لا تستسلم للعيش على أنقاض الماضي حتى لو كنت في التسعين من العمر؛ فالرحلة إلى المستقبل تستحق التفكير في هدف والسعي لتحقيقه مهما كنت صغيرًا. هدف يأخذك بعيدًا عن آلام المرض، وعناء قضاء الليل بحثًا عن سلطان النوم.

تلك باختصار محصلة دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة نورث وسترن بولاية ألينوي الأمريكية تحت عنوان "هل يرتبط تحديد هدف في الحياة بخفض اضطرابات النوم الشائعة لدى كبار السن مثل انقطاع التنفس في أثناء النوم، ومتلازمة تململ الساقين، واضطراب نوم حركة العين السريعة؟"، مشيرةً إلى أن كبار السن الذين يمتلكون هدفًا ويسعون لتحقيقه يتمتعون بمقاومة أكبر لمخاطر التعرُّض لتلك الاضطرابات، وأن الأفراد الذين يتمتعون بمقوِّمات عالية في الصحة النفسية بشكل عام، لديهم أمراض عضوية أقل ويتمتعون بصحة جسمانية أفضل.

أهمية الهدف

كشفت الدراسة المنشورة في مجلة "سليب ساينس آند براكتس"، أن الأمراض المصاحبة للشيخوخة -سواء كانت نفسية مثل الاكتئاب أو عضوية كأمراض القلب- تعزز انخفاض القدرة على النوم لدى كبار السن بصورة أكثر من تقدم العمر، لكن انشغال كبار السن بتحقيق خطط مستقبلية موضوعة مسبقًا من شأنه أن يقلل اضطرابات النوم ومشكلاته التي تنعكس آثارها مباشرة على الصحة، وترتبط بأمراض عديدة من ضمنها ألزهايمر والبدانة وأمراض القلب والسكري، وحتى الإنفلونزا.

عينة واسعة ومتنوعة

تم اختيار عينة البحث من مبحوثين شاركوا في دراستين سابقتين: الأولى بعنوان "شيخوخة الأقليات: جهود مستمرة للحصول على تبرعات من الأمريكيين من أصل أفريقي بأدمغة غير مصابة بالخرف"، واستهدفت بحث عوامل الخطر التي تؤدي للتدهور المعرفي لدى المسنين الأفارقة داخل المجتمع الأمريكي"، والثانية بعنوان "مشروع ذروة الذاكرة والشيخوخة"، وتناولت تحديد عوامل الخطر الجيني والبيئي وارتباطها بإصابة كبار السن بالشيخوخة"، وهي الدراسة التي عانى 88% ممن شاركوا فيها من المرض السريري ووافقوا على تشريح أدمغتهم بعد الوفاة.

وشملت العينة 825 (428 من أصحاب البشرة السوداء و397 من أصحاب البشرة البيضاء)، تراوحت أعمارهم بين 60.84 إلى 99.81 عامًا، بينهم 77.3% من النساء و42% عانوا من توقف التنفس في أثناء النوم و23% من المصابين بمتلازمة تململ الساقين، وجرى تقييم المشاركين مرة أخرى بعد مرور سنة؛ لتحديد التغيُّر الذي طرأ عليهم على المدى الزمني.

أجاب المبحوثون عن استبانة من 10 أسئلة حول أهمية امتلاكهم هدفًا يريدون تحقيقه في حياتهم، تضمنت عبارات مثل "أشعر بأنني في حالة جيدة عندما أفكر فيما فعلته في الماضي وما آمل أن أحققه في المستقبل"، و"بعض الناس يهيمون على وجوههم من دون هدف في الحياة، لكنني لست واحدًا منهم"، فضلاً عن 32 سؤالًا عن نوعية النوم مثل استعصائه أو تقطعه أو انخفاض جودته.

