كشفت دراسة أُجريت ضمن برنامج لرصد حالات فشل القلب حول العالم INTERCHF، ونُشرت نتائجها في مجلة ذا لانست الطبية THE LANCET، أن نسب الوفيات بين المرضى الذين يعانون من فشل عضلة القلب ترتبط عكسيًّا بثروة البلدان التي يعيشون فيها. اشتملت الدراسة على فحص سجلات مرضى يمثلون 6 مناطق جغرافية حول العالم، بينهم ثلاثة بلدان من المنطقة العربية.

تابع فريق البحث حالة 5823 مريضًا، يعيشون في 16 بلدًا، بـ6 مناطق جغرافية هي: أفريقيا (موزمبيق، نيجيريا، جنوب أفريقيا، السودان، أوغندا)، جنوب شرق آسيا (ماليزيا والفلبين)، الشرق الأوسط (مصر، السعودية، قطر)، وأمريكا الجنوبية (الأرجنتين، شيلي، كولومبيا، الإكوادور)، بالإضافة إلى الصين، والهند.

وأظهرت النتائج التي عرضها الباحثون أمام مؤتمر الجمعية الأوروبية لطب القلب، الذي أقيم مؤخرًا فى العاصمة الفرنسية باريس، أن معدلات الوفيات بين مرضى قصور القلب في أفريقيا والهند كانت أعلى بثلاث إلى أربع مرات من تلك التي وثقت في البلدان الغربية.

وعمل الباحثون على حساب معدلات الوفيات في كل منطقة، بعد إخضاعها لـ20 متغيرًا، منها العوامل الديموجرافية والسريرية والاجتماعية والاقتصادية، والأدوية وسبب قصور القلب في أداء وظائفه على مدار عام كامل.

وكان معدل الوفيات الكلي لجميع الأسباب بين المرضى حوالي 16.5٪، وسجلت البلدان الأفريقية أعلى نسبة فى الوفيات بلغت 34٪، وبلغت الوفيات فى الهند 23٪، وفي جنوب شرق آسيا 15٪، وكانت أقل معدلات الوفاة في الشرق الأوسط بنسبة 9٪، وأمريكا الجنوبية 9٪، والصين7٪.

وقصور القلب  أو فشل القلب هي حالة مرضية تحدث نتيجة خلل وظيفي أو عضوي يؤثر على وظيفة القلب كمستقبل للدم وكمضخة كافية لانتشار الدم إلى أنحاء الجسم لإمداده بالمواد الغذائية والأكسجين.

وفي حديث لـ"للعلم" قال هشام دوكاينيش -الباحث بمعهد بحوث الصحة السكانية، في جامعة ماكماستر بكندا، والباحث الرئيسي للدراسة-: "فشل القلب هو حالة شائعة تسبب الاعتلال والوفيات في جميع أنحاء العالم".

وعن سبب اهتمامه بمرضى القلب فى أفريقيا وفي منطقة الشرق الأوسط، أضاف في حديث لـ"للعلم": "أجريت هذه الدراسة لملء الفجوات الكبيرة في المعرفة حول قصور القلب في البلدان غير الغربية"، مشددًا على أن معظم البيانات عن مرضى قصور القلب تأتي من الدول الغربية، رغم أن غالبية سكان العالم يعيشون فى أماكن أخرى".

وأوضح أن الوفيات في المرضى الذين يعانون من فشل القلب ترتبط عكسيًّا بثروة البلاد التى يعيشون فيها. فكلما كانت البلد تعاني من الفقر، ارتفع معدل الوفيات بين مرضى قصور القلب، والعكس صحيح.

وقال دكاينيش: "في الدول الغربية يبلغ معدل وفيات السنة الأولى للمرضى الذين يعانون من قصور القلب من 5-10٪، بينما يتضاعف هذا المعدل مرتين أو ثلاثًا بين الأفارقة والهنود.

20 متغيرًا

وعن المتغيرات التي اعتمدت عليها الدراسة فى الوصول إلى النتائج، أشار دكاينيش إلى أنه تم رصد 20 متغيرًا، شملت المتغيرات الديموجرافية (العمر والجنس) والمتغيرات السريرية (مؤشر كتلة الجسم، ضغط الدم الانقباضي، وتاريخ مرض السكري، وتاريخ أمراض الكلى المزمنة، وتدخين التبغ، وتاريخ مرض الانسداد الرئوي المزمن، والقصور فى وظائف البطين الأيسر للقلب، وأمراض الصمامات، والمرضى الموجودون في المستشفيات، وتاريخ دخول المستشفى بسبب قصور القلب قبل عام من الالتحاق بالدراسة، والأدوية الموصوفة لفشل القلب، والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية (الأمية، وضع التأمين الصحي، ضم مرضى من المناطق الريفية).

ووفق دكاينيش، فإن الـ20 متغيرًا التي رصدتها الدراسة يفترض أنها تفسر حوالي 46٪ من أسباب الوفاة بسبب قصور القلب، والنسبة المتبقية (54٪) تعود إلى متغيرات لم يجرِ رصدها فى الدراسة، وتشمل متغيرات لم يجرِ قياسها، كجودة الرعاية الصحية، وسبل الحصول على التكنولوجيا وبنيتها الأساسية، والمداومة على استعمال الأدوية المقررة، والعوامل البيئية والجينية.

