أكدت دراسة حديثة أن الدورات التدريبية التي يتلقاها طلاب جامعة "بريستول" البريطانية حول "علم السعادة" ارتبطت بتحسُّن حالتهم النفسية، وجعلتهم يشعرون بقدر أكبر من السعادة –مقارنةً بغيرهم- خلال تفشِّي جائحة "كوفيد-19".

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE)، فقد بدأت جامعة "بريستول" البريطانية تدريس مادة "علم السعادة" في عام 2018، وتتضمن المادة "عقد دورات وحلقات نقاشية عن المسائل التي ثبت علميًّا أنها تجلب السعادة للناس"، كما تدرس المادة "تأثير العزلة والوحدة على الجهاز المناعي، وكيف يمكن للتفاؤل أن يزيد في معدل الأعمار، وكيف ينشِّط فعل العطاء مركز المكافأة في المخ".

وأظهرت الأطروحة التي أجراها فريقٌ بحثيٌّ مشترك من جامعتي "بريستول" البريطانية وجامعة "ييل" الأمريكية أن الطلاب الذين حصلوا على دورة "علم السعادة" عبر الإنترنت في الفصل الدراسي الأول لم يصبهم القلق المتزايد وانخفاض الرفاهية خلال تفشِّي جائحة "كوفيد-19"، وذلك مقارنةً بأقرانهم ممن أجلوا هذه الدورة إلى الفصل الدراسي الثاني.

يقول بروس هود -أستاذ علم النفس التنموي في كلية العلوم النفسية بجامعة بريستول، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن الدورات التعليمية النفسية التي تركز على التدخلات الإيجابية في علم النفس تفيد رفاه الطلاب، وبصفة خاصة في هذه المرحلة الانتقالية من حياتهم، التي يكونون فيها أكثر تعرضًا للاضطرابات النفسية.

تتفق تصريحات الباحث الرئيسي في الدراسة مع نتائج استطلاع للرأي أُجري عام 2018، وشمل 37500 طالب في 140 جامعة في المملكة المتحدة؛ إذ أبلغ 21.5% من الطلاب أنهم يعانون من اضطرابات تتعلق بالصحة العقلية، في حين أفاد 87.7٪ من المشاركين بأنهم يعانون من القلق، بينما ذكر 50.3% أنهم تطاردهم أفكار إيذاء الذات، وأن 33.9% يعانون من مشكلة نفسية خطيرة وأنهم يحتاجون إلى علاج نفسي، كما أفاد 42.8% بمعاناتهم من مستويات عالية من القلق.

يقول "هود": تسعى الجامعات حاليًّا للاهتمام بالنواحي الأكاديمية التي تساعد على جلب السعادة للناس، وازداد الأمر أهميةً منذ ظهور جائحة "كوفيد-19"، وما صاحبها من فرض قيود اجتماعية، لاحظنا أن معدلات الاكتئاب والقلق لدى طلاب الجامعات كانت عاليةً خلال الوباء مقارنةً بأي وقت آخر في العام الدراسي، وكان على العديد من المعلمين تقديم دوراتهم ومحاضراتهم عبر الإنترنت، لقد طرحنا في الدراسة سؤالًا مهمًّا هو: هل توفر الدورات التعليمية النفسية عبر الإنترنت فوائد رفاهية مماثلة؟

للتوصل إلى هذه النتائج، أخضع الباحثون للدراسة مجموعةً مكونةً من 166 طالبًا (من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 عامًا فأكثر) حصلوا على دورة تدريبية في علم السعادة في العام الدراسي (أكتوبر-ديسمبر 2020)، وذلك مقابل مجموعة أخرى ضابطة مكونة من 198 طالبًا لم يحصلوا على هذه الدورة.

طلب الباحثون من الطلاب مشاهدة 10 محاضرات مسجلة مسبقًا بصورة أسبوعية، وبدأت سلسلة المحاضرات بتعريف بمفاهيم السعادة والرفاهية، وذلك قبل دراسة النظريات المختلفة لتعزيز الرفاهية العقلية.

وتضمنت الموضوعات التي تم تناوُلها نقاط القوة المميزة، والتأمل، واللطف، والامتنان، والتمارين الرياضية، والنوم، والصلات الاجتماعية، والمقارنات الاجتماعية، كما تم تقديم نظرة عامة على طرق البحث النفسي؛ للسماح للطلاب بتقييم قاعدة الأدلة التي تقوم عليها هذه الأساليب، كما طُلب من الطلاب المشاركة في جلسات "مراكز السعادة" الأسبوعية، التي تُعقد بقيادة طلاب أكبر منهم سنًّا ومرشدي الدراسات العليا.

وتم تقسيم الطلاب إلى مجموعات تضم كل واحدة منها ثمانية طلاب حدًّا أقصى، بحيث يلتقون لمدة ساعة واحدة تقريبًا في الأسبوع باستخدام مؤتمرات الفيديو عبر الإنترنت.

وأوضحت نتائج الدراسة تحسُّن الصحة النفسية بالنسبة للطلاب الذين درسوا مادة "علم السعادة" مقارنةً بالمجموعة الضابطة، وأن الطلاب الذين درسوا تلك المادة خلال فترة القيود التي تطلَّبتها جائحة "كوفيد-19" كانت صحتهم النفسية أفضل من مثيلتها لدى المجموعة الضابطة، كما أسهم تدريس مادة "علم السعادة" في تحسُّن الحالة الصحية للطلاب في أثناء إجراءات الإغلاق.

يضيف "هود": ملأ جميع الطلاب استبانةً قيَّموا خلالها صحتهم العقلية ومدى شعورهم بالقلق قبل بدء الدورة، وكرروا الإجراءات في النهاية بعد 12 أسبوعًا، ووجدنا أن الأفراد الذين تلقَّوا الدورة في الفصل الدراسي الأول حافظوا على صحتهم العقلية بصورة أكبر ممن تلقوها في الفصل الثاني.

ويتابع: تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن دورة "علم السعادة" المُدارة عبر الإنترنت والتي تم تقديمها خلال جائحة "كوفيد-19" كانت مرتبطةً بتأثير وقائي على الصحة العقلية، ومن هنا نوصي بأن يصبح تلقِّي دورات حول السعادة جزءًا من المنهج الدراسي لجميع الطلاب في عامهم الأول، باعتباره إجراءً وقائيًّا لمعالجة مشكلات الصحة العقلية، وسنعمل على تدريس الدورة في جامعات أخرى، ومن ضمنها جامعة "كارديف" في ويلز، وجامعة "مانشستر" البريطانية في وقت لاحق من العام، ونودُّ الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجامعات.

وردًّا على سؤال "للعلم" حول إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات أخرى، يقول "هود": نعم، يمكن تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات أخرى؛ فالمبادئ واحدة على الرغم من أنها يجب أن تتكيف مع المجتمعات المختلفة، أنا منفتح على جميع الفرص للتوسُّع والعمل مع جامعات من مجتمعات أخرى.

يُذكر أن بريطانيا كانت أول بلد يقوم بتدريس مادة "علم السعادة" لطلاب المرحلة الجامعية، وانتهى أكثر من 1000 طالب جامعي بريطاني من دراستها –بالفعل- بهدف تعلُّم الأنشطة التي تجعل الإنسان يعيش حياةً أفضل وأكثر سعادة.