في نهاية كل يوم، تملأ آلاف الأطنان من الأغذية الصالحة للتناول صفائح القمامة، عوضًا عن سد جوع آلاف الأفواه، لا سيما من الأطفال الذين يتسبب سوء التغذية في حدوث 35% إلى 55% من إجمالي أعداد وفياتهم، وفق دراسة "تكلفة الجوع في مصر"، التي أعدها مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار المصري، بدعم من برنامج الأغذية العالمي، في مايو 2013.

فعلى الرغم من تزايُد احتياجات الغذاء في مصر نتيجة زيادة أعداد السكان من ناحية والاستهلاك المفرط من ناحية أخرى، تزداد معدلات الفاقد والإهدار الغذائي، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، إذ حذرت الفاو من وصول الفاقد والهدر من الخضراوات والفاكهة في مصر إلى 45-55% من الإنتاج السنوي، في حين يبلغ الفاقد والهدر من الأسماك 40%، ومن الألبان 30%، كما تصل كمية الخسائر للأسباب ذاتها في القمح إلى 1.5 مليون طن سنويًّا، و650 ألف طن من الذرة، و350 ألف طن من البنجر، لتبلغ خسائر الأغذية 11 مليون جنيه سنويًّا.

مراحل هدر الطعام

وتُعَد مصر من أكثر بلدان منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا كثافةً سكانية، إذ يبلغ عدد سكانها قرابة 100 مليون، ويشكل النمو السريع في أعداد السكان بالإضافة إلى محدودية الموارد المائية والأراضي الصالحة للزراعة ضغطًا كبيرًا على أنظمة الغذاء في كلٍّ من الريف والحضر المصري، من حيث الكمية أو حتى فيما يتعلق بتغيُّر الأذواق الغذائية للمواطن المصري نحو الخضراوات والفاكهة الأكثر قيمةً غذائية والأكثر عرضةً للتلف في الوقت ذاته.

وفي الوقت الذي يزداد فيه الطلب على المواد الغذائية في مصر، تزداد معدلات الفاقد والهدر، خاصةً فيما يتعلق بالمنتجات الأكثر عرضةً للتلف.

في هذا الإطار، أشارت "الفاو" إلى 6 مراحل للفقد والهدر على امتداد السلسلة الغذائية، بدايةً من الإنتاج والحصاد، مرورًا بالتخزين، ومن ثم التجهيز والتعبئة، ثم النقل والتوزيع، وأسواق التجزئة والجملة، وصولًا إلى المستهلك في المنازل والفنادق والمطاعم، إذ أرجعت الإهدار في المرحلة الأخيرة إلى أسباب مختلفة، منها نقص الوعي وسوء التخزين وسلوك المستهلك.

Caption

ويشارك المستوى الاجتماعي بدوره في عمليات الهدر، وفق عزت نعيم، رئيس جمعية روح الشباب للخدمة البيئية، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم" أنه من خلال ملحوظاتهم فإن النفايات العضوية –في إشارة إلى المواد الغذائية- تشكل النسبة الأكبر من النفايات المنزلية التي يجمعها الزبالون من المناطق الراقية، مقارنةً بالأحياء المتوسطة والفقيرة.

وهناك 6 مناطق للزبالين في القاهرة الكبرى -تشمل محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية-  حيث يتم جمع وفرز القمامة، وهي المعتمدية والبراجيل في الجيزة، وعزبة نوار في مدينة الخصوص بالقليوبية، و15 مايو، وطرة، ومنشية ناصر بمحافظة القاهرة.

يضيف "نعيم": نجد في قمامة مناطق مثل جاردن سيتي والزمالك والمهندسين –في إشارة إلى مناطق أصحاب الدخل المرتفع- كميات كبيرة من ثمار فواكه وخضراوات فيها أجزاء من العفن إلا أنها لا تزال –وفق رأيه- صالحةً للتناول، وحلويات ومخبوزات، في حين تغلب قشور الفواكه والخضراوات على القمامة العضوية للأحياء الأقل في المستوى الاجتماعي، حيث يتناول الفقير الطعام "البايت" ليومين وثلاثة، وهناك أسر تربي الطيور المنزلية وتُطعمها بواقي الطعام، وهو ما يحد كثيرًا من الفواقد الغذائية لديهم.

وأشار "نعيم" إلى أن "جمعية روح الشباب" دشنت مبادرة قبل عدة سنوات بعنوان "الفصل من المنبع"؛ للتوعية بأهمية فصل النفايات العضوية عن غير العضوية، لافتًا إلى أن الفصل من المنبع يساعد على تحويل النفايات الغذائية إلى أسمدة عضوية، ومن ثم تقليل الخسائر المرتبطة بهدر الطعام، ومضيفًا أن "المبادرة لم تحقق نتائج إلا على نطاق محدود جدًّا، وتوقفت لافتقارها إلى الدعم المادي".

سلوكيات مرتبطة بالهدر

وفي محاولة للوقوف على السلوكيات المرتبطة بهدر الطعام، قام مجموعة من الباحثين بعمل استطلاع استكشافي للنفايات المنزلية، عام 2015، نشره موقع "ريسرش جيت"، تضمَّن عينة عشوائية من 181 مواطنًا (64.6% من الإناث و35.4% من الذكور)، أغلبهم صغارٌ في السن (59.1% كانوا بعمر أقل من 44 عامًا)، ولديهم مستوى تعليم عالٍ.

وكشف الاستطلاع عن وجود مستويات مرتفعة من هدر الطعام بشكل كبير، إذ أجاب 13.8% فقط من المستطلَعة آراؤهم بأنهم لا يُلقون أي طعام، وكانت أكثر المنتجات الغذائية المهدرة هي الفاكهة، والخضراوات، والحبوب، والمخبوزات.

وأفاد 42% من المستطلَعة آراؤهم بأنهم يُلقون أسبوعيًّا 250 جرامًا على الأقل من الطعام الذي لا يزال صالحًا للاستهلاك، وأشار 75.7% منهم إلى أن نسبة الإهدار تزداد في شهر رمضان (على الرغم من كونه شهرًا للصيام عند المسلمين، إلا أنه ارتبط بكثرة استهلاك الطعام). في حين، صرح 21.5% من المستطلَعة آراؤهم بأن القيمة الاقتصادية للأطعمة المهدرة كل شهر تتجاوز 6 دولارات (حوالي 95 جنيها).

وتقول سعاد أحمد، ربة منزل، لـ"للعلم"، إنها مع غلاء الأسعار المستمر تجد في عروض التوفير في السوبر ماركت إغراءً لا يقاوم، وهو ما يدفعها لشراء كميات أكثر من حاجتها دون تفكير موضوعي منها، حتى حين تشتري من الأسواق الشعبية لا تسلم من مساومات الباعة لشراء عدد أكبر من الكيلوهات مقابل توفير نصف جنيه أو جنيه على الأكثر لكل كيلو، وفي نهاية المطاف تفسد الكثير من الأطعمة وتضطر إلى إلقائها في القمامة.

وتضيف: "أتذكر في إحدى المرات أنني اشتريت 10 علب من الجبن ضمن عرض توفير 5 جنيهات، المشكلة أنني بعدما عدت إلى المنزل فوجئت بأن تاريخ الصلاحية ينتهي بعد أسبوع واحد!".

وهذا ما أكده الاستطلاع السابق، إذ أفاد 44.2% من المستطلَعة آراؤهم أنهم ينجذبون إلى عروض الطعام التي تحدث عادةً في "السوبر ماركت" و"الهايبر ماركت"، أو عن طريق المساومة في المتاجر الصغيرة أو الأسواق الصغيرة والأسبوعية، وأفاد 33.1٪ من المستجيبين أنهم ينجذبون إلى مثل هذه العروض، حتى لو كانت تتم في بعض الأحيان على منتجات أوشكت على انتهاء الصلاحية، أو أنهم لا يلتفتون إلى تاريخ الصلاحية عند الشراء.

