إصابة الرأس التي تعرَّض لها النجم المصري في صفوف نادي ليفربول الإنجليزي محمد صلاح، في إبريل الماضي، حرمته من المشاركة في مباراة إياب الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا لكرة القدم، بعد أن غادر الملعب خلال مباراة فريقه ضد نيوكاسل، نتيجة احتكاك عنيف مع حارس المرمى. قد تبدو إصابة صلاح بسيطة ظاهريًّا، وربما يكون قد تعافى قبل مباراة فريقه مع برشلونة، وكان الحماس يدفعه للمشاركة، لكن بناءً على نصيحة الأطباء، فضّل مدربه عدم إشراكه؛ كي يتعافى تمامًا من آثار ضربة الرأس، تجنُّبًا لسيناريو كارثي حدث لمشاهير الرياضيين، وقادهم إلى خطر التعرُّض لمرض باركنسون أو الشلل الرعاش.

وتشكل إصابات الرأس المتكررة في الملاعب، وميادين القتال، بالإضافة إلى حوادث الطرق، سببًا رئيسيًّا في حدوث إصابة الدِّماغ الرَّضِّيَّة (Traumatic brain injury)، وهي حالة مرضية تنتج عن قوة خارجية تُسلّط على الرأس وتؤذي الدماغ بطريقةٍ ما، وقد تتفاوت هذه الحالة من ضربةٍ خفيفة على الرَّأس مصحوبة بدُوار عابر، إلى تلف يؤثر على الدّماغ نتيجة التَّعرُّض لإصابة رضِّيَّة كبرى، كما تُعَد أحد أسباب الإصابة بمرض الباركنسون (الشلل الرعاش).

هذا النوع من الإصابات كان موضوع دراسة حديثة، أجراها باحثون من جامعة ليل الفرنسية، بالتعاون مع مختبري الدكتور فراس قبيسي والدكتور كاظم زيبارة في لبنان. كشفت الدراسة -التي تُعد الأولى من نوعها- عن الأضرار التي تلحق بالدماغ مع مرور الوقت نتيجة إصابة الدّماغ الرّضيّة. وللوصول إلى نتائج الدراسة، التي نُشرت تفاصيلها في دورية "موليكيولار آند سيليولار بروتيوميكس"، أحضر الفريق مجموعةً من الفئران وضربوها على رؤوسها، في محاكاة لتعرُّض الرأس لضربات الدماغ؛ إذ جرى قياس تأثير تلك الضربات على الدماغ على 4 فترات زمنية، هي: بعد يوم واحد، و3 أيام، و7، و10 من تعرُّضهم للضربات.

ولرصد التفاعلات التي تحدث في الخلايا العصبية المتضررة نتيجة الإصابة، جرب الفريق نوعًا جديدًا من "البروتيوميكس"، هو علم تجزئة البروتينات ودراستها، ويطلَق عليه "مايكروبروتيوميكس". و"البروتيوم" هو عبارة عن كتلة البروتينات الموجودة في عضو أو نسيج معين بجسم الإنسان، كالدماغ والكبد والدم.

تفاعلات الدماغ مع الإصابة

من جانبه، قال فراس قبيسي، الباحث بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأحد أعضاء فريق البحث: إن هناك أكثر من 150 بحثًا ربط إصابة الدّماغ الرّضيّة بإمكانية الإصابة بالشلل الرعاش، ولكن دراستنا تعتبر الأولى على الإطلاق التي ترصد التفاعلات التي تحدث بمرور الوقت في الدماغ بعد حدوث إصابات الدّماغ الرّضيّة.

وشرح -في حديث لـ"للعلم"- الأضرار التي رصدتها الدراسة، مشيرًا إلى أنه من اليوم الأول إلى الثالث حدث نوع من الالتهاب، ودمار للحاجز الدموي الدماغي Blood-brain barrier، وهو عبارة عن فاصل بين مجرى الدم والدماغ، يتكون من جدار من خلايا متجمعة بعضها حول بعض بشكل مُحكَم، ليحمي الدماغ من دخول المواد التي يمكن أن تكون ضارة، ويسمح فقط بدخول العناصر الغذائية الأساسية.

