوثة بالإشعاع أن تتخلل تلك المجموعات".

احتمال وارد

الدكتور إبراهيم بشطر -أستاذ الفيزياء النووية بكلية العلوم، جامعة الزقازيق- تحدث لـ"للعلم" عن بعض الإجراءات الوقائية التي يجب اتخاذها عند التعرض لانفجار نووي، مؤكدًا أنه "رغم تزايُد عدد الدول التي تمتلك أسلحة نووية، ورغم التوترات التي تتصاعد بين فترة وأخرى، فإن احتمال نشوب حرب نووية ما زال محدودًا، ولكنه في الوقت نفسه احتمال وارد".

وأوضح أن "الإجراءات تختلف من منطقة لأخرى؛ إذ يجري تقسيمها إلى المنطقة (أ) وتحيط بموقع سقوط قنبلة أو صاروخ يحمل رأسًا نوويًّا أو بمفاعل وقعت فيه حادثة تسرب إشعاعي، والمنطقة (ب) التي تكون الآثار التدميرية بها أقل، ثم المنطقة (ج) التي يمكن أن تمتد الموجات الإشعاعية إليها، ومن تلك الإجراءات ضرورة الاستعداد بإقامة ملاجئ آمنة على مستوى منخفض تحت سطح الأرض، بحيث تكون مزودة بجدران إسمنتية سميكة، ومجهزة بالاحتياجات المعيشية الضرورية، على أن يلجأ إليها سكان المناطق القريبة من موقع الانفجار النووي خلال 30 دقيقة على الأكثر، ويمكثوا فيها يومين على الأقل، وفي حالة ما إذا شعر شخص ما بأنه تعرض للغبار النووي، عليه أن يسارع بنزع ملابسه والاستحمام وغسل شعره كاملاً، وبكمية وفيرة من المياه، بالإضافة إلى إعطائه جرعات محددة من أقراص "اليود"، وفق درجة الإصابة.

ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن أقراص "يوديد البوتاسيوم" تُعَدُّ مصدرًا لليود الثابت غير المشع، والذي تحتاج إليه "الغدة الدرقية" لإفراز هرموناتها، وبالتالي فإن وجود كميات مناسبة من اليود تمنع الغدة الدرقية من امتصاص اليود المشع، وتقلص خطر الإصابة بالسرطان.

وأضاف بشطر أن "التحذير من استخدام بلسم الشعر يحتل مرتبة متأخرة بين الإجراءات المتبعة؛ نظرًا لأن أشعة جاما -الناتجة عن الانشطار النووي، والتي تعد من أخطر الاشعاعات في المجال الكهرومغناطيسي، إذ إنها تمتلك الطاقة الأعلى بسبب ارتفاع ترددها- يمكنها أن تخترق الجلد بسرعات عالية، ولا يمكن إزالتها بالمياه أو باستخدام منتجات التنظيف المركزة، بخلاف أشعة ألفا التي يمكن للملابس أن تمنع وصولها إلى جسم الإنسان، إذ إنها لا يمكنها اختراق مواد خفيفة مثل قصاصة ورق أو قطعة قماش".