وأشار إلى أن فريق البحث بالمعهد سيواصل دراسته لقياس تلك المتغيرات التي لم يجرِ رصدها في الدراسة الحالية، عبر دراسة جديدة تضم ما يقرب من 25 ألف مريض يعانون من قصور القلب في حوالي 35 بلدًا بجميع أنحاء العالم، يمثلون قارات العالم المأهولة بالسكان، وسيكون من الدول الممثلة أيضًا في الشرق الأوسط السعودية ومصر وتركيا وقطر، ومن المتوقع أن تكتمل نتائج الدراسة في عام 2021، بعد متابعة جميع المرضى لمدة عامين.

أسباب غائبة

من جانبه، رأى سليم سلامة -الخبير في وحدة إدارة الأمراض غير السارية بالمكتب الإقليمي لشرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية- أن معدلات الوفيات الناجمة عن فشل عضلة القلب قد يكون تفاوتها بين البلدان الغنية والفقيرة ناجمًا بدرجة كبيرة عن الأسباب التي لم ترصدها الدراسة، وأن الـ20 متغيرًا التي رصدتها الدراسة تفسر 46% فقط من أسباب الوفاة بقصور القلب.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن العوامل التي لم ترصدها الدراسة، وقد تكون سببًا في زيادة الوفيات تشمل: تطوير النظم الصحية والقدرة على معالجة مرضى قصور القلب بشكل صحيح، بما في ذلك جودة الرعاية، والاختلافات في الوصول إلى الرعاية الصحية، بالإضافة إلى العوامل الوراثية والجينومية، وعوامل أخرى ليست جزءًا من المتغيرات التي جرى قياسها، وهي على سبيل المثال القضايا البيئية والمجتمعية.

وقال سليم إنه لا يتوافر لدى المنظمة أرقام دقيقة عن الوفيات بسبب قصور القلب؛ لأنها تندرج تحت فئة أوسع تسمى أمراض القلب والأوعية الدموية، التي تُعَدُّ واحدة من 4 فئات رئيسية تسمى "الأمراض غير السارية" تضم السرطان، وأمراض الرئة المزمنة، والسكري.

ووفقًا لتقدیرات المنظمة لعام 2015، فإنه من أصل 4 ملایین حالة وفاة حدثت في إقلیم شرق المتوسط، هناك 2.5 ملیون أي ما يعادل حوالي 62٪ وقعت بسبب الأمراض غیر الساریة، ومن بين هذه الوفيات هناك 1.3 مليون شخص يمثلون ما يعادل 51٪ من الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية ماتوا بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

وبالنسبة لمصر، فإن الأمراض غير السارية تمثل 85٪ من الوفيات البالغة 500 ألف حالة وفاة سنويًّا، وتمثل أمراض القلب والأوعية الدموية 46٪ من جميع الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية، لذلك فإن أكثر من 200 ألف حالة وفاة تحدث سنويًّا فى مصر بسبب الأمراض القلبية الوعائية، التي يكون جزء كبير منها نتيجة لفشل القلب.

الأسباب وطرق الوقاية والعلاج

واتفق حسام الخبيري -أستاذ أمراض القلب والأوعية الدموية بالمعهد القومي للقلب- مع نتائج الدراسة، مؤكدًا أنه كلما كان مستوى دخل البلاد مرتفعًا، يتلقى المرضى رعاية صحية وعلاجية أفضل، تسهم بشكل كبير في إنقاذ حياة مرضى القلب.

وأضاف في حديثه لـ"للعلم"، أن التوصيف الدقيق لـ(Heart failure) هو فشل عضلة القلب، وهو حالة مرضية تحدث نتيجة أي خلل وظيفي أو عضوي يؤثر على وظيفة القلب كمستقبل للدم ومضخة كافية لانتشار الدم في كافة أنحاء الجسم، لإمداده بالمواد الغذائية والأكسجين، ما يؤدي إلى الشعور المستمر بالإنهاك والتعب، وتشمل الأعراض أيضًا الشعور بضيق في التنفس عند صعود الدرج مثلًا، وتراجع القدرة على بذل المجهود، أو الإصابة بحالة عامة من الوهن.

وأوضح أنه يجب التمييز بين فشل عضلة القلب، وحالةٍ مثل السكتة القلبية التي تصيب قلبًا كان يقوم بوظيفته بصورة طبيعية ثم توقف، ما يؤدي إلى هبوط في الدورة الدموية، وقد يؤدي ذلك إلى الموت. ولكن في فشل عضلة القلب، يستمر القلب في العمل لكن بكفاءة أقل، وتعتمد درجة المرض على درجة القصور في عمل القلب كمستقبل وكمضخة للدم.

وعن الأسباب الشائعة لفشل عضلة القلب، أوضح الخبيري أنها تتمثل في قصور الشرايين التاجية، والحمى الروماتيزمية، وضعف عضلة القلب بسبب مرض السكري، بالإضافة إلى اعتلال عضلة القلب الكحولي (Alcoholic cardiomyopathy) بسبب الإفراط في شرب الكحوليات.

وأكد أن الوقاية والعلاج السريع هي خير طريقة لمنع حدوث فشل في عضلة القلب، عن طريق علاج مسببات المرض بصورة أسرع، مثل علاج قصور الشرايين التاجية بتوسيعها عن طريق قسطرة قلبية، وعلاج تأثير الحمى الروماتيزمية على صمامات القلب، وتلقي مرضى السكري العلاج المناسب، بالإضافة للتوقف عن شرب الكحوليات، والتقليل من كميات الملح في الطعام.