أعلن باحثون يابانيون أنهم تمكنوا من إنتاج بويضات اكتمل نموها لتُخرج فئرانًا وليدة سليمة قادرة على العيش بصورة طبيعية والتكاثر، وذلك باستخدام خلايا الجلد وليس خلايا البويضات.

نعلم جميعًا أن الثدييات تتكاثر عن طريق تلقيح الحيوان المنوي لخلية البويضة، إلا أنه في هذا البحث الجديد بدأ الباحثون بخلايا جلد من ذيل فأر وحولوها إلى خلايا بويضة، ثم قاموا بإنضاج هذه البويضات في طبق معملي، ثم قاموا بتخصيبها وزراعتها في فأرة.

على الرغم من أن 1% فقط من الخلايا أدت إلى ميلاد كائنات حية، كانت الحيوانات التي وُلدت حية تتمتع بالصحة وقادرة على التكاثر، وعاشت فترة حياة طبيعية، كما أكد كاتسوهيكو هاياشي، عالِم الأحياء المتخصص في الخلايا الجذعية في جامعة كيوشو في فوكوكا باليابان، والمؤلف الأول لورقة بحثية عن هذه الدراسة نُشرت في دورية Nature.

على الرغم من أنه يفصل بين العملية الحالية وتطبيقها بنجاح على البشر عقود طويلة على الأرجح، يشير هذا البحث إلى أنه قد يكون من الممكن في يوم ما أن تحصل السيدات اللاتي ليس لديهن بويضات أو الرجال الذين ليس لديهم حيوانات منوية على خلايا بديلة مصنوعة من جلدهم. وإذا أصبح هذا ممكنًا، فمن الممكن أن تمتد فترة الخصوبة عند البشر بمقدار عقود، كما سيساعد على الحفاظ على أنواع الحيوانات المُعرضة للانقراض، كما أنه قد يمكِّن الأزواج المثليين يومًا ما من إنجاب أطفال.

في غضون ذلك، أعرب العديد من الخبراء عن إعجابهم الشديد بهذه الدراسة الجديدة. فيقول عظيم صوراني -من معهد جوردون في كامبريدج بالمملكة المتحدة-: "إن هذا البحث مذهل". لم يشترك صوراني في هذه الدراسة الأخيرة، ولكنه أشرف على زمالة ما بعد الدكتوراة التي درسها هاياشي هناك، وأضاف صوراني: "ربما ظن الناس أن هذا ضَرب من الخيال العلمي، ولكنه نجح وأصبح حقيقة".

في دراسة سابقة نُشرت في دورية "سيل" Cell، أثبت هاياشي وزملاؤه أنه يُمكنهم إنتاج فئران وليدة سليمة عن طريق إنضاج بويضات من خلايا الجلد داخل الفأرة الأم. لكن في دراستهم الجديدة تمت عملية الإنضاج بالكامل في طبق معملي، مما يقربنا أكثر من الوصول إلى عملية يُمكن تطبيقها على البشر في يوم ما. فيقول صوراني: "هذا في الحقيقة عمل فذ ومميز".

في عام 2012، فاز شينيا ياماناكا بجائزة نوبل عن عمله في عام 2006 على تحويل خلايا الجلد إلى خلايا جذعية قادرة نظريًّا على التحول إلى أي نوع خلايا في الجسم. ولكن هاياشي هو أحد العلماء القلائل في العالم الذين يحاولون صُنع خلايا الخط النسيلي من الخلايا التي يُطلَق عليها الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات (iPS).

يقول شوكرات ميتاليبوف -عالِم الأحياء الإنجابية والنمائية في جامعة أوريجون للصحة والعلوم، والذي لم يشارك في الدراسة-: إنه لتحويل خلية جذعية إلى خلية بويضة بدائية، تحتم على الباحثين تصميم بيئة تكرر الإشارات الخلوية وتعزز النمو في العديد من المراحل. ويضيف ميتاليبوف: "تنطوي هذه الدراسة على كم هائل من العمل، ويجب أن أهنئ الفريق على هذا؛ فقد حقق إنجازًا ضخمًا".

يقول هاياشي إن خطوته التالية تتمثل في محاولة تكرار هذه العملية في حيوان آخر من الرئيسيات غير البشر، وهو الأمر الذي سيكون أكثر تعقيدًا. لمساعدة خلايا البويضات على النضج، استعان هاياشي بخلايا داعمة من مبيضي الفأرة الأم. ولكن في الرئيسيات، سيحتاج أولًا أن يُنتج هذه الخلايا الداعمة من الخلايا الجذعية، وهو أمر لم يفعله أي عالِم آخر من قبل.

يقول هاياشي إن الأبحاث على الفئران استغرقت أربع سنوات، ويتوقع أن يستغرق الأمر على الأقل ضعف هذه المدة للحصول على نتائج مماثلة في البشر، ويضيف أن الأمر لا يزال مبكرًا للغاية لتجربته على البشر.

ويحذر هاياشي قائلًا: "في الوقت الحالي، يجب ألا تُستخدم مثل هذه الأنظمة على البشر؛ نظرًا لأنها تنطوي على مخاطر هائلة"، مضيفًا أن هذه العملية قد تؤدي إلى إنجاب صغار غير طبيعيين أو مرضى بأمراض خطيرة. ويوضح هاياشي أنه قد يُمكن في نهاية المطاف أن نجعل الأمر أكثر أمانًا باستخدام مزيج من التحسينات التقنية والتطورات في التحليلات الجينية للأجنة. كما أنه في الفئران، من الممكن -أخلاقيًّا- أن نفحص عددًا كبيرًا من الأجنة التي تسفر عنها التجربة مع قبول احتمالية –رغم أنه ليس يقينًا– أن تكون لدى الفئران الوليدة تشوهات جينية. بيد أنه لن يكون من الممكن إجراء دراسات مشابهة على البشر.

ويقول صوراني: "كما يُمكننا في الفئران العمل مباشرة على الكائن الحي نفسه. إذ يُمكننا مشاهدة الأحداث في الكائن الحي، وإحداث طفرات لرؤية ما يحدث. أما في البشر، فنحتاج إلى نظام مزرعة خلايا لدراسة الخط النسيلي، لأننا لا نستطيع أن نجري نوع التجارب نفسه الذي نجريه على الفئران".

يعترف صوراني بوجود تحديات هائلة في طريق إنجاح هذا النوع من التكاثر في البشر، كما يعتقد أن العملية ستستغرق وقتًا طويلاً، قد يترواح بين عقد إلى عقدين. بيد أن إنجازات هاياشي حتى الآن تجعله واثقًا بالنجاح في النهاية؛ فيقول: "أحيانًا عندما تعلم أن شيئًا ما مُمكن، تُكسَر الحواجز العقلية التي قد تكون قائمة في ذهنك، فتصبح أكثر تفاؤلاً"، ويضيف: "لا أعتقد أن هذا الأمر مستحيل، بل أعتقد أنه ممكن".