يعود أحد صغار سرطان البحر الشوكي الكاريبي إلى إحدى الشعاب المرجانية الضحلة في جُزر فلوريدا كيز، بعد أن قضى ليلته في البحث عن طعامه من الرخويات اللذيذة، ويدلف إلى جُحره الضيق. تتشارك سرطانات البحر عادةً تلك الشقوق الصخرية، وها قد دلف إليها الليلة سرطان بحرٍ جديد في أثناء تجواله. لكن ثمة شيئًا في هذا الوافد الجديد لا يبعث على الارتياح؛ إذ تفوح رائحة غريبة من العناصر الكيميائية في بوله. وتُفرَز هذه المواد حين يكون سرطان البحر مصابًا بفيروس مُعدٍ يُسمى فيروس سرطان البحري الشوكي1، ومن ثم يبدو الانزعاج على الحيوان السليم العائد لتوه من الخارج. ورغم صعوبة العثور على مثل هذا الجُحر المُحصن ضد المُفترسات، يُقرر سرطان البحر الصغير الخروج من الجُحر إلى المياه المفتوحة؛ لينأى بنفسه عن الفيروس الفتاك.

أصبحت هذه الاستجابة التي أظهرها سرطان البحر في مواجهة المرض -والتي رُصدت في كلٍّ من التجارب الميدانية والمختبرية- مألوفةً لدينا تمامًا هذا العام، إنه التباعد الاجتماعي؛ فقد ألغى الناس كل تفاعلاتهم الحميمة مع أسرهم وأصدقائهم؛ بهدف الحد من انتشار مرض «كوفيد-19». وقد شقَّ عليهم هذا الأمر كثيرًا، وشكَّك كثيرون في مدى جدواه. لكن مهما بدا لنا التباعد الاجتماعي منافيًا للطبيعة، فإنه يُعد جانبًا مهمًّا من العالم الطبيعي. فإضافةً إلى سرطان البحر، تستطيع أنواع حيوانية متنوعة -مثل القردة والأسماك والحشرات والطيور- أن تكتشف الأفراد المريضة من بني جنسها وتتحاشاهم.

والسبب وراء شيوع هذا النوع من السلوك بين الحيوانات الاجتماعية أنه يساعدها في البقاء على قيد الحياة. فرغم أن العيش في جماعات يُيسر على الحيوانات اصطياد فرائسها، والحفاظ على دفء أجسامها، وتَفادي المفترِسات، فإنه يؤدي في الوقت ذاته إلى تفشِّي الأمراض المُعدية. (جرب فقط أن تسأل أبًا أو أمًّا من بني البشر لديهم طفل يذهب إلى دار الحضانة). وقد حفَّز هذا الخطر الشديد ظهور سلوكيات تساعد الحيوانات على تفادي العدوى. فالحيوانات التي تتباعد اجتماعيًّا في أثناء تفشِّي الأوبئة هي المرشحة -أكثر من غيرها- للبقاء على قيد الحياة. مما يؤدي بدوره إلى تعظيم فرصها في إنجاب أنسال تلجأ هي الأخرى إلى التباعد الاجتماعي في مواجهة تفشِّي الأمراض. هذه السلوكيات هي ما يُطلِق عليه أمثالنا من علماء البيئة المتخصصين في دراسة الأمراض "المناعة السلوكية". فالحيوانات البرية لا تعرف اللقاحات، لكنها تستطيع أن تقي نفسَها الأمراضَ من خلال طرق عيشها وسلوكها.

بيد أن اكتساب المناعة بواسطة السلوك الاجتماعي لا يتحقق دون ثمن. فتباعُد الفرد عن بني جنسه، حتى ولو مؤقتًا، معناه أن يخسر الكثير من المنافع التي شجعت على وجود الحياة الاجتماعية من الأساس. ولهذا السبب، أدرك الباحثون أن التجنُّب الكامل ليس سوى سبيل واحدة -من بين سُبل أخرى- تسلكها الحيوانات. إذ تظل بعض الأنواع الاجتماعية مترافقةً حين يُصاب بعض أفرادها بالعدوى، لكنها تُغيِّر من ممارسات معينة تتعلق بالتنظيف المتبادل على سبيل المثال. أما أنواع أخرى، مثل النمل، فتلجأ إلى تقليل اللقاءات بين الأفراد التي تؤدي أدوارًا معينة في حياة المستعمرة، وذلك بهدف تقليل خطر العدوى.

تضحيات ضرورية

أدت قدرة سرطان البحر الشوكي على اكتشاف الأفراد المصابة في جماعته وتجنُّبها دورًا حيويًّا في تمكُّنه من الصمود في مواجهة فيروس سرطان البحر الشوكي1، الذي يفتك بأكثر من نصف عدد سرطانات البحر اليافعة التي يصيبها. وتُعد صغار سرطان البحر فرائس سهلة لهذا الفيروس، لكونها حيواناتٍ اجتماعيةً للغاية، إذ تعيش أحيانًا في مجموعات قد يصل عدد أفرادها إلى 20 في الجُحر الواحد. المآوي الآمنة في الإسفنجيات والشُّعب المرجانية والشقوق الصخرية على امتداد قاع البحر -إضافةً إلى مجموعة كبيرة من المخالب الحادة- تساعد تلك التجمعات الحيوانية في الدفاع عن نفسها في مواجهة المفترسات الجائعة مثل عنز الماء. ورغم ذلك، لاحظ الباحث دون بيهرينجر من جامعة فلوريدا وزملاؤه، في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة، أن بعض صغار سرطان البحر تعيش بمفردها، رغم أن هذا يجعلها عرضةً للخطر. وقد وجد الباحثون أن معظم تلك الحيوانات الوحيدة مصابة بهذا الفيروس المعدي. ومن ثم فقد ظنوا أنها لم تختر أن تعيش بمفردها، بل نُبذت. وللتحقق من استنتاجهم هذا، وضع الباحثون عددًا كبيرًا من سرطانات البحر في أحواض مائية، وسمحوا للقشريات السليمة بأن تختار إما السكنى في جُحر مصطنع وفارغ، أو جُحر يشغله فرد سليم أو مريض من بني جنسها. وقد أفاد العلماء، في مقال نُشر في دورية Nature عام 2006، أنه عند غياب المرض، فضلت سرطانات البحر السليمة الحياة الاجتماعية والجحور التي فيها حيوان سليم على تلك الفارغة. وتجنبت بشدة الجُحور التي تشغلها حيوانات مصابة بالفيروس، حتى وإن كان هذا سيضطرها إلى العيش بمفردها.

وقد أوضح بيهرينجر وزميله جوشوا أندرسون، في دراسة متابعة نُشرت في دورية «مارين إيكولوجي بروجريس سيريز» Marine Ecology Progress Series عام 2013، أن سرطانات البحر السليمة تكتشف الأفراد المصابة عن طريق اختبار شم. فقد تبين أن بول الحيوانات المصابة يحتوي على مواد كيميائية تعمل كإنذار بالخطر ينبه أقرانها الأصحاء في المجموعة. وحين استخدم العلماء «صمغًا كريزيًّا» لسد أعضاء إخراج البول لدى الحيوانات المريضة، وجدوا أن الحيوانات السليمة لم تعد تتجنبها.

عندما تكتشف سرطانات البحر وجود حيوان مصاب، يكون لديها استعداد لتحمُّل مخاطر جسيمة من أجل الحفاظ على سلامتها من المرض. فحين قيَّد مارك بَتلر -من جامعة أولد دومينيون- وزملاؤه، سرطانًا بحريًّا مريضًا إلى جُحر تسكنه سرطانات سليمة في جُزر «فلوريدا كيز»، لاحظوا أن الحيوانات السليمة كثيرًا ما تهجر الملاذات الآمنة وتتجه إلى المياه المفتوحة، حيث تزداد كثيرًا مخاطر تعرُّضها للافتراس. وحين كرر فريق عمل بَتلر التجربة باستخدام سرطان بحري سليم، لم يحدث أي نزوح جماعي. وقد استعان العلماء، في البحث الذي نشروه في دورية «بلوس وان» PLOS One عام 2015، بنماذج رياضية؛ لبيان أن التجنب الاجتماعي -رغم كُلفته- يمنع نوبات تفشي الفيروسات، التي من شأنها -لولا ذلك- أن تهلك مجموعاتٍ كاملةً من السرطانات البحرية.

Garden ants and House finches
التباعد الإستراتيجي: يبتعد نمل الحدائق (الصورة العلوية) عن مستعمرته حين يغزوها فطر قاتل. وتتجنب طيور البرقش (الصورة السفلية) الأفراد الذين تظهر عليهم أعراض مرضية. Credit: Aditya Vistarakula Getty Images (top); Getty Images (bottom)

حماية الثمين والضعيف

ليس السرطان البحري -بأي حال من الأحوال- الحيوان الوحيد الذي اكتشف أن منافع التباعد الاجتماعي تفوق أحيانًا كُلفته. ففي واقع الأمر، ابتكرت بعض الكائنات الأخرى أساليب لتعظيم فوائد التباعد الاجتماعي عبر ممارسته بطريقة إستراتيجية، بما يوفر الحماية لأثمن أفراد الجماعة قيمةً، أو أشدها ضعفًا. وتقدم لنا الحشرات الاجتماعية أروع الأمثلة في هذا الصدد؛ إذ تُسند إلى مختلف أفراد المستعمرة أدوارًا متمايزة لها تأثير على بقاء المستعمرة ككل.

ففي بحث أشرفت عليه ناتالي سترويميت من جامعة بريستول في إنجلترا ونُشر في دورية «ساينس» Science عام 2018، استخدم الباحثون بطاقات رقمية صغيرة الحجم لرصد تحركات مستعمرات نمل الحدائق في أثناء تفشِّي فطر قاتل يُسمى Metarhizium brunneum، تنتقل أبواغه من نملة إلى أخرى عبر التلامس الجسدي، وتستغرق فترةً تتراوح من يوم إلى يومين لكي تخترق جسم النملة، وتصيبه بالمرض الذي يفتك بالنملة في كثير من الأحيان. تلك الفترة الفاصلة بين التعرض للعدوى والإصابة بالمرض، أتاحت لسترويميت وزملائها أن يتبينوا هل كان النمل قد غيَّر من سلوكياته الاجتماعية خلال فترة الـ24 ساعة الفاصلة بين اكتشافه لأبواغ الفطر للمرة الأولى في المستعمرة، وظهور أعراض المرض على الأفراد الذين تعرضوا للفطر، أم لا.

وقد أمد الباحثون مجموعةً فرعيةً من أفراد النمل الباحثين عن الطعام، الذين يغادرون المستعمرة بانتظام، بأبواغ الفطر، وذلك بهدف دراسة كيفية استجابة هذه المجموعة حين يجتاح المرض المستعمرة للمرة الأولى. وإذ إنه من الأرجح أن يتعرض أفراد النمل الباحثون عن الطعام لأبواغ الفطر عَرَضًا في أثناء وجودهم بالخارج بحثًا عن الطعام، فإن هذه الطريقة تحاكي الطريقة الطبيعية التي قد تنتقل بها الأبواغ إلى المستعمرة. بعد ذلك، عُقدت مقارنة بين الاستجابات السلوكية للنمل في 11 مستعمرة مُعالَجة بالفطر، والعدد نفسه من المستعمرات الضابطة، حيث رُش النمل الباحث عن الطعام بمحلول معقم غير ضار. وقد لُوحظ أن النمل في المستعمرات التي عُرضت للفطر قد بدأ يستخدم التباعد الاجتماعي بسرعة وعلى نحوٍ إستراتيجي عقب معالجته بالفطر. ففي غضون 24 ساعة، عزل أفراد النمل الباحثون عن الطعام أنفسهم، وذلك عن طريق قضاء وقت أطول بعيدًا عن المستعمرة مقارنة بنظرائهم في المستعمرات الضابطة.

كذلك، قللت الحشرات السليمة في المستعمرات المُعالَجة بالفطر تفاعلاتها الاجتماعية بشدة، لكن الطرق التي استعانت بها اختلفت باختلاف الأدوار المسندة إلى كلٍّ منها. فقد لوحظ أن الأفراد الباحثين عن الطعام غير المصابين، والذين يتعاملون بكثرة مع نظرائهم الذين قد يحملون العدوى، ابتعدوا عن المستعمرة في أثناء وجود المرض. وهذا يحول بينهم وبين تعريض أفراد المستعمرة الذين يؤدون دورًا حيويًّا في عملية التكاثر (الملكة و"الحاضنات" التي تتولى رعاية الحُضنة) للخطر دون قصد. كذلك فقد نشطت الحاضنات بمجرد اكتشاف وجود الفطر في المستعمرة، فنقلت الحُضنة إلى مكان أبعد داخل العش، بعيدًا عن أفراد النمل الباحث عن الطعام. ورغم أن الإشارات التي تستعين بها حشرات النمل في اكتشاف تفشِّي الفطر والاستجابة السريعة لذلك لا تزال مجهولة، كانت هذه الطريقة في التباعد الاجتماعي الإستراتيجي شديدة الفاعلية، لدرجة أن جميع الملكات، ومعظم الحاضنات، في المستعمرات التي شملتها الدراسة، ظلت على قيد الحياة عند انتهاء تجربة تفشِّي الفطر.

وفي حين يحمي نمل الحدائق أثمن الأفراد في مستعمراته، تلجأ بعض أنواع الطيور إلى إستراتيجية مختلفة، لعلها تسترشد فيها بقوة استجاباتها المناعية ومقاومتها للعدوى. فقد وضعت ماكسين زِلبربيرج وزملاؤها عددًا من طيور البرقش في ثلاثة أقفاص متجاورة. ووضعوا على أحد جانبي الطائر الذي في المنتصف طائرًا سليمًا، وعلى الجانب الآخر طائرًا تظهر عليه علامات المرض (حُقن بمادة جعلته يتصرف بكسل وخمول). وقد أوضح الباحثون، عن طريق رصد الفترة الزمنية التي قضاها الطائر الأوسط في كل جانب من جانبي قفصه، أن طيور البرقش تتجنب عمومًا الطيور التي تبدو مريضة، لكن شدة هذا التجنب تختلف باختلاف قوة أنظمتها المناعية. وأشار الباحثون في دراسة نُشرت في دورية «بيولوجي ليترز» Biology Letters عام 2013، إلى أن الطيور التي احتوت مجاري دمائها على نسب مرتفعة من الأجسام المضادة ونوع آخر من البروتينات -مما يشير إلى احتمالية تمتُّعها بتنشيط مناعي أوسع- أظهرت قدرًا أقل من النفور تجاه الطيور المريضة، في حين كانت الطيور الأضعف مناعةً هي الأكثر تجنبًا لها.

كما رُصد نمطٌ مماثل لدى أسماك الجوبي المصابة بنوع من الديدان المعدية المُنهِكة للقوى، تُسمى Gyrodactylus turnbulli. فقد وضعت جيسيكا ستيفنسون -من جامعة بيتسبرج- في دراسة نُشرت في دورية «بيولوجي ليترز» عام 2019، عددًا من أسماك الجوبي، لم تكن قد أُصيبت بعدُ بهذه الديدان، في حوض مائي. ووضعت على أحد جانبيه حوضًا فارغًا، وعلى الجانب الآخر حوضًا فيه مجموعة مكونة من ثلاثة من أسماك الجوبي تمثل مصدر محتملًا للعدوى. وكما هو متوقع من الأنواع الاجتماعية، فضَّل عددٌ كبيرٌ منها الاتجاه إلى جانب الحوض القريب من أسماك الجوبي الأخرى. بيد أن عددًا من الذكور تجنَّب بشدة هذا الجانب من الحوض. وقد اتضح لاحقًا أن تلك الأسماك التي أبدت ميلًا إلى التباعد معرضة بشدة للإصابة بتلك الديدان. فمن المنطقي إذًا أن يحبذ التطور وجود ميل قوي إلى التباعد لدى تلك الأفراد المعرضة للخطر أكثر من غيرها.

Mandrills and mongooses
مخاطر مخالطة الأقارب: تمارس قردة الميمون (على اليسار) التنظيف المتبادل مع أقربائها حتى لو كانوا مصابين بالطفيليات، لكنها تتجنب الأفراد الآخرين الحاملين للعدوى. وتمارس النموس المخططة (على اليمين) -وهي حيوانات تعتمد كثيرًا على التعاون الجماعي- التنظيف المتبادل مع الأفراد الأصحاء والمصابين في الجماعة على حدٍّ سواء.Credit: Ralf Gelfand Getty Images (left); Mike Hill Getty Images (right)

وشائج الوصل

في بعض الأحيان، يكون التباعد الاجتماعي الإستراتيجي معناه الحفاظ على بعض الوشائج الاجتماعية حتى لو أدت إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض. ومن الأمثلة التي تُسلط الضوء على هذا، قردة الميمون، وهي نوع من الرئيسيات الاجتماعية للغاية التي لها وجوه ذات ألوان مبهرة. يوجَد هذا النوع من القردة في الغابات المدارية المطيرة في أفريقيا الاستوائية حيث يعيش في جماعات يتراوح عدد أفرادها من العشرات إلى المئات. وعادةً ما تضم هذه الجماعات خليطًا من أفراد عائلة واحدة ممتدة، كثيرًا ما ينظف بعضهم بعضًا، مما يحسِّن من مستوى النظافة الصحية ويوثِّق الروابط الاجتماعية فيما بينهم. لكن كليمينس بواروت وزملاؤها أشاروا في بحث نُشر في دورية «ساينس أدفانسيز» Science Advances عام 2017 إلى أن تلك الحيوانات تلجأ إلى تعديل سلوكيات التنظيف المتبادل بطرق معينة على النحو الذي يجنِّبها التقاط العدوى من قرنائها المرضى في الجماعة. فقد رصد العلماء التفاعلات اليومية المتعلقة بالتنظيف المتبادل بين عدد من قردة الميمون التي تعيش طليقةً في إحدى الحدائق المفتوحة بالجابون، وجمعوا بصفة دورية عينات براز لتحديد الأفراد التي تعاني من إصابة شديدة بالطفيليات المعوية. وقد لاحظوا أن الأفراد الأخرى تتجنب بشدة ممارسة التنظيف المتبادل معها. وقد تمكنت قردة الميمون من اكتشاف حالات الإصابة استنادًا إلى الرائحة فقط: فحين عُرض على أحد القردة اثنان من عيدان الخيزران ملطخان بالبراز، أعرض بشدة عن العود الملوث بروث قرد آخر يحتوي على كمية كبيرة من الطفيليات.

لكن في بعض الأحيان، تتخلى قردة الميمون عن التباعد الاجتماعي في مواجهة خطر العدوى. فقد أوضحت دراسة متابعة، تحت إشراف بواروت أيضًا، أن قردة الميمون تواصل ممارسة التنظيف المتبادل مع بعض أقرب أقربائها الذين يعانون إصابات شديدة بالطفيليات، حتى في أثناء ابتعادها عن أفراد أخرى في المجموعة مصابين هم أيضًا بالطفيليات. كما ذكر الباحثون في دراسة أخرى نُشرت في دورية «بيولوجي ساينس» عام 2020، أن الاحتفاظ بتحالفات قوية وغير مشروطة مع بعض الأقارب يُمكن أن يعود على الرئيسيات غير البشرية بفوائد جمة على المدى الطويل، تمامًا كما هي الحال لدى البشر، إذ تبدأ إناث قردة الميمون -التي تتمتع بأقوى الروابط الاجتماعية مع غيرها- في الإنجاب مبكرًا، ومن ثم قد تُنجب على مدى حياتها ذريات أكثر عددًا مقارنةً بغيرها. وربما مثل تلك المكاسب التطورية، المرتبطة بالحفاظ على بعض الروابط الاجتماعية، تستحق المخاطرة بالتعرض للعدوى.

ولعل الروابط الاجتماعية بين أفراد بعض الأنواع الحيوانية التي تعيش في جماعات، على درجة من الأهمية بحيث يكون التجنب غير محبذ على الإطلاق، حتى عند ظهور أعراض مرضية واضحة على بعض أفراد الجماعة. فعلى سبيل المثال، أوضحت دراسة أُجريت تحت إشراف بوني إم فيربانكس، ونُشرت عام 2015 في دورية «بيهيفيرال إيكولوجي آند سوسيوبيولوجي» Behavioral Ecology and Sociobiology أن النموس المخططة لا تتجنب أفراد جماعاتها، حتى حين تظهر عليها أعراض مرضية واضحة. فهي حيوانات اجتماعية للغاية تستوطن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تعيش في جماعات مستقرة يصل عدد أفرادها إلى 40 فردًا من الأقارب وغير الأقارب. وتنخرط أفراد الجماعة الواحدة في تفاعلات جسدية حميمة، إذ يرقد أحدها فوق الآخر، وتمارس التنظيف المتبادل، بطريقة تبادل المنفعة.

أما كاثلين إيه أليسكاندر -من جامعة فيرجينيا للتقنية، وهي إحدى الباحثات اللاتي شاركن في هذه الدراسة- فقد لاحظت في بداية الأمر أن العديد من النموس المخططة في المنطقة التي شملتها دراستها في بوتسوانا ظهرت عليها بوضوح أعراض نوع جديد من التدرن يستغرق شهورًا للفتك بها. بعد ذلك، أمضت فيربانكس عدة شهور تراقب عن كثب ست مجموعات مصابة بهذا المرض، وترصد كل التفاعلات الاجتماعية بين أفرادها. ومما أثار دهشتها أنها وجدت أن الأفراد الأصحاء واصلوا تفاعلاتهم الحميمة مع أفراد ظهرت عليهم أعراض المرض بوضوح. والواقع أنهم ظلوا يمارسون معهم التنظيف المتبادل بالقدر نفسه الذي يمارسونه به مع أقرانهم الأصحاء في الجماعة، حتى وإن كان من غير المرجح إلى حدٍّ كبير أن تتلقى من الأفراد المصابين معاملةً بالمثل. فربما كان التباعد عن الأفراد المصابين في الجماعة، ببساطة، سلوكًا غير قابل للاستمرار لدى تلك الأنواع الحيوانية؛ إذ يُعد التعاون الوثيق بين أفرادها في الصيد والدفاع عن النفس مسألة حياة أو موت.

على خطى الطبيعة

للبشر -شأن بقية الحيوانات- تاريