يُعاني معظم مستخدمي الأجهزة الإلكترونية الحديثة من الحرارة المنبعثة من أجهزتهم عقب الاستخدام الطويل، غير أن تلك الحرارة –على الرغم من كونها تزعج البعض- أمر مهم للغاية بالنسبة للأجهزة الالكترونية؛ إذ إن عملية التشغيل تتسبب في رفع درجة حرارة المكونات الأساسية داخل تلك الأجهزة، وإحساس المستخدم بسخونة الجهاز يعني أن عملية انتقال الحرارة من الداخل إلى الخارج تجري على ما يرام.

ويطلب المستخدمون على الدوام أجهزة إلكترونية أصغر وأسرع وأكثر قوةً، وهذا يعني أن تلك الأجهزة ستولِّد المزيد من الحرارة، وبالفعل، وصلت مسألة إدارة كميات الحرارة المنبعثة من المكونات الإلكترونية إلى عنق الزجاجة؛ إذ كادت تبلغ الحد الأقصى الذي يُمكن أن تتحمله المكوِّنات المصنوعة من السيليكون دون أن تتلف.

لذا، يسعى الباحثون في المعامل المختلفة حول العالم للتوصل إلى مواد جديدة ذات موصلية حرارية أفضل.

والموصلية الحرارية هي قدرة المادة على درجة حرارة كلفنية واحدة لكل متر حين تكتسب قدرة مساوية لواط واحد.

وتبلغ الموصلية الحرارية لمادة السيليكون 150 واط لكل كلفن متر.

إلا أن تلك القيمة لم تعد كافيةً بسبب التصاميم الجديدة للأجهزة الإلكترونية الحديثة، التي أصبحت باستمرار أصغر وأكثر قوة.

ووفق البحث المنشور اليوم 5 يوليو في دورية ساينس العلمية، فإن العلماء تمكنوا من إنتاج بلورات جديدة يُمكن استخدامها في صناعة الدارات الإلكترونية وأجهزة الترانزستور. تتكون تلك البلورات من عنصري البورون والزرنيخ، وتقول الورقة العلمية إن موصليتها الحرارية تبلغ 1000 واط لكل كلفن متر، أي نحو 7 أضعاف الموصلية الحرارية للسيليكون المستخدم حاليًّا في صناعة المكونات الداخلية للأجهزة الإلكترونية.

إن الحفاظ على الأجهزة الإلكترونية يتطلب تبريدها باستمرار، ومع صغر الحجم المُطرد لتلك الأجهزة، لا يستطيع المصممون وضع مراوح تبريد على المكونات الساخنة؛ إذ تستهلك تلك المراوح مساحة كبيرة، لذا، لجأ العلماء إلى استخدام أشباه الموصلات التي يُمكنها تشتيت الحرارة دون الحاجة إلى مراوح تبريد.

وتُصنع معظم رقاقات الكمبيوتر الحالية من عنصر السيليكون، وهو مادة بلورية شبه موصلة يُمكنها أن تقوم بتبديد الحرارة، غير أن التطور في صناعة الأجهزة استلزم البحث عن مواد جديدة ذات موصلية أعلى من السيليكون.

وقد أثبتت الدراسات السابقة أن الماس له أعلى موصلية حرارية معروفة مُقدرة بـ2200 واط لكل كلفن متر، إلا أن تكلفة الماس الطبيعي والعيوب الهيكلية في الماس الصناعي جعلت منه مادةً غير عملية للاستخدام واسع النطاق في صناعة الإلكترونيات.

وفي عام 2013، نجح فريق بحثي من جامعة بوسطن في إنتاج بلورات من الزرنيخ والبورون لها موصلية أفضل من السيليكون، حوالي 200 واط لكل كلفن متر.

غير أن الفريق البحثي الذي قدم الورقة العلمية الحديثة قام بصناعة بلورات من الزرنيخ والبورون بطريقة جديدة كُليًّا، بواسطة فرن عالي الحرارة من ناحية، وبارد لدرجة التجمد من ناحية أخرى.

وأدخل الباحثون عنصري البورون والزرنيخ في الحجرة عالية الحرارة، ثم عرَّضوها لبرودة شديدة، فتكوَّنت بلورات من العنصرين لها موصلية حرارية مُقدرة بـ1000 واط لكل كلفن متر.

ويقول "ديفيد كاهيل" -الباحث في جامعة إلينوي أوربانا شامبين، وأحد مُعدِّي الدراسة- إن البلورات الجديدة يُمكنها تبديد الحرارة عن طريق توليد جسميات صغيرة تسمى الفونونات، تعمل كجسميات تنقل الحرارة إلى الخارج، ومن ثَم يتم تبديدها في الفراغ المحيط بالأجهزة الإلكترونية.

ويشير "ديفيد" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن الورقة التي استمر العمل عليها نحو عامين ستدفع المُصنعين لاستخدام عنصري الزرنيخ والبورون في صناعة الأجهزة الإلكترونية.

ولا يوجد تطبيق حالي لاستخدام بلورات الزرنيخ والبورون في صناعة الأجهزة الإلكترونية، غير أن "ديفيد" يأمل أن يُحسِّن الفريق البحثي الذي ينتمي إليه من عملية إنتاج تلك البلورات ومراقبة أنواع العيوب التي قد تظهر فيها؛ لفهم كيفية تأثيرها على الموصلية الحرارية، ومن ثم إنتاجها واستخدامها في الأجهزة الإلكترونية الحديثة.