تمثل شواطئ البحار والمحيطات منطقة اتصال بين اليابسة والمياه، وتوفر حمايةً للسواحل من العواصف البحرية والأعاصير، لكن دراسة جديدة صادرة عن مركز البحوث المشتركة للمفوضية الأوروبية تشير إلى أنه من دون التخفيف من آثار تغيُّر المناخ والتكيُّف معها، فإن قرابة نصف شواطئ العالم ستكون عرضةً للتآكل بحلول نهاية القرن الحالي؛ بسبب عمليات التعرية الساحلية. وسيؤدي تآكل الشواطئ الرملية إلى تعريض الحياة البرية للخطر، وقد يتسبب في خسائر فادحة في المدن الساحلية التي لم تعد لديها مناطق عازلة لحمايتها من ارتفاع منسوب مياه البحر والعواصف الشديدة. بالإضافة إلى ذلك سيزيد من كلفة التدابير التي تتخذها الحكومات للتخفيف من آثار تغيُّر المناخ.

في هذا الإطار، أظهرت نتائج دراسة حديثة نُشرت في دورية "نيتشر كلايمت تشينج" في 2 مارس الحالي، أن عمليات النحت والتآكل هذه ستدمر 36097 كم (13.6٪) من السواحل الرملية حول العالم خلال 30 عامًا، كما يُتوقع أن يزداد الوضع سوءًا في النصف الثاني من القرن الحالي، ما قد يتسبب في تآكل 95061 كم بما يعادل (25.7٪) من شواطئ العالم. يؤكد ميخائيليس فوسدوكاس -الباحث في مركز الأبحاث التابع للمفوضية الأوروبية، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- أن التغيرات المناخية ستفاقم من تأثيرات عمليات التعرية الشاطئية، ما يهدد مناطق كثيفة السكان، مشددًا على أن ما يُكسِب نتائج الدراسة الحالية "أهمية خاصة" هو اعتمادها على سيناريوهات موضوعية لنمذجة تأثيرات انبعاثات غازات الدفيئة. 

ويُعد مركز البحوث المشتركة الذراع التقنية والعلمية للمفوضية الأوروبية، إذ يقدم الاستشارات والدعم العلمي والتقني المستقل لبرامج الاتحاد الأوروبي وسياساته.

سيناريوهات التدهور 

تقدم الدراسة توقعات لشكل خط الشاطئ بين العامين 2050 و2100، وتربط التغييرات التي تطرأ على خط الشاطئ مباشرةً بمسار التغيرات المناخية، بناءً على تقديرات تركيز غازات الاحتباس الحراري وفقًا لـ"معامل التركيزات التمثيلية"، الذي أقره الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ. ومعامل التركيزات التمثيلية RCP هو المسار الذي اعتمدته الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ لتركيزات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بهدف رصدها ونمذجتها للاستفادة منها في حساب تأثيرها على مصير كوكب الأرض.

حدد الخبراء مسار تركيز غازات الدفيئة في أحدث تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) الصادر في عام 2019، متوقعين أنه بحلول عام 2100 سيرتفع متوسط مستوى سطح البحر العالمي بين 61 سنتيمترًا إلى متر في أسوأ السيناريوهات، في حالة عدم التزام دول العالم ببنود اتفاقية باريس للمناخ. اعتمد الباحثون على البيانات والنماذج المناخية وعمليات الرصد الخاصة بارتفاع مستوى سطح البحر على مدار 82 عامًا، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية لرصد الشواطئ على مدار 35 عامًا ماضية. كما قاموا بمحاكاة أكثر من 100 مليون عاصفة وقياسات جرت لعمليات التآكل الساحلي الناتجة عنها عالميًّا. 

بناءً على مسارات التركيز التمثيلية لغازات الاحتباس الحراري، تفترض الدراسة سيناريوهين لذوبان المسطحات الجليدية: وفقًا للسيناريو الأول، إذا استمر العالم في انبعاث الكربون بالمعدل الحالي، فسيرتفع مستوى سطح البحر بحوالي 80 سم، وهو ما يعني تراجُع خط الساحل بمقدار 128.1 مترًا، ما يهدد بغرق 131 ألفًا و745 كيلومترًا من الشواطئ.

ووفقًا لأكثر السيناريوهات تفاؤلًا، في حالة التزام الحكومات بالاتفاقات الدولية والبروتوكولات الخاصة بخفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الكربون، فإن مستوى سطح البحر لن يرتفع إلا بمقدار 50 سم بحلول عام 2100، وسيكون متوسط ​تراجُع خط الساحل 86.4 مترًا. ووفق نتائج الدراسة فإن ما يصل إلى 63٪ من المناطق الساحلية المنخفضة في العالم ستكون مهددةً بالغمر بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف الشديدة.

وتكشف نتائج الدراسة عن أن 13.6–15.2٪ من الشواطئ الرملية في العالم يمكن أن تواجه تآكلًا شديدًا بحلول عام 2050، وهو رقم يرتفع إلى 35.7- 49.5٪ بحلول نهاية القرن.

تقع 31٪ من الشواطئ الرملية في العالم في مناطق ساحلية منخفضة الارتفاع بكثافة سكانية تزيد على 500 شخص لكل كيلومتر مربع، وتُظهر توقعات الباحثين أن حوالي ثلث هذه المناطق الساحلية ذات الارتفاع المنخفض ستكون مهددةً بشكل خطير بسبب التآكل بحلول عام 2050. يصل هذا التقدير إلى 52٪ و63٪ بحلول نهاية القرن، تحت مُعامل للتركيزات التمثيلية يقدر بـ4.5 و8.5، على التوالي.

في مواجهة الأمواج

وفيما يتعلق بتأثير هذه المخاطر المحتملة على الشواطئ الرملية في مصر والدول العربية، يقول "فوسدوكاس": "في أفضل السيناريوهات، ستفقد مصر بين 35.1 و50.5٪ من شواطئها الرملية بسبب التعرية، وهو ما يعني تآكل حوالي 1000 كم من الشواطئ الرملية المصرية، ويُحتمل أن ترتفع النسبة إلى أعلى من ذلك في دول مثل السعودية وليبيا". وتبلغ شواطئ مصر ما يقارب 3300 كيلومتر، منها 1500 كيلومتر على البحر الأحمر، و1800 كيلومتر في البحر المتوسط.

ويوضح هشام الصفتي -استشاري الهندسة الساحلية، ومدرس النمذجة العددية في الهندسة الساحلية بجامعة براونشفايج التقنية بألمانيا والباحث غير المشارك في الدراسة- أنه وفق توقعات الدراسة، ستتراجع سواحل دلتا النيل بأكثر من نصف كيلومتر في نهاية القرن؛ بسبب العوامل الجيولوجية والهيدرومورفولوجية، مثل توقف الإطماء وهبوط منسوب الدلتا، لكنه يرى أنه فيما يتعلق بتأثير هذه العوامل على شواطئ مصر والدول العربية، "تحتاج الدراسة إلى استيفاء هذه الحسابات بدقة أعلى؛ للوصول إلى نتائج أكثر نفعًا لمنطقتنا".

لكن جيفري كارجل -أستاذ علوم الأرض في جامعة أريزونا الأمريكية، والباحث غير المشارك في الدراسة- يرى أنه رغم أن المنهجية التي اتبعتها الدراسة جيدة جدًّا، وأن ما انتهت إليه من استنتاجات صالح للبناء عليه، إلا أنها لم تأخذ في الاعتبار التغيرات التفصيلية فيما يتعلق بإمدادات الرواسب وزيادة عوامل إنتاج ونقل الرمال والطمي؛ بسبب زيادة ذوبان الأنهار الجليدية، وزيادة الجريان السطحي للتآكل، وكذلك إمدادات الرواسب الآتية من المناطق الزراعية، وبناء السدود. 

