تخيل صاحبَي عمل طموحَيْن: ميج وجين..على نفس القدر من القدرة والعلاقات القوية، يعملان على أفكار واعدة طموحة. تخيل أن الفرق الوحيد بين ميج وجين هو: أن ميج يشغلها التفكير في نوعية الوظيفة التي يمكن أن تعمل بها وكيفية الالتحاق بها، في حالة إذا ما باءت فكرة مشروعها بالفشل؛ بينما لا تفعل جين ذلك.

مَنْ منهما في اعتقادك سيعمل باجتهاد أكثر، وبالتالي ستكون فرصه في النجاح أفضل: ميج أم جين؟ وهل مجرد التفكير في خطط بديلة، من الجائز أن يُضعِف من قوة دوافع ميج أو يقلل من احتمالات نجاحها؟ كان هذا هو السؤال الذي نتلمّس الإجابة عنه من خلال هذا البحث. ونعم فقد وجدنا في إحدى الأوراق البحثية المنشورة في هيئة دعم السلوك وعملية اتخاذ القرار، أن مجرد التفكير في خطة بديلة، قد ينشأ عنه انخفاض الجهد المبذول لإنجاز هدفٍ ما، مؤثّرًا سلبًا على فرص تحقيقه.

يظن معظم الناس أن وجود خطة بديلة هو دائمًا فكرة جيدة! وقد ركزت دراسات سابقة على الفوائد الجمّة للتخطيط.

 نقوم هنا بإلقاء الضوء على النتائج غير المقصودة للخطط البديلة:

إذ قد تتيح فرصًا أقل لتحقيق هدفك الأساسي بنجاح.

وقد بدأنا عملنا البحثي باستقصاء بسيط في إحدى محطات القطار الكبيرة على الساحل الشرقي. كان أفراد فريق العمل يقتربون من الركاب الذين ينتظرون القطارات. كنا نسألهم عن أهداف معينة سعوا إلى تحقيقها وكم الجُهد الذي بذلوه في سبيل تحقيقها. وسُئِل المشاركون عما إذا كانت لديهم خطة بديلة لتحقيق هدفهم. وبتحليل تلك المعلومات؛ تبيّن أن ذوي الخطط البديلة بذلوا مجهودًا أقلّ. وبالرغم من أن النتائج وافقت حدسنا تجاه مخاطر وضع خطط بديلة؛ إلا أن العلاقة هنا لم تكن سببية. إذ لم يكن بوسعنا إغفال أن هناك أفرادًا يحتاجون لوضع خطط بديلة لمعرفتهم أن قدراتهم على العمل محدودة. أو آخرون يضطرون إلى ذلك لعدم اهتمامهم الكافي بتحقيق أهدافهم، فلا يبذلون الكثير من الجهد.

كنا نريد أن نتأكد، هل ما لحظناه من علاقة بين وضع خطة بديلة وبين الجهد المبذول هو شيء عارض على سبيل المصادفة؟ وهل التفكير في خطة بديلة يقلل من اجتهاد الناس للوصول لأهدافهم، فبالتالي يقلل بشكل أساسي من فرص نجاحاتهم؟

في إحدى التجارب جمعنا بعض طلبة الجامعة في غرفة واحدة، وطلبنا منهم إعادة تجميع كلمات متفرقة بحيث تصنع جُمَلًا. ووعدناهم بقطعة من حلوى الطاقة كمكافأة على الأداء الجيد. واخترنا نصفهم عشوائيًّا لنطرح عليهم فكرة التفكير في خطة بديلة تمكنهم من البحث في المكان للحصول على وجبة خفيفة بديلة، في حالة فشلهم في الفوز بالحلوى المجانية الممنوحة بعد إجراء الدراسة. واكتشفنا بشكل مؤكد، أن مَن كانت لديهم خطة بديلة قبل البدء بالمهمة، هم الذين لم يؤدّوها على الوجه الأكمل. وفي تجارب لاحقة، تكرّر كشفنا لهذه النتيجة في سياقات أخرى، بمكافآت مختلفة (نقود أو وقت زيادة مثلًا) وحرصنا على التأكد من أن هذا التأثير لم يحدث بسبب عوامل خاصة، كالإرهاق في ابتكار خطط بديلة، أو عدم الاقتناع بالمكافآت المقدَّمة.

و بهذا، نكون قد تأكدنا من هذا التأثير القوي، ولكننا ما زلنا نود معرفة سبب حدوثه. هل وضع خطة بديلة يقلّل الدافع للعمل أَم يسبِّب الارتباك؟ تبيّن لنا بعد طرح هذا السؤال في دراستنا، أن واضعي الخطط البديلة قبل بدء العمل، هم مَن لا يُقبِلون بشدة على المكافآت المعروضة. وهكذا تبيّن أن التفكير في خطة بديلة، يقلّل من رغبتك في الوصول إلى هدفك الأصلي، مما يؤثر سلبًا على جهدك وأدائك، بل وعلى قدرتك على اغتنام الفرص المتاحة للنجاح.

مدهش، أليس كذلك؟ وربما مُحْبِط للبعض! السؤال الآن: ماذا يمكن أن تفعل بهذه المعلومة؟ كيف يمكن أن يساعدك هذا البحث في اتخاذ قرارات أفضل؟ وفي نفس الوقت يجعلك تخطّط بحكمة، في أثناء سعيك للوصول إلى أهداف لست متأكدًا من قدرتك على تحقيقها؟

أولًا: من المهم أن نعلم أن هذه النتائج لا تسري على كل نوعيات الأهداف، بل تسري فقط على تلك التي تعتمد في الوصول إليها اعتمادًا تامًّا على العمل والاجتهاد. وحيث إننا اكتشفنا أن التأثير السلبي لوضع خطة بديلة هو تقليل الدافع والمجهود المبذول لتحقيق هدف ما، فإن وضع البديل لن يؤثر بالطبع على الأهداف التي لا تتطلّب جهدًا في الوصول إليها (كالفوز باليانصيب مثلًا)، فلا تتردّد في المسارعة بوضع خطة بديلة حول كيفية إعالتك لنفسك، في حال إذا لم تَفُزْ بكرة الحظ!

ثانيًا: ربما ليس عليك الاختيار بين أن تضع خطة بديلة الآن أو ألا تضع واحدة على الإطلاق؛ إذ قد يكون السؤال عن التوقيت فقط. على سبيل المثال، قد يتراءى لك القيام بوضع خطة بديلة بعد أن تكون استنفدت كامل جهدك لتحقيق هدفك الأساسي، بمعنى أن تقوم بوضع خطة بديلة بعد انتهائك من كل العمل المطلوب، لتصبح النتائج في يد غيرك (زملاؤك، القاضي، إلخ).

 إذا كنت صاحب عمل، فقد تفكر في الالتزام بإحدى أفكارك المبتكرة لفترة معينة من الوقت، باذلًا أقصى طاقتك وانتباهك خلال هذا الإطار الزمني المحدد. ثم الشروع في الالتزام بخطة بديلة مناسبة، فقط في حالة إخفاقك في تحقيق هدفك في الوقت المحدد؛ نفس تلك الاستراتيجية يمكن أن تُتَّبَع لدى محاولتك الحصول علي وظيفة تحلم بها، أو حتى للتقديم في إحدى المدارس.

ثالثًا، إن كنت تدير شؤون عدد كبير من الناس أو فريق عمل ما، فقد تحتاج لأن تعهد بمسؤولية تحقيق هدف معين (إطلاق منتج مثلًا) إلى شخص أو عدة أشخاص، وبمهمة التفكير في خطة بديلة يقوم بها آخرون. لكن ينبغي إخفاء هذا الأمر عن المجموعة الأساسية القائمة بالعمل نحو الهدف. وهكذا يمكن الحفاظ على الدافع وحسن الأداء لدى الأشخاص الموكَل إليهم العمل. بينما يمكنك بالتوازي التحكم في المخاطر والتخفيف من الشكوك.

 كثير من الأهداف التي نسعى إليها في الحياة، تتطلب بذل جهد شاق. وقد ينتابنا الشك في إمكانية الوصول إليها، ما يجعل وضع الخطة البديلة يبدو جذّابًا وباعثًا للأمان. وعلى كلّ، فهذا الضمان النفسي –كغيره من الضمانات- لا يأتي بلا ثمن.