الاضطرابات الأكثر شيوعًا

وفق الدراسة، تُعَد اضطرابات النوم شائعة لدى كبار السن بمعدل يتراوح بين 32– 45%؛ إذ يشتكون من صعوبة الدخول في النوم أو الاستمرار فيه أو النوم المتقطع، وأن هناك ثلاثة اضطرابات هي الأكثر شيوعًا، أولها انقطاع التنفس في أثناء النوم؛ إذ يتوقف التنفس بشكل متكرر في أثناء النوم، ما قد يحرم أجزاءً من الجسم من الأكسجين، ومن أبرز أعراضه الشخير في أثناء النوم والشعور بالتعب عند الاستيقاظ، والثاني متلازمة تململ الساقين التي تصيب الشخص برغبة شديدة لا يمكن مقاومتها بتحريك الساقين، كما يمكن أن تتسبّبَ بشعور مزعج بالزحف أو الرغبة بتحريك القدمين والساقين والفخذين. ويتفاقم هذا الشعور مساءً أو خلال الليل غالبًا. وتدخل هذه الأعراض ضمن اضطرابات النوم لأنها تضر عملية النوم؛ إذ يرغب المريض في تحريك القدم للتخلص منها، أما الثالث فيتمثل في اضطرابات النوم في أثناء حركة العين السريعة.

يقول ألسيبياد رودريجز -أخصائي الأمراض العصبية بمركز اضطرابات النوم بجامعة نيويورك- لـ"للعلم": "إن التطلع للمستقبل يجعل الإنسان يميل إلى الاهتمام بنفسه، وخاصة في المرحلة المتقدمة من العمر حيث يتغير نمط النوم وتطرأ أمراض مصاحبة مثل أمراض القلب والتي يمكن أن تؤثر سلبًا على النوم، فتكون السيطرة أسهل لمَن لديهم هدف".

يرى رودريجز أن الدراسة لها قيمة مضافة، موضحًا في الوقت ذاته أن "بها بعض القصور؛ لأنها مبنية فقط على استقصاء دون التطرق إلى أمراض أخرى غير تلك الأمراض الثلاثة، أو العادات الغذائية للشخص الذي شملته عينة البحث".

إحصاءات ودلالات

من جهتها، تقول منى عبد الفتاح ندا -أستاذ أمراض المخ والأعصاب، كلية الطب جامعة القاهرة- لـ"للعلم": "إن امتلاك الإنسان هدفًا في الحياة قد يساعد في بعض اضطرابات النوم الناتجة عن أسباب نفسية؛ إذ يُستخدَم علم النفس الإيجابي (متضمنًا وجود هدف للحياة) في العديد من المجالات بجانب العلاج الطبي؛ فقد وُجد أنه يؤثر بصورة إيجابية على المرسلات العصبية في المخ، مما قد يساعد في جوانب من الصحة العامة للإنسان ومنها النوم، أما الاضطرابات الناتجة عن أسباب مرضية بالمخ فيجب التعامل معها طبيًّا وإجراء الفحوص اللازمة وتحديد الدواء المناسب لعلاجها".

تتفق نتيجة الدراسة مع ما انتهت إليه دراسة سابقة نشرتها دورية الأكاديمية الأمريكية للأمراض العصبية في يوليو 2017، من أن هناك رابطًا بين اضطرابات النوم والواسمات البيولوجية لمرض ألزهايمر في السائل النخاعي، ما يعني زيادة فرصة الإصابة بالمرض، مشيرةً إلى أن الأفراد الذين يشتكون من جودة نوم متدنية أو يعانون اضطرابات بالنوم لديهم فرص أعلي للإصابة ممن ليس لديهم مشكلات بالنوم، وأن تحسين جودة النوم من شأنه تأخير خطر الإصابة بمرض ألزهايمر أو منعه.

يشرح رودريجز أن القلق يتمكن من الإنسان بالليل، لذا فأي ممارسة تساعد على الاسترخاء -كاليوجا والتأمل والإبر الصينية- تساعد على تجاوز اضطرابات النوم وبخاصة الأرق.

بدورها، ترى بريتي ديفناني -استشارية أمراض المخ والأعصاب وطب النوم بمستشفى جاسلوك ببومباي في الهند- في تصريحات لـ"للعلم" أنه "مع التقدم بالعمر، يجب إيجاد طرق لشغل فراغ كبار السن، ويمكن تحفيز ذلك عن طريق إيجاد دور لهم في المجتمع، وهو ما سبق أن فعلته اليابان؛ إذ جرى تعيين كبار السن لخدمة مَن هم أكبر، مما يدر عليهم دخلًا ويعطي لحياتهم هدفًا".