يوضح "كارجل" لـ"للعلم" أن الجزء الخاص بذوبان الأنهار الجليدية بطبيعة الحال لا يؤثر بشكل مباشر على مصر، ولكنه يؤثر على أماكن أخرى مثل جرينلاند وألاسكا، ولكنه شدد على تأثير بناء السدود على مصر، قائلًا: "إن تأثير بناء السدود هو الأهم لمصر، كالسد العالي في أسوان، كما أنه سيكون هناك خزان عملاق للسد الإثيوبي، موضحًا أنه عندما يتم حجز الطمي بواسطة الخزانات، سيشكل ذلك عقبة أمام بناء مناطق الدلتا، وبالتالي ستنخفض، وستُغرق مياه البحر ساحلها، بما يضمه من مدن وقرى". وكانت دراسة سابقة أعدتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية، ونُشرت نتائجها في عام 2017، قد أشارت إلى أن مصر تُعَد أحد أكثر بلدان العالم تضررًا من تأثيرات التغيرات المناخية، وأن ما بين 20 إلى 40 كم من ساحل دلتا نهر النيل ستغمرها مياه البحر مع نهاية هذا القرن؛ بسبب ارتفاع مستويات سطح البحر.

ويضيف "فوسدوكاس" أن المملكة المتحدة يُتوقع أن تفقد 27.7٪ من شواطئها الرملية وفق أفضل التقديرات، و43.7٪ وفق أسوئها، كما يتوقع أن تكون أستراليا الأشد تضررًا؛ إذ إن حوالي 15000 كيلومتر من شواطئها تتعرَّض للخطر، تليها كندا بوصفها إحدى أكثر الدول تضررًا، ثم تشيلي، والمكسيك، والصين، والولايات المتحدة، كما يتوقع أن يتضرر أكثر من 680 مليون مواطن هندي يعيشون في المنطقة الساحلية المنخفضة؛ بسبب تأثيرات التعرية الساحلية وتغيُّر المناخ.

بارقة أمل

يقول "فوسدوكاس": إن الدراسة تقدم توقعات هي الأولى من نوعها فيما يخص تآكل الشواطئ الرملية، مع الأخذ في الاعتبار التدخلات البشرية بالإضافة إلى تأثيرات تغيُّر المناخ والعوامل الطبيعية. ويوضح أنه "لا تزال هناك بارقة أمل"؛ إذ يمكن لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة أن يمنع 40٪ من تراجُع خط الشاطئ، لكن هذا يتطلب التزامًا دوليًّا باتفاقية باريس للمناخ والبروتوكولات ذات الصلة، كما يستلزم اتخاذ بعض إجراءات الحماية الساحلية لحماية المناطق المأهولة بالسكان. وتقوم هيئة حماية الشواطئ المصرية بالعديد من المشروعات في هذا الإطار، كمشروع حماية بركة غليون الذى يستهدف حماية الطريق الدولي الساحلي والمناطق السكنية المحيطة بها بمحافظة كفر الشيخ من الغرق، بالإضافة إلي أنه جرى تنفيذ أعمال حماية المناطق الحرجة فى ثلاث محافظات، هي: الإسكندرية، وبورسعيد ، وكفر الشيخ.

ومن جانبه، يقول "الصفتي": إن على مصر العمل على محورين رئيسيين لتلافي الآثار السلبية لتغير المناخ وحماية الشواطئ: الأول الإسهام الفعال في دعوات التقليل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومطالبة الدول الصناعية الكبرى -المسؤول الرئيسي عن المشكلة- بالإسهام بشكل أكثر فاعلية في حل المشكلة عن طريق زيادة المساهمات في مبادرات مثل صندوق المناخ الأخضر وبنك تنمية الأمم المتحدة، وهى مبادرات أنشئت لمساعدة البلدان النامية على ممارسات التكيف والتخفيف لمواجهة آثار تغير المناخ، وهما يشاركان بالفعل في تمويل دراسات وأعمال حماية الشواطئ المصرية. 

"المحور الثاني هو محور علمي؛ إذ يجب على مصر زيادة تمويل الدراسات العلمية العابرة للتخصصات المطلوبة، لإيجاد حلول هندسية مناسبة للبيئة المصرية، والاستعداد لتغيير تخطيط المدن والمناطق الساحلية واستخداماتها للتأقلم مع تأثيرات التغير المناخي. كما يجب البناء بالتقنيات المتوافقة مع الطبيعة، التي تعتمد على تغذية النظام البيئي البحري بالرواسب التي يمكن أن توفر وسيلةً عضويةً للساحل لبناء ذاته بشكل طبيعي مع زيادة مستويات سطح البحر، هذا إلى جانب الحلول الهندسية الأخرى الصديقة للبيئة، مثل الحواجز الصخرية وكاسرات الأمواج"، كما يوضح "الصفتي" لـ"للعلم".