لم تكن حالة القلق التي انتابت "غادة"، المديرة بإحدى شركات القطاع الخاص، خوفًا على أسرتها من الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مجرد شعور عابر لا يرتكز على أرضية راسخة قوية؛ إذ يضم التاريخ الوراثي لعائلتها حالات وفاة كثيرة بهذه الأمراض.

أرادت "غادة" تجنُّب الدخول في دائرة مفرغة تنال من أسرتها، خاصةً أن ابنتها وزوجها يعانيان من السمنة، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصابة بأمراض القلب، لذا لجأت إلى تبنِّي نمط حياة جديد، يعتمد على التغذية السليمة وممارسة الرياضة المنزلية بصورة يومية.

وعلى مدى ثمانية شهور متصلة، حرصت على إعداد وجبات خفيفة منخفضة السعرات لكل أفراد أسرتها، ما كان له تأثيرٌ إيجابيُّ على صحتهم، وفق تصريحاتها لـ"للعلم". تقول "غادة": تراجعت لدينا معدلات ضغط الدم المرتفع، وتحسنت نِسَب الكوليسترول، ونجحت ابنتي في إنقاص وزنها بنحو 10 كيلوجرامات، أعتقد أننا تمكنَّا من الاستمرار في تبنِّي نمط حياة صحي لأننا بدأنا نطبقه معًا.

ربما ذهب بعضٌ إلى أن ما فعلته "غادة" من اتباع نمط حياة صحي يشترك فيه كل أفراد الأسرة مجرد اجتهاد شخصي، لكن دراسة أجراها فريق بحثي من مستشفى "برجهام آند ويمن"، أحد أهم المستشفيات التعليمية التابعة لكلية الطب بجامعة "هارفارد"، ذهبت إلى أبعد من ذلك، مشيرةً إلى أن "الأزواج والشركاء الذين يعيشون معًا يتشاركون العادات غير الصحية وعوامل الخطر التي قد تؤثر على صحة قلوبهم، ما يستوجب اتباعهم نمط حياة صحيًّا يتشارك فيه الجميع".

توضح سامية مورا -الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد، والمشاركة في الدراسة- أن "الأزواج يعيشون في ظروف بيئية متماثلة، ويتعايشون مع أنماط سلوكية متشابهة قد تجعلهم عُرضةً للإصابة بأمراض القلبية الوعائية".

تتبَّع الباحثون في الدراسة التي نشرها موقع "جاما نتورك أوبن" (JAMA Network Open) صحة قلب 5364 من الأزواج، وذلك من خلال فحص بيانات برنامج "كويست دياجنوستكس" (Quest Diagnostics)، وهو برنامج يقدم تقييمًا صحيًّا تطوعيًّا للموظفين في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

كان مجتمع الدراسة متنوعًا جغرافيًّا؛ إذ شمل أفرادًا من جميع الولايات الأمريكية، تقول "مورا" في تصريحات لـ"للعلم": عملنا على تقييم عوامل الخطر والسلوكيات التي تشكل تهديدًا على صحة القلب والأوعية الدموية لدى 5364 زوجًا (10728 فردًا) انضموا إلى البرنامج بين أكتوبر 2014 وأغسطس 2015، بينهم 54٪ من الأمريكيين البيض، و7% أمريكيون من أصل إفريقي، و11% من أصول إسبانية، و21% من أصول آسيوية، وبلغ متوسط أعمار الرجال 50 عامًا والنساء 47 عامًا.

وتضيف في تصريحات لـ"للعلم": إذا كانت عوامل الخطر والسلوكيات السيئة شائعةً لدى كلا الزوجين، فإن البرامج المشتركة التي تستهدف تقليل عوامل الخطر وتقويم السلوكيات السيئة قد تفيد في تحسين الحالة الصحية لكلا الزوجين؛ إذ تؤكد نتائج البحث أهمية أن يتشارك الأفراد الذين يعيشون معًا في اتباع نمط حياة صحي، بدلًا من التركيز على الأفراد، كل على حدة.

عوامل الخطر

حدد الباحثون حالة كل شخص وفق العوامل السبعة التي تشدد جمعية القلب الأمريكية على أنها تشكل ناقوس خطر للإصابة بأمراض القلب وهي: التدخين، والنشاط البدني اليومي، ومؤشر كتلة الجسم، والنظام الغذائي، ومستويات السكر في الدم، والكوليسترول الكلي (الكوليسترول السيئ والكوليسترول الجيد)، وضغط الدم. وترتبط عوامل الخطر تلك بتطور مجموعة من أمراض القلب، مثل انسداد الشرايين، وقصور القلب (أو ما يُعرف بفشل القلب) والنوبات القلبية والسكتة الدماغية، على حد تعبير الباحثة.

جمع الباحثون البيانات من خلال الاستبانات والفحوص البدنية والاختبارات المعملية، وقاموا بتسجيل المعلومات الخاصة بكل شخص في الدراسة بشكل فردي وفق عوامل الخطر السبعة التي حددتها جمعية القلب الأمريكية؛ إذ جرى تصنيف المشاركين إلى ثلاث فئات: ضعيف ومتوسط ومثالي، وتم جمع هذه الدرجات معًا لإعطاء تقييم شامل لصحة قلب كل واحد منهم.

أوضحت عملية الفحص الفردي لعينة البحث أن أكثر من نصف المشاركين كانوا في الفئة المثالية لثلاثة من عوامل الخطر، وهي حالة التدخين (لم يدخنوا قَط)، والكوليسترول الكلي (<200 مجم/ ديسيلتر)، ومستويات الجلوكوز في الدم عند الصيام (<100 مجم/ ديسيلتر)، بينما كان أكثر من ربع المشاركين ضمن الفئات الفقيرة من حيث مؤشر كتلة الجسم والنشاط البدني، وكان 12% فقط من الأفراد ضمن الفئة المثالية لقياس نسب الكوليسترول في الدم.

وأظهر التحليل أن معظم الأزواج المشاركين في الدراسة كانوا إما يتمتعون بصحة جيدة للقلب معًا أو يشتركون في صحة قلب سيئة معًا، ووجد فريق البحث أن 79% من الأزواج كانوا في الفئة غير المثالية فيما يتعلق بصحة القلب والأوعية الدموية، مع تشارُك معظمهم في تناوُل وجبات غير صحية (94% من الأزواج)، وقلة النشاط البدني (53% من الأزواج). بينما استوفى 12% فقط من الأفراد (من مجموع 10728) المعايير المثالية بالنسبة لتقييم الصحة المتصل بعوامل الخطر التي أخضعها الباحثون للدراسة، والخاصة بصحة القلب والأوعية الدموية.

فوائد ثنائية

تشير نتائج الدراسة إلى أن "عوامل الخطر على صحة القلب، مثل التدخين، والأنظمة الغذائية غير الصحية، وعدم ممارسة الحد الأدنى من النشاط البدني مسائل شخصية، مؤكدةً أنه بالنسبة للمتزوجين أو أولئك الذين يتشاركون المنزل، فإن أنماط سلوك شخص واحد قد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأنماط الشخص الآخر، ما يعني أن تبنِّي نمط حياة سليم للأشخاص الذين يعيشون معًا يمكن أن يفيدهما -معًا كثنائي- بشكل عملي".

تعلق "مورا" قائلة: يجب على الطواقم الطبية أيضًا تقييم مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ليس فقط لدى المرضى ولكن أيضًا لدى شركائهم. وينبغي ألا يقتصر تركيز جهود وبرامج الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية على صحة الأفراد، بل يمتد ليشمل صحة الوحدات الأكبر التي تشمل الشركاء والأسر أو حتى المجتمعات، ولا سيما استهداف السلوكيات التي تشكل خطرًا على صحة القلب والأوعية الدموية. كما يجب على أصحاب الأعمال توسيع برامج الوقاية لتشمل الشركاء والأسر؛ لأنها تمس صحة الموظف ذاته.

نمط الحياة

يوضح باحثو الدراسة أنه يمكن الوقاية من عوامل الخطر من خلال تغيير نمط الحياة والحرص على تناول الأكل الصحي وزيادة ممارسة التمارين الرياضية وفقدان الوزن والإقلاع عن التدخين.

وتشير الدراسة إلى أنه "عندما تحسَّنت صحة القلب والأوعية الدموية لأحد الزوجين من خلال بلوغه الفئة المثالية في اتباع سلوكيات مثل الإقلاع عن التدخين، أو فقدان الوزن، أو ممارسة نشاط بدني أكثر، أو تحسين نمط نظامه الغذائي، فإن صحة شريكه تحسنت أيضًا، وأنه عندما يبذل الفرد مجهودًا لتحسين صحته يجب أن يكون على دراية بأن ذلك سيكون له تأثيرٌ على شريكه".

تقول "مورا": التيقُّن من أن سلوكياتنا وخياراتنا تؤثر على مَن حولنا يجعلنا أكثر وعيًا واستعدادًا لبذل جهد إضافي من أجل تحسين صحتنا، وبالتالي تحسين صحة مَن نهتم بهم.

ملايين الوفيات سنويًّا

بلغة الأرقام، فإن المشاركة في تغيير نمط الحياة قد تؤدي دورًا بارزًا في تجنُّب أمراض القلب والأوعية الدموية، التي تأتي في صدارة أسباب الوفيات في جميع أنحاء العالم، وفق تقرير لمنظمة الصحة العالمية.

يشير التقرير إلى أن "نحو 17.7 مليون نسمة لقوا حتفهم من جَرَّاء الأمراض القلبية الوعائية خلال عام 2015، ما يمثل 31 % من جميع حالات الوفاة في العالم في العام ذاته".

ويشدد التقرير على أن "غالبية أمراض القلب والأوعية الدموية يمكن الوقاية منها من خلال التصدي لعوامل الخطر، مثل تعاطي التبغ والنظام الغذائي غير الصحي والسمنة والخمول البدني وتعاطي الكحوليات، وذلك باستخدام إستراتيجيات يجري تطبيقها على النطاق السكاني ككل".

تقول "مورا": بالرغم من أن الأطروحة أُجريت على عينة من الأمريكيين، إلا أنه يمكن تعميم نتائجها، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك اختلافات في النسب المئوية للأفراد أو الأزواج الذين يستوفون معايير الصحة المثالية في المجتمعات الأخرى، حيث تختلف معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بين البلدان.

فعلى سبيل المثال، نجد أنه من المتوقع بالنسبة للبلدان ذات معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية المنخفضة أن تكون النسبة المئوية للأزواج الذين يتمتعون بصحة وسلوكيات مثالية أعلى مما وجدناه.

والعكس صحيح بالنسبة للبلدان التي ترتفع فيها معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. إذ إن النسبة المئوية للأزواج الذين يستوفون معايير الصحة والسلوكيات المثالية قد تكون أسوأ مما وجدنا، ومن المهم أن نتذكر أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك جنوب آسيا، فيها معدلات عالية جدًّا من أمراض القلب والأوعية الدموية.

فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات "المكتب الإقليمي لشرق المتوسط" التابع منظمة الصحة العالمية إلى أن "54% من الوفيات الناجمة عن الأمراض غير السارية في الإقليم سببها أمراض قلبية وعائية. وتتراوح نسبة الوفيات التي تُعزى إلى الأمراض القلبية الوعائية (من مجموع الوفيات) من 49% في عُمان إلى 13% في الصومال. ويرجع انتشار الأمراض القلبية الوعائية إلى أنماط الحياة قليلة النشاط وعوامل الخطر الشائعة، مثل فرط الضغط (يتراوح من 28% في الإمارات العربية المتحدة إلى 41% في ليبيا والمغرب)، والسكري (يتراوح من 4% في إيران إلى 19% في السودان)، وفرط كوليسترول الدم (يتراوح من 14% في لبنان إلى 52% في إيران)".

نتائج متشابهة

تتفق نتائج الدراسة أيضًا مع أطروحة أُجريت في ثلاث دول أوروبية مختلفة (بلجيكا، وإيطاليا، وإنجلترا) على 802 من الأزواج، وانتهت إلى أنهم يتشاركون بشكل كبير في عوامل الخطر التي قد تؤدي إلى الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية.

من جهته، يرى فيصل عمرو مراد -أستاذ جراحات القلب بكلية الطب، جامعة عين شمس- أن "الدراسة على جانب كبير من الأهمية؛ إذ تربط بين مرضى القلب ومَن يعيشون معهم من خلال تأكيد ضرورة اتباع نمط حياة صحي لتقليل عوامل الخطر المهددة لصحة القلب لكل أفراد الأسرة".

يقول "مراد" في تصريحات لـ"للعلم": عندما ننصح مرضى القلب بممارسة رياضة المشي سيكون من الأفضل أن يفعل الشخص ذلك مع شركائه في المنزل؛ لضمان الالتزام والاستمرارية، والشيء ذاته ينطبق على طرق الطهي التي تقدم وجبات صحية ذات مستويات منخفضة من الكوليسترول. وكذلك التدخين، إذ يجب على الطرف المدخن الإقلاع عن هذه العادة؛ لأن شريكه سيصبح مدخنًا سلبيًّا، وسيتضرر من تأثير السيجارة حتى لو لم يكن مدخنًا.

ويتابع: يجب أيضًا تدريب الطرفين على اتباع نهج لإدارة التوتر، لأنهما عادةً ما يتقاسمان الظروف المعيشية نفسها التي تشكل ضغوطًا عليهما. لذلك لا بد أن تشمل خطة العلاج توعية الطرفين وتعليمهما كيفية تغيير نمط حياتهما؛ لأن هذا التغيير قد يكون أفضل إذا ما وجد الأفراد شركاء يدعمون خطواتهم.

وتتفق "مورا" مع ما قاله "مراد"، مضيفةً أن "الفريق البحثي سيعمل مستقبلًا على الاستفادة من نتائج الدراسة والتعرُّف على الكيفية التي تساعد في تقديم تدخلات مفيدة للأزواج".

وأضافت: "نحتاج إلى مزيد من الدراسات، تضم شرائح أكبر ذات تباينات عرقية وجغرافية واجتماعية واقتصادية، وقد يساعد ذلك على تصميم برامج تسمح بالتدخل السلوكي والصحي لجميع فئات المجتمع، وفي تصميم مبادرات وبرامج للصحة العامة تركز على تعديل نمط الحياة الذي يستهدف الأزواج معًا، ويضمن تحقيق ذلك بما يفيد كلا الزوجين ويساعد في تحسين نجاح جهود الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية".