"غذاء الفقراء علاج للأغنياء" حكمة رددها السابقون، فما مدى مصداقيتها في الوقت الحالي؟ إذ يعاني ثلث سكان العالم سوءَ التغذية وفق تقرير التغذية العالمي للعام 2016، فإن توفر غذاء صحي ورخيص يُعَد تحديًا ضخمًا.

وورد في التقرير الذي عرضه المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية للعام 2016، أن خُمس أطفال مصر يعانون التقزم الناتج عن سوء التغذية وليس نقصها، و27% من الأطفال تحت خمس سنوات مصابون بالأنيميا، كما عزى 11% من وفيات الأطفال إلى سوء التغذية أيضًا.

إن الفقر وارتفاع أسعار الغذاء ليسا وحدهما المسؤولين عن الأزمة، إذ رصد تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، الفاو (FAO) وجود حالة جهل لدى العديد من الأفراد بالفوائد الصحية لأغذية رخيصة وذات قيمة غذائية عالية كالبقول مثلًا، ذات المحتوى البروتيني المرتفع والغنية بأنواع من الفيتامينات، إلى جانب حمض الفوليك.

وعلى إثر هذه الأرقام أطلقت المنظمة مشروع "تحسين الأمن الغذائي والتغذية للأسر المصرية" في 2015، والذي ما زال العمل عليه جاريًا، بالتعاون مع مركز البحوث الزراعية والمعهد القومي للتغذية في مصر، ومعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية ومعهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية.

ويستهدف الفريق البحثي رفع الوعي التغذوي للأسر، وبالأخص في المحافظات الأعلى في معدلات سوء التغذية، ووقع الاختيار على 5 محافظات: الفيوم، وبني سويف، وأسيوط، وسوهاج، وأسوان.

الطهي علم

يقوم الفريق البحثي بتعليم الأسر الريفية كيفية استثمار مواردها الحالية للخروج بنمط غذائي صحي يتناسب مع موارد بيئتها.

ويضم المشروع تحت مظلته مشروع "المطبخ التثقيفي التغذوي بالمجتمعات المحلية"، إذ تم إنشاء 15 مطبخًا يضم كل منها 30 سيدة، ويستهدف تدريب الأمهات على كيفية إعداد وجبات كاملة العناصر الغذائية ارتكازًا على الأطباق المصرية المعروفة.

كما تم إطلاق "الدليل التدريبي الخاص بالمطبخ التغذوي" الذي يحوي نصائح للسيدات حول كيفية القيام "بتعديلات بسيطة" تزيد القيمة الغذائية للوجبات المعتادة، بغرض تحسين صحة أفراد المجتمع.

ويؤكد نبيه عبد الحميد -مدير المركز المصري لسلامة الغذاء، وأحد المشاركين في الموضوع- أن المشروع يهدف إلى تعليم الأسر كيفية الطهي بشكل صحي، والدمج السليم للعناصر الغذائية، "على سبيل المثال نعطيهم أفكارًا لرفع القيمة الغذائية لأطباق عالية المحتوى من الكربوهيدرات، فطبق الأرز إذا أضيف إليه العدس أو الفول المدشوش يصبح غنيًّا بالروتين، ولو أضيف إليه الجزر أو الكرفس أو البقدونس، فإننا نكون قد أضفنا فيتامين أ المهم للنمو".

ويسعى الفريق البحثي لحث ربات البيوت الفقيرة على إعادة إحياء بعض الأطباق القديمة مثل طبق البصارة وغيرها من الأطباق المرتكزة على البقول، والتي بدأ الكثير منها في الاندثار رغم قيمته الغذائية العالية، كما يقول عبد الحميد.

وكجزء من مساعي الحد من عبء استهلاك البروتين الحيواني على البيئة وعلى الاقتصاد، كان إعلان عام 2016 السنة الدولية للبقول.

بالفول والبقول.. يومك سعيد

وتدخل حبوب الفول في وصفات عديدة في بلدان البحر المتوسط، وهي -كما تؤكد اختبارات علماء من كلية الطب جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأمريكية- وجبة مثيرة للسعادة والمُتعة، إذ تحتوي الحبوب السمراء على كميات من الدوبامين L-DOPA، وهو مركب كيميائي يطلقه المخ استجابةً للشعور بالنشوة أو السعادة.

وأشارت دراسة منشورة عام 2013 على الدورية الأمريكية للتغذية الإكلينيكية إلى أن أثر الارتفاع في معدل الدوبامين استمر لمدة 6 ساعات تالية لتناول حبوب الفول.

وتركز البحوث الحالية على العلاقة بين تناول البقول -وعلى رأسها الفول- وإمكانيات خفض احتمالات الإصابة بمرض باركنسون "الشلل الرعاش" الذي أصيب به الملاكم العالمي محمد علي كلاي.

وبالرجوع لموقع التغذية وأنت لاحتساب القيمة الغذائية للفول، نجد أن كل 100 جرام من الفول تحتوي على حوالي 66% من الألياف، و46% من البروتين، فضلاً عن الكربوهيدرات والفيتامينات والمعادن، فهو من أغنى النباتات بعنصر البوتاسيوم، ويعد متكامل العناصر الغذائية.

ويرى عبد الحميد أن "الكشري" أيضًا أحد الأطباق المصرية عالية القيمة الغذائية وذات التكلفة المنخفضة، إذ يتكون من خليط الأرز، والمعكرونة، والعدس بنسب متساوية".

وقال: "بدراسة هذا الطبق، نجده مثاليًّا وصحيًّا لاحتوائه على عناصر غذائية متكاملة، ويمكن إضافة طبق من الخضروات بجانبه".

البروتين الحيواني أم النباتي

إن البروتين الحيواني المتوفر في اللحوم بأنواعها هو الأكثر شعبية والأعلى سعرًا، فهو يحوي نسبة كافية من الأحماض الأمينية الرئيسية المطلوبة لبناء الخلايا والأجسام المضادة ولإصلاح الأنسجة التالفة.

أما البروتين النباتي فغالبًا ما يفتقر إلى عدد من الأحماض الأمينية باستثناء حبوب فول الصويا والكينوا. لذا يُفضَّل تناول مجموعات متنوعة من النباتات ليكمل بعضها بعضًا.

أما عنصر الحديد والموجود بوفرة في البروتين الحيواني، فلتعويضه ينصح المتخصصون بإضافة فيتامين سي "ج" لما نتناوله من مصادر نباتية للحديد؛ إذ يساعد على امتصاص كمية أكبر من المعدن المهم. أما تناول المشروبات التي تحتوي على حامض الفيتيك -ومنها الشاي- فتعوق امتصاص الحديد، كما ورد في دليل "احصل على الأفضل من غذائك" الصادر من FAO عام 1995.

 ووفق دراسة لباحثين من برنامج علوم التغذية ومركز أبحاث السمنة بجامعة واشنطن نُشرت في نوفمبر 2010، فإن النهج الذي تتبعه منظمة FAO من إعداد لقوائم بأغذية رخيصة ومتكاملة القيمة الغذائية هو الأكثر فاعلية.

فالدراسة أكدت أن إعداد "خطط غذائية مقتصدة" ووضعها في قوائم جاهزة للمستهلكين؛ بما يتناسب مع الثقافة والذوق العام في البلد، من شأنه تحسين الخيارات الغذائية للأفراد.