كما أظهرت النتائج أن 57.5٪ من المستطلَعة آراؤهم يطهون وجبة رئيسية من 3 مرات إلى 6 مرات في الأسبوع. وحوالي 67.4٪ يأكلون وجبة متبقية من اليوم السابق (أقل من مرتين في الأسبوع).

في المقابل، تقول رضوى محمد، مهندسة، إنها لا تخجل من شراء نصف كيلو من الطماطم أو ثمرتين من الفاكهة من السوبر ماركت، مضيفةً: "أشتري بقدر ما أحتاجه تمامًا دون أي زيادة، وهذه الثقافة منتشرة في الخارج ولا حرج منها، وهذا أفضل بالنسبة لي من شراء كميات تفيض عن حاجتي وأضطر إلى التخلص منها".

وتتابع: "أحرص أيضًا على أن أُعِد كميات من الطعام تكفيني أنا وزوجي لغداء يوم واحد؛ فهو لا يحب تناول الوجبة لأكثر من يوم، وعليه فإن أي طعام فائض سيتم إهداره".

ونوه الاستطلاع بمبادرة مفيدة في هذا الصدد لتجنُّب إهدار بواقي الطعام، وهي "بنك الطعام"، وتقوم إستراتيجيته لمكافحة الجوع على عقد برامج توعية للأفراد في المنازل؛ من أجل إنقاذ الطعام المُهدَر يوميًّا وتوصيله لأقرب محتاج في المنطقة السكنية، وتوقيع برتوكول تعاون مع جمعية الفنادق المصرية من أجل توفير المواد الغذائية الزائدة التي لم تُمَس من البوفيهات والمطاعم في المناسبات الفندقية من خلال تعبئتها في "صَوانٍ" لتوزيعها على أقرب منظمة غير حكومية أو دار مسنين أو دار للأيتام في المنطقة، بدلًا من رميها في مكبات النفايات.

وانتهى الاستطلاع إلى عدة توصيات، وهي ضرورة وضع إستراتيجية لتقليل هدر الطعام تشمل كل مستويات السلسلة الغذائية، ورفع مستوى وعي الأشخاص والمؤسسات بهذه المشكلة، وإجراء مزيد من الاستكشاف على هدر الطعام عند المستويات التعليمية الأقل والأشخاص الفقراء، والذي ربما يكون مختلفًا تمامًا.

حلول علمية

ويقدم البحث العلمي حلولًا للتعامل مع مشكلة هدر الطعام في مراحلها المختلفة، ويقول محمد جمال شحاتة، باحث بقسم تكنولوجيا الأغذية بمدينة الأبحاث العلمية في الإسكندرية، لـ"للعلم"، إنهم يركزون في أبحاثهم على تقليل هدر الأغذية الذي يحدث خلال عملية التصنيع من خلال إعادة استخدام المخلفات الناتجة، موضحًا: "على سبيل المثال، ينتج عن تصنيع الألبان كميات كبيرة من الشرش، الذي يتم التعامل معه كمخلفات للصناعة، في حين أنه إذا جرى تكثيفه وتحليله بواسطة إنزيمات معينة يمكن استخراج البروتينات منه التي تُستخدم كمكملات غذائية يتناولها الرياضيون، كما يمكن الاستفادة من قشور الخضراوات والفواكه المهدرة خلال عمليات التجهيز والتعبئة في صناعة مواد مضادة للأكسدة، تطيل العمر الافتراضي للأغذية، عوضًا عن استخدام مواد كيميائية للغرض نفسه".