وتابع أنه من اليوم الثالث إلى السابع ظهر تراكُم للبروتينات في منطقة "المادة السوداء" (SubstaniaNigra) في الدماغ، وهي بروتينات تتشابه في وظائفها مع ما يظهر من أعراض مصاحبة لمرض باركنسون.

يشدد قبيسي على أن هذه هي أول دراسة تربط بين ظهور هذه البروتينات المسببة لباركنسون وإصابات الدماغ الرَّضِّيَّة، وأبرزها بروتين يسمى سينابتوتاجمين (Synaptotagmin)، إذ وجد الفريق أن تراكُم البروتينات يتزايد بشكل كبير في اليوم العاشر، مقارنةً بالأيام الثالث إلى السابع، ما يُحدث تسارعًا في موت الخلايا العصبية بالدماغ.

ومقارنةً بعمر الفئران القصير، إذ تعيش الفئران حوالى 3 سنوات، بوقت إصابة الدماغ الرضّية لدى البشر، أشار "قبيسي" إلى أن اليوم الأول من إصابة الرأس لدى الفئران يعادل من يوم إلى 7 أيام لدى الإنسان، والثلاثة أيام تعادل من 7 أيام إلى شهر، أما 7 إلى 10 أيام لدى الفئران فتعادل حوالي عدة أشهر إلى سنة تقريبًا لدى البشر.

د. قبيسي برفقه فريقه البحثي credit:Firas Kobeissy

ووفق "قبيسي"، درس الفريق هذا البروتين باستخدام تقنيات علم المعلوماتية الحيوية ـ(Bioinformatics)، وهو مجال يجمع بين تطبيقات علم الحاسوب وعلوم الجينوم والأحياء، لتنظيم المعلومات البيولوجية في الكائنات الحية وإدارتها، واكتشفوا أن ذلك البروتين مرتبط بالليبيديات، أو المواد الدهنية التي تُعرف بالـLipids""، التي توجد لدى مرضى الشلل الرعاش. وقد برهن الفريق على أن زيادة مستويات بروتين سينابتوتاجمين، بالإضافة إلى الليبيديات في الدماغ، يؤدي إلى تلف الخلايا العصبية للدماغ.

وأوضح أن هناك أبحاثًا كثيرة أُجريت في أمريكا وبريطانيا ربطت بين إصابات الدماغ الرضّية المتكررة في الرياضة والجنود في ميادين الحرب، وخطر الإصابة بألزهايمر، إذ تزيد بروتين الـ"التاو" الذي يرفع خطر الإصابة بمرض ألزهايمر أيضًا.

وتابع أن تعرُّض الرأس لضربات متتالية يزيد من تراكم بروتين يسمى "تاو" في الدماغ، يرتبط بخطر الإصابة بألزهايمر، بالإضافة إلى البروتين المشابه له في الشلل الرعاش يسمى "ألفا- ساينوكلين" (Alpha-Synuclein)، وهو بروتين موجود في الدماغ ويُعَد أحد المكونات الرئيسية لأجسام "ليوي"، وهي كتل من تجمعات بروتينية، تمثل الصفة المميزة لمرض الشلل الرعاش، ولها دور في تطور المرض أيضًا، ويساعد تشكُّل تلك الرواسب على موت الخلايا العصبية.

وذكر "قبيسي" أن تراكُم بروتين "ألفا- ساينوكلين" في الدماغ يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على "المادة السوداء" في الدماغ (Substantia nigra)، التي تبدو مثل محطة الترحيل؛ إذ تستقبل الإشارات وتوزعها من أجل تنظيم تنفيذ الحركة المطلوبة في الجسم بشكل مناسب، وهي لاعب مهم في وظيفة الدماغ، وبالأخص في حركة العين، والتخطيط الحركي، والتعلم والمكافأة.

