­­أظهرت دراسة دولية موسعة أن مستوى تقديم الرعاية الصحية وتوافرها قد شهد تحسنًا ملحوظًا في معظم دول العالم في الفترة ما بين 1990 و2015، على الرغم من اتساع الفجوة بين أفضل الدول وأسوئها.

وتوصلت الدراسة -التي أعدها فريق بحثي من جامعة واشنطن الأمريكية- إلى أن 167 دولة شملتها الدراسة من إجمالي 195 دولة حول العالم قد شهدت انخفاضًا ملحوظًا في نسب وفيات بعض الأمراض، وتحسنًا في علاج قرابة 32 مرضًا مؤديًا إلى الوفاة.

ووفق النتائج المنشورة في دورية "لانسيت" العلمية The Lancet، جاءت دولة أندورا جنوب غربي أوروبا في صدارة القائمة مسجلةً معدل تحسن بنحو 94,6%، تلتها آيسلندا ثم سويسرا ثم السويد، في حين تذيلت القائمة جمهوية أفريقيا الوسطى بـ28,6%.

وعلى الرغم من التحسُّن العام عالميًّا، ثمة تباين شديد بين معدلات التنمية الاقتصادية وتحسُّن جودة الرعاية الصحية، إذ احتلت دول متقدمة اقتصاديًّا مراكز لا تتناسب ومعدلاتها التنموية، مثل الولايات المتحدة التي جاءت في المركز 35، وبريطانيا في المركز 30، وحلت ألمانيا في المركز العشرين خلف سلوفينيا واليونان.

ولفتت الدراسة إلى أن دولًا مثل تركيا وكوريا الجنوبية والصين وبيرو والمالديف كانت من بين أفضل دول العالم من حيث التحسن في جودة الرعاية الصحية.

الدراسة اقتصرت فقط على معدل شفاء ونسب وفيات بعض الأمراض، كالسُّل والكوليرا والإسهال وسرطان الرحم والثدي، مستثنيةً الأمراض غير القابلة للعلاج، ما دفع خبراء صحة إلى التشكيك في مدى تمثيل الدراسة للمستوى الصحي عالميًّا.

"عدالة اجتماعية"

ويتفق أستاذ الأورام في مستشفى بهية، أحمد عبد العزيز في تصريحه لـ"للعلم" مع نتائج الدراسة: "بالفعل شهد مستوى الرعاية الصحية تحسنًا، لكن لا يزال هناك فارق واضح بين التحسن وجودة مستوى الخدمة. فمثلًا تمتلك بريطانيا أفضل نظام للرعاية في العالم، غير أنها لا تمتلك أفضل مستوى للخدمة، ما يفسر التبايُن بين التنمية الاقتصادية ومستوى الرعاية الصحية".

ويضيف عبد العزيز أن "النظام الصحي في بريطانيا يتسم بتوافر مستوى عالٍ من العدالة الاجتماعية، يتمثل في هيئة الخدمات الطبية الوطنية (NHS) التي تغطي جميع السكان".

وعلى عكس بريطانيا، تعاني دول مثل الولايات المتحدة من فوارق هائلة في تلقي الخدمة، لكنها تتمتع بجودة أفضل، وفق عبد العزيز.

دراسة قاصرة

ومختلفًا مع الطرح السابق، يقول أستاذ المناعة والتحاليل الطبية، عبد الهادي مصباح: "اقتصرت الدراسة على أمراض يمكن لكثير من الدول علاجها، غير أن ثمة أمراضًا مميتة كفيروس سي يجب رصدها ليكون المؤشر ممثلًا حقيقيًّا لمستوى الرعاية الصحية".

ووصف مصباح -في تعليقه لـ"للعلم"- نتائج الدراسة بأنها "قاصرة".

وأضاف أن الرعاية الصحية لا تقتصر على الجودة فحسب، فهناك الوقاية والتشخيص، وتوفير العلاج وتقديمه في الوقت المناسب، وتأمين التغطية الصحية، والمستوى المهني للأطباء.

لكنه اتفق على أن "تحسُّن الرعاية الصحية لا يرتبط بالضرورة بمعدلات التنمية وحجم الإنفاق، فثمة دول يشهد فيها القطاع الصحي تدنيًا مقارنة بمعدل الإنفاق عليه؛ بسبب الفساد المالي والإداري والمهني، لا سيما في الشرق الأوسط.

الصحة في العالم العربي

وفي دراسة أعدها البنك الدولي العام الجاري، يواجه قطاع الرعاية الصحية في الأردن تحديات في مساعي تحسين الجودة؛ بسبب غياب المساءلة والرقابة، رغم ضخامة الإنفاق الذي يضاهي تقريبًا ما تنفقه بعض الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا والنمسا.

وضرب مصباح مثلًا بالقصور النسبي في القطاع الصحي بالولايات المتحدة، المتمثل "في وصف أدوية طبية غير ضرورية للمرضى، كالمضادات الحيوية المسؤولة عن نحو 25 في المئة من عمليات استئصال الأرحام سنويًّا".

"الرعاية.. إدارة"

ويقول نائب عميد معهد الأورام والخبير الدولي، مدحت خفاجي: إنه "لا يمكن اعتماد أمراض دون أخرى لقياس جودة الرعاية الصحية، كما أن الرعاية لا تعني تقديم الخدمة فحسب، لكنها ترتبط في الأساس بالإدارة".

ويضيف أن "ثمة دولًا تنفق أموالًا ضخمة، لكنها تفتقر إلى مستوى رعاية جيد، فالقطاع الصحي في مصر مثلا يعاني تدهورًا شديدًا رغم ضخامة الإنفاق المالي، بسبب الفساد الإداري، ما يؤدي حتمًا إلى نتائج وخيمة".

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية عام 2015 إلى أن 400 مليون شخص في العالم لا يحصلون على الخدمات الصحية الأساسية، وأن 6% ممن يعيشون في 37 دولة يشارفون على الفقر المدقع أو يُدفعون إليه دفعًا بسبب الاضطرار إلى دفع ثمن الخدمات الصحية من جيوبهم الخاصة.

وشدد التقرير على أنه يتعين على الدول الساعية إلى تحقيق تغطية صحية شاملة لمواطنيها الوصول إلى معدل تغطية لا يقل عن 80%، وحماية الأفراد من المدفوعات الصحية الكارثية المسببة للفقر.