وكانت دراسة مشتركة بين مدينة الأبحاث العلمية في الإسكندرية والمركز القومي للبحوث أُجريت في 2017 بعنوان (أفلام الزيت النشطة بيولوجيًّا كتطبيق مضاد للفطريات لحفظ المحاصيل الغذائية بعد الحصاد) قد أظهرت أنه يمكن الاستفادة من النفايات الزراعية بوصفها أحد المصادر الجيدة للمكونات النشطة حيويًّا؛ لحفظ الحبوب من السموم الفطرية بعد الحصاد.

وأُجريت الاختبارات في الدراسة على ثلاثة مستخلصات من ثمار التين غير الناضجة، وأوراق التين، وقشور الرمان، وتم تقييم الخصائص المضادة للميكروبات والفطريات في المستخلصات، وجرى اختبارها لتقليل الفطريات السامة والسموم الفطرية.

وأظهر مستخلص التين غير الناضج أفضل النتائج، سواء في تأثير مضادات الميكروبات أو في تأثيره كمضاد للفطريات، إذ إن له قدرة عالية على تقليل فطر الأفلاتوكسين السام في الوسائط السائلة بنسبة (52.7٪)، يليه مستخلص أوراق التين بنسبة (20٪).

وأضاف "شحاتة" أن هناك طرقًا أخرى لتقليل الهدر بعد عملية التصنيع من خلال استخدام الأفلام الغذائية في التعبئة بديلًا للبلاستيك الضار بالصحة والبيئة (وهي عبارة عن أغشية رقيقة تغلف المواد الغذائية، مصنوعة من مواد طبيعية قابلة للأكل والتحلُّل، مثل بعض أنواع البروتينات، كالذرة ومنتجات الألبان)، بما يطيل فترة صلاحية المنتج.

وأوضح أنه يمكن من خلال تكنولوجيا الغذاء أيضًا وضع مستشعرات في مواد التعبئة، بحيث يتغير لونها من الأخضر إلى الأحمر مثلًا بمجرد فساد المادة الغذائية، وهو ما يعطي مؤشرًا للمستهلك؛ حتى يتجنب شراءها.

ونشر باحثون من قسم تكنولوجيا الأطعمة دراسةً أخرى بعنون "إطالة العمر الافتراضي لشرائح سمك الرنجة المعبأة باستخدام مستخلصات الثوم والزنجبيل"، في جريدة الأحياء الدقيقة والتطبيقية jpam، في سبتمبر الماضي -حصلت معدَّة التقرير على نسخة منها- وانتهت إلى أن يمكن الاستفادة من مستخلص الثوم والزنجبيل كمواد مضادة للأكسدة والميكروبات، تُسهم في إطالة العمر الافتراضي لسمك الرنجة لمدة 8 أسابيع.

كما أجرى باحثون من المركز القومي للبحوث في مصر دراسات لإطالة العمر الافتراضي للمواد الغذائية.

تقول صفاء أبو زيد، باحث بقسم الصناعات الغذائية في المركز القومي للبحوث، لـ"للعلم"، إنهم قيموا في أحد أبحاثهم، نُشر عام 2013، النشاط المضاد للميكروبات للزيوت العطرية المشتقة من النبات مثل (القرفة والزعتر والكمون) بعد إضافتها إلى الأفلام الغذائية بتركيزات معينة لإطالة عمرها الافتراضي، وكشف البحث أن الزعتر أظهر أقوى نشاط مضاد للجراثيم، تليه القرفة، في حين أظهر الكمون أقل نشاط في مواجهة 4 أنواع من الجراثيم.

وعليه، فإنه ولكي يمكننا محاربة الجوع في مصر، علينا أولًا محاربة إهدار الطعام، من خلال نشر الوعي بالمشكلة، وزيادة عدد المبادرات الفاعلة في هذا الصدد، والتوسع في الأبحاث العلمية الهادفة لتقليل الهدر وتطبيقها على أرض الواقع.