تقنية "التصوير عبر البروتيوميكس"

من جانبه، قال الدكتور كاظم زيبارة، الباحث في مختبر الخلايا الجذعية في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية، وأحد أعضاء فريق البحث: إن ما يميز البحث الجديد أنه أجرى دراسته على بروتينات متحللة من الدماغ نتيجة ضربات الرأس الرضّية لدى الفئران، باستخدام تقنية متطورة جدًّا هي الـ"مايكروبروتيوميكس"، تسمى "التصوير عبر البروتيوميكس" (Imaging of Proteomics)، وفيها يضع العلماء البروتينات الدماغية المتحللة على شريحة زجاجية معملية، ويسلطون عليها ضوء الليزر من مسافة قريبة جدًّا؛ لتحليل التغيُّر الذي يحدث في البروتينات مع مرور الوقت، نتيجة إصابات الدماغ الرَّضِّيَّة.

"زيبارة" أشار -في تصريحات لـ"للعلم"- إلى أن العقبة الوحيدة أمام إجراء مثل هذه الأبحاث على البشر، كما يحدث لدى الفئران، هي صعوبة أخذ خلايا دماغية، ولكن يمكن أن يستعاض عن ذلك بأخذ خلايا من الدم؛ لكشف "العلامات البيولوجية" التي تدل على نِسَب ظهور البروتينات المتورطة في ألزهايمر وباركنسون لدى الأشخاص الذين تعرَّضوا لضربات دماغ رضّية.

وعن أهمية نتائج الدراسة، أوضح "زيبارة" أنها تعطي جرس إنذار لصناع القرار والمسؤولين عن النظام الصحي والرياضي، لتعديل البروتوكولات الطبية الرياضية، بخصوص خطورة التعرُّض المتكرِّر لضربات الدماغ الرضّية المتكررة، ومؤخرًا أصبح اللاعبون في بعض الرياضات بأمريكا -مثل الأمريكان فوتبول، وكرة القدم- يأخذون فترة راحة أسبوع على الأقل، بعد التعرُّض لتلك الضربات، حتى لو شعر اللاعب بتحسُّن، وهذا ما حدث مع اللاعب المصري محمد صلاح في مباراة ليفربول مع برشلونة.

وأكد أن منح اللاعب فترة راحة يجنِّبه خطر التعرُّض لمضاعفات كبيرة، قد تحدث لو استأنف اللعب دون راحة، فتؤدي إلى سرعة الإصابة بالشلل الرعاش في عمر صغير، بمعنى أنه لو كان الإنسان معرَّضًا لمرض ألزهايمر أو باركنسون في عمر الثمانين، كنتيجة طبيعية لتقدُّم العمر وعوامل الشيخوخة، فإن تكرار ضربات الدماغ الرضّية، يعرضه لخطر تلك الأمراض في عمر صغير.

ونوه "زيبارة" بأن الدراسة تشدد على ضرورة حماية اللاعبين والمقاتلين في الحروب من تداعيات التعرُّض لضربات الرأس المتكررة، عبر منحهم فترات راحة بعد التعرُّض لتلك الضربات، حتى القبعات التي يرتديها لاعبو الأمريكان فوتبول، هناك اتجاه في الوقت الحالي إلى تغيير نوعها، لتحل محلها قبعات مزودة بمواد تمتص صدمات الرأس بشكل أكبر؛ كي لا تؤثر ارتطامات اللاعبين على الجمجمة.

credit: CC0 Public Domain  هناك اتجاه إلى تغيير نوع القبعات التي يرتديها لاعبو الأمريكان فوتبول، لتحل محلها قبعات مزودة بمواد تمتص صدمات الرأس بشكل أكبر؛ كي لا تؤثر ارتطامات اللاعبين على الجمجمة.

ومن الضروري تجنُّب التعرُّض لرضَّات متوالية، في توقيتات زمنية متقاربة؛ إذ تكثر بروتينات الـ"تاو"(Tau protein) لدى مَن تعرضوا لضربات متتالية، أكثر ممن تعرضوا لضربة ثم ارتاحوا بعدها لمدة أسبوع. وتساعد فترة الراحة الدماغ في التعافي من الضربة، وتنظيف نفسه، عن طريق منع تراكُم البروتينات الضارة المسببة لمرضي ألزهايمر والباركنسون، عبر آلية "الالتهام الذاتي"، وفق "زيبارة".

من جانبه، اعتبر "محمد سلامة" -أستاذ علم السموم العصبية، ومدير مركز البحوث الطبية التجريبية بجامعة المنصورة- أن نتائج الدراسة تمثل خطوةً مهمةً للغاية في طريقنا لفهم أمراض التنكس العصبي بشكل أفضل، يمكننا أن نبني عليها مستقبلًا.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن هذا البحث يضيف إلى معرفتنا السابقة بعوامل الخطر المسببة لمرض الشلل الرعاش، وتحديدًا أكثر أنواع المرض شيوعًا وهو النوع المتقطع، إذ يُعتقد أن أسبابه متعددة، وتخضع للتفاعل بين علم الوراثة والبيئة. وأشار إلى أن هناك أبحاثًا سابقة تحدثت عن العلاقة بين ضربات الرأس الرضّية وخطر الإصابة بالشلل الرعاش، كما يحدث على سبيل المثال مع لاعبي الملاكمة، لكن قيمة هذا البحث أنه يحدد المسارات المشتركة بين ضربات الرأس والباركنسون، كما أنه يحدد الأهداف العلاجية والتشخيصية لهذه الاضطرابات.

إصابة الدّماغ الرّضيّة والصرع

أما "أنور الإتربي" -أستاذ الأمراض العصبية والنفسية بجامعة عين شمس، ورئيس مشرف للجمعية المصرية للأمراض النفسية والعصبية- فرأى أن نتائج هذه الدراسة تساعد الأطباء كثيرًا في تحديد العلاج واتخاذ الإجراءات الوقائية، نتيجة إصابات الدّماغ الرّضيّة، حتى لو استرد المريض وعيه ولم تظهر عليه أعراض واضحة، تجنبًا لسيناريو أسطورة الملاكمة الراحل محمد علي كلاي، الذي أصيب بمرض الشلل الرعاش، إذ تم تشخيص إصابته بباركنسون في 1984، بعد ثلاثة أعوام من تقاعده، ليبدأ المرض يسلبه مهاراته الحركية وقدرته على التحدث بشكل طبيعي، حتى توفي في 2016.

ونوه "الإتربي" بأهمية التعامل الطبي الصحيح مع حالات إصابة الدّماغ الرّضيّة؛ لأن التفاعلات الناتجة عن تلك الإصابات داخل الجمجمة لا تظهر إلا بالكشف الدقيق، ويتم ذلك عن طريق زيادة الوعي بالفحص الدقيق والمتأني لمصابي الارتجاج في المخ، ابتداءً من دراسة الكهرباء المخية، بالإضافة إلى فحص أشعة الرنين المخي المتقدم، وتحليل الطيف الدماغي، الذي يدرس تأثيرات تسرُّب الدم إلى الخلايا.

وأشار إلى أن الأمر لا يتوقف على هذه الفحوصات؛ فهناك مرضى يخسرون قدراتهم المعرفية والوظيفية نتيجة إصابة الدّماغ الرّضيّة، لذلك تم مؤخرًا إضافة فحص قياس القدرات المعرفية مثل الانتباه والتركيز والذاكرة الحاضرة، ورد الفعل، ويتم ذلك عن طريق استبانات مُعدَّة سلفًا، وهذا يتيح للأطباء تصحيح القدرات المعرفية مبكرًا قبل أن يصيبها ضعفٌ كبيرٌ يؤدي إلى تعطُّل المريض عن العمل، أو ضعف قدراته العقلية، يأتي ذلك بالإضافة إلى الفحوصات التي يجريها أطباء الرمد لكشف الإصابات غير الظاهرية على العين، لكشف أسباب زغللة العين وتشويش الرؤية بعد ارتجاج المخ.