مع دقات الخامسة مساءً، وصل "علي" البالغ من العُمر 40 عامًا إلى قسم الطوارئ بأحد مستشفيات القاهرة، يشتكي من ألم شديد في الصدر وقِصَر في النَّفَس يصاحبه تعرُّق غزير مفاجئ، ودوار وغثيان.

الأطباء لم يبذلوا مجهودًا كبيرًا لتشخيص حالته، فهذه أبرز الأعراض المميزة للنوبة القلبية الحادة، التي ألمت بهذا المريض رغم صغر سنِّه.

حالة "علي" الذي يعول 4 أطفال -وغيره المئات الذين يُهرعون إلى المستشفيات المصرية لإنقاذ أرواحهم من خطر الأزمات القلبية- كانت جرس إنذار دفع فريقًا بحثيًّا مصريًّا لرصد العوامل الأكثر خطورةً التي تقود إلى إصابة المصريين بالنوبات القلبية، وخاصة في سنٍّ مبكرة.

في دراسة استمرت 4 سنوات، أعلن الباحثون نتائج أكبر مشروع مصري لدراسة النوبات القلبية الحادة وعوامل الخطورة المسببة لها عند المصريين (CardioRisk project)، وجرى نشر النتائج في العدد الأخير من "المجلة الأوروبية للقلب" يوروبين هارت جورنال (European Heart Journal).

وكشفت الدراسة أن الغالبية العظمى من المصابين بالنوبات القلبية كانوا من الذكور (74٪)، وكانت الفئة العمرية الأكثر انتشارًا للنوبات القلبية فيما بينها، بين 56 إلى 65 عامًا، وهي تمثل 37٪ من إجمالي المشاركين في الدراسة،

وأظهرت النتائج أن 51% من المشاركين في الدراسة بشكل عام أصيبوا بأعراض النوبات القلبية في سنٍّ مُبكِّرة، ومثلت تلك النسبة 45% من إجمالي الذكور و69.6٪ من إجمالي الإناث.

وعن أبرز عوامل الخطورة، أظهرت الدراسة أن السمنة في منطقة البطن كانت أكثر عوامل الخطر انتشارًا، يليها ارتفاع ضغط الدم، أما التدخين فقد كان السبب الرئيسي للنوبات القلبية بين الشباب.

سياسة وقائية

أشرف رضا -أستاذ أمراض القلب في جامعة المنوفية، ورئيس الجمعية المصرية لتصلب الشرايين (إيافا)، وقائد فريق البحث- يقول: "لاحظنا مؤخرًا أن النوبات القلبية تداهم صغار السن في مصر على نحوٍ لافت، ويتوفى عدد كبير بسببها بين أعمار 45 إلى 50 عامًا، على عكس البلدان المتقدمة التي تحدث فيها النوبات القلبية في الغالب بعد سن السبعين"، مضيفًا: "كان ذلك دافعًا لإجراء دراسة شاملة تكشف أسباب الأزمات القلبية الحادة وقصور الشرايين التاجية لدى المصريين، لوضع سياسة وقائية فعالة للحد من الإصابات بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات بسببها".

وفي حديث لـ"للعلم"، قال: إن أمراض القلب والشرايين التاجية تُعد السبب رقم واحد للوفيات في العالم بشكل عام، ومصر بشكل خاص، إذ تمثل حوالي 40% من مجموع الوفيات في مصر.

وعن سر إصابة المصريين بالنوبات القلبية في سنٍّ مُبكِّرة، أوضح أن الدراسة كشفت أن النوبات القلبية تداهم رجال مصر ونساءها في سنٍّ أصغر مما في البلدان الأوروبية والغربية بحوالي 10-12 عامًا، وأرجع ذلك إلى تعدُّد عوامل الخطورة، إذ يمكن أن يصاب المصريون بارتفاع ضغط الدم والسكر والسمنة، بالإضافة إلى ممارستهم التدخين في الآن ذاته، وهو ما يُعجّل بالإصابة بالنوبات القلبية.

وعن أهمية النتائج، اعتبر "رضا" أن تحديد عوامل الخطر بدقة أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة للمصريين؛ لأنه سيساعد الدولة على وضع سياسة وقائية فعّالة تقلل من حدوث تلك المسبِّبات، وبالتالي تنخفض كلفة هذا المرض بالنسبة للنظام الصحي والشعب على حدٍّ سواء؛ فأمراض القلب تتطلب فاتورة علاج باهظة على الطرفين، ناهيك بالخسارة التي يتعرَّض لها هؤلاء المرضى نتيجة عدم قدرتهم على العمل، وما ينجم عن ذلك من فقدان دخل الأسرة وغياب عناصر وكفاءات مؤثرة تدعم الاقتصاد المصري.

عوامل الخطر

شدد "رضا" على أن وضع سياسة وقائية يتطلب تحديد عوامل الخطر التي تسبب النوبات القلبية وقصور الشرايين بدقة، ورغم أن تلك العوامل معروفة عالميًّا وأبرزها التقدم في العمر، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول في الدم، والتدخين، ونقص النشاط البدني، والنظام الغذائي غير الصحي، والسمنة، والسكري، بالإضافة إلى التاريخ العائلي الذي يتضمن آلام الصدر أو أمراض القلب أو السكتات الدماغية، لكن ترتيب تلك العوامل يختلف من بلدٍ إلى آخر، وفق طبيعة كل شعب.

ولتحديد عوامل الخطر بدقة لدى المصريين، أجرى الفريق دراسته على 3224 من البالغين المصابين بمتلازمة الشريان التاجي الحادة، بينهم 827 من الإناث، ترددوا على 31 مركزًا للرعاية التاجية تغطي 11 محافظة في جميع أنحاء مصر، في الفترة من نوفمبر 2015 إلى أغسطس 2018.

ومتلازمة الشريان التاجي الحادة هي مصطلحٌ يُستخدم لوصف مجموعة من الحالات المصاحبة لانخفاض تدفق الدم المفاجئ إلى القلب، وأبرزها النوبة القلبية التي تحدث عندما يكون تدفُّق الدم إلى القلب مسدودًا؛ نتيجة تراكُم الدهون والكوليسترول، ما يؤدي إلى تشكيل لويحة داخل الشرايين التاجية التي تُغذي القلب، وقد تتمزق تلك اللويحة مشكِّلةً جلطةً تمنع تدفُّق الدم، ما يُلحق ضررًا بالغًا بجزء من عضلة القلب أو يتسبب في إتلافها بالكامل.

"رضا" أكد أن هناك 36 باحثًا رئيسيًّا شارك في إعداد الدراسة، التي راعت التمثيل الجيد لجميع أقاليم مصر، من الصعيد إلى القاهرة والدلتا والإسكندرية ومطروح وسيناء، حتى يتسنَّى لنا تمثيل مصر تمثيلًا جيدًا وفقًا لمعدلات إحصائية سليمة.

وكشفت نتائج الدراسة أن السمنة في منطقة البطن أكثر عوامل الخطر انتشارًا (66٪)، وكان ما يقرب من نصف مرضى الدراسة من المدخنين الحاليين (48٪)، كما كشفت ارتفاع معدل ارتفاع الكوليسترول والدهون في الدم لدى المشاركين (48٪).

كما أظهرت النتائج أن الإصابة بمتلازمة الشريان التاجي الحادة في سن مبكرة كانت شائعةً لدى الذكور أكثر من الإناث، وكانت السمنة في منطقة البطن هي أكثر عوامل الخطر انتشارًا، يليها ارتفاع ضغط الدم، وكانت معظم عوامل الخطر التقليدية أكثر انتشارًا لدى النساء منها عند الرجال.

وعن أسباب الأزمات القلبية لدى الرجال، أشار "رضا" إلى أن التدخين كان السبب رقم واحد لدى الشباب، وكانت السمنة في منطقة البطن وارتفاع ضغط الدم أبرز الأسباب لدى كبار السن من الذكور، وبالنسبة لنساء مصر، كانت السمنة وارتفاع مستويات سكر الدم وسوء التغذية على رأس عوامل الخطورة.

من جانبه، قال أحمد بنداري، مدرس أمراض القلب بكلية الطب بجامعة بنها في مصر، وأحد المشاركين في الدراسة: إن ما يميز الدراسة أنها دراسة كبرى تُجرى على مرضى الأزمات القلبية وعوامل الخطورة لديهم في مصر، كما أن الباحثين المشاركين كانوا من جامعات مصرية مختلفة ومستشفيات تابعة لوزارة الصحة وبعض مراكز الرعاية الطبية الأولية على مستوى الجمهورية.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن الأزمات القلبية المبكرة التي تأتي قبل سن 55 سنة في الرجال و65 سنة لدى السيدات كانت نسبتها 50%، وهذا يعني أن واحدًا من كل 2 من مرضى النوبات القلبية في مصر يصاب في سنٍّ مبكرة، وهذه الأرقام مبكرة بحوالي 10 سنوات عن مثيلاتها في أوروبا وأمريكا.

ونوه "بنداري" بأن مرضى السكر مثلوا 43% من مجموع المشاركين في الدراسة، وهذا يشير إلى تفشِّي معدلات المرض لدى المصريين، كما لاحظنا أن مرضى السكر كانوا يعانون من السمنة المفرطة، بمعدلات أكثر من غير المصابين بالمرض، كما أن نسب الكوليسترول وخاصةً الدهون الثلاثية كانت أعلى من المعدلات الطبيعية لديهم، وهذا ضاعف عوامل الخطورة لديهم.

رسائل مهمة

وفي ضوء النتائج، شدد "رضا" على أن الدراسة تنبِّه إلى مجموعة من الرسائل المهمة للحد من خطورة أمراض القلب، انطلاقًا من نجاح فريق البحث في تحديد عوامل الخطورة بدقة، وما ينجم عنه من توجيه الحملات الإعلامية والطبية لاستهداف تلك العوامل.

وأوضح أن السياسة الوقائية لوزارة الصحة المصرية يجب أن تعتمد على إطلاق حملات إعلامية وطبية للتوعية بالعوامل الأكثر خطورةً لتحقيق أقصى استفادة منها، في ضوء ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، وليس جميع العوامل المسببة للنوبات القلبية، وهذا يجعلها أكثر ملاءمةً وفاعليةً بالنسبة للمواطن المصري.

ونوه بأن تلك الحملات يجب أن تستهدف التوعية بأخطار التدخين بين الشباب، بالإضافة إلى توعية السيدات بأهمية ممارسة الرياضة وضبط الوزن وتناوُل الأغذية الصحية، ناهيك بتوعية كبار السن بضرورة ضبط ضغط الدم المرتفع.

وتابع أن هناك سببًا يغفل عنه كثيرٌ من المصريين، وهو أن نسبةً كبيرةً من المرضى الذين يصابون بأزمات قلبية في سنٍّ صغيرة لديهم تاريخ عائلي للإصابة بأمراض الشرايين التاجية ولا يتنبَّهون له، لذلك إذا أصيب أحد أفراد العائلة بأزمة قلبية تحت سن الـ50، يجب إجراء تحليل لباقي أفراد العائلة لاكتشاف مدى إصابتهم بفرط كوليسترول الدم العائلي، وهو أحد الاضطرابات الوراثية الشائعة المُهددة للحياة؛ إذ يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية المبكرة.

"رضا" شدد على أن الاكتشاف المبكر لفرط كوليسترول الدم العائلي مهم للغاية، إذ تشير التوصيات العالمية إلى ضرورة إجراء هذا التحليل للأطفال بدايةً من 9 سنوات، وإعادته عند سن 17 عامًا، وذلك لتحذير الشخص الذي لديه قابلية وراثية للإصابة بالمرض، لتلافي أبرز عوامل الخطورة، وخاصةً العوامل القابلة للتعديل، مثل التدخين والسمنة والنظام الغذائي، لذلك يجب إطلاق حملات إعلامية تستهدف أولياء الأمور والأطفال في المدارس للتوعية بخطورة هذا المرض العائلي.

وأوضح أن الفريق استكمل دراسته بتحليل الحالات التي أصيبت بنوبة قلبية في سنٍّ مبكرة، واكتشف أن 17% منها لديها فرط كوليسترول الدم العائلي، وكان باقي المرضى صغار السن بسبب تعدُّد عوامل الخطورة.

علاج النوبات القلبية

وتمثل القسطرة القلبية أو التدخل التاجي عن طريق الجلد أبرز الوسائل العلاجية وأنجعها لإنقاذ حياة المصابين بالنوبة القلبية أو ما يسمى احتشاء عضلة القلب، الذي قد يكون مُميتًا إذا لم يحدث التدخل اللازم للمريض في أسرع وقت ممكن بعد ظهور الأعراض، يليها مذيبات الجلطات.

الدراسة لم تكتفِ برصد أبرز عوامل الخطورة، وفق ما أكد "رضا"، بل رصدت أساليب العلاج أيضًا، إذ كشفت أن 53٪ من المرضى أُجريت لهم قسطرة قلبية لعلاج النوبات القلبية، في حين جرى الاعتماد على استخدام العلاج البديل بمذيبات الجلطات لدى 24% من المشاركين، الذي يُعدُّ أقل فاعليةً إذا ما قورن بالدعامات القلبية.

وأضاف أن هذه الأرقام تغطي الفترة من 2015 إلى 2018، لكن نسب القسطرة القلبية زادت مؤخرًا في مصر، وأصبحت تقارب النسب الموجودة في دول أوروبية، وأشار "رضا" إلى أن الدراسة لم ترصد أي فروق أو تمييز في سرعة تلقِّي العلاج اللازم بين الرجال والنساء في مصر، إذ يتلقى الجميع الرعاية ذاتها في جميع المراكز.

الوقاية خير من العلاج

محمود حسنين -أستاذ أمراض القلب بكلية طب جامعة الإسكندرية- أشاد بنتائج الدراسة؛ لأنها شملت عينةً كبيرةً من المرضى، وبالتالي فإنها تعطي تمثيلًا دقيقًا وشاملًا لعوامل الخطورة التي تُسهم في إصابة المصريين بالنوبات القلبية.

وأضاف لـ"للعلم" أن اللافت في النتائج أنها رصدت إصابة المصريين بنوبات قلبية في سنٍّ مبكرة عن المعدلات العالمية، وهو ما يدق ناقوس الخطر، للبحث عن طرق فعالة للوقاية من المرض، وخاصةً الأسباب القابلة للتعديل التي رصدتها الدراسة، مثل السمنة والتدخين والغذاء غير الصحي.

وأوضح أن الدراسة خرجت أيضًا بنقطة مهمة، تُبرز خطورة مشكلة يعاني منها كثير من المصريين، وهي السمنة في منطقة البطن أو الكرش، إذ تكمن خطورة "الكرش" في أن الدهون تتراكم في الأحشاء الداخلية للبطن وتحيط بالأمعاء، وتسهم بشكل كبير في الإصابة بتصلُّب الشرايين، وهي أكثر خطورةً من الدهون التي تتراكم في منطقة الأرداف على سبيل المثال، التي تأتي في مرتبة أقل من حيث الخطورة.

وتابع أن الدراسة ركزت أيضًا على خطورة التدخين، خاصةً بين الشباب، بالإضافة إلى ارتفاع الكوليسترول والدهون في الدم، بالإضافة إلى الغذاء غير الصحي، وعدم ممارسة الرياضة، وكلها عوامل ترجح الإصابة بالنوبات القلبية في سنٍّ مبكرة.

وعن أهمية النتائج، أشار إلى أنها تمثل جرس إنذار ينبه لخطورة أمراض القلب وتصلُّب الشرايين، التي تأتي في مقدمة مسببات الوفاة في مصر، وضرورة اتخاذ خطوات فعالة للحد من تلك الأمراض، من جانب الدولة والمواطنين، في ضوء ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، وذلك لخفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والوفاة بسببها.

"حسنين" أشار إلى أن نتائج الدراسة فيما يتعلق بنسب العلاج، تنبِّه إلى أهمية توفير المراكز الطبية والمستشفيات التي توفر التدخل الطبي الملائم لمرضى القلب في مصر، على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، لتحسين نتائج العلاج وإنقاذ حياة المرضى.

ووافقه الرأي حسام الخبيري -أستاذ أمراض القلب والأوعية الدموية بالمعهد القومي للقلب- مؤكدًا أن نتائج الدراسة تتسق مع نتائج دراسات أخرى شددت على خطورة تراكم الدهون في البطن على صحة الإنسان، وخاصةً صحة القلب والشرايين.

وأضاف لـ"للعلم" أن النتائج تشير إلى أن النوبات القلبية لا تقتصر على كبار السن كما هو متعارف عليه عالميًّا، لكنها تداهم الشباب ذكورًا وإناثًا، ربما لاجتماع أكثر من عامل خطورة في آنٍ واحد، أبرزها التدخين وضغط الدم المرتفع وزيادة نسب السكر والدهون في الدم، والغذاء غير الصحي، ناهيك بقلة النشاط البدني، وهذا نلاحظه بشكل متكرر في المرضى الذين يأتون إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من أمراض القلب.

وتابع أنه لاحظ أن مَن لا يعانون من زيادة الوزن بين مرضاه كانوا أسرع في التعافي من النوبات القلبية بعد تلقِّي العلاج اللازم، كما أن معظم مرضى الضغط والسكر يستجيبون للعلاج بشكل أفضل إذا تخلصوا من أوزانهم الزائدة.

وعن سبل الوقاية من المرض، أشار إلى أن الدراسة تنبه المصريين إلى أهمية اتباع حياة صحية خالية من التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، وضبط الوزن والتخلص من دهون البطن، وكلها عوامل قابلة للتعديل، من أجل الوقاية من الأمراض، وعلى رأسها أمراض القلب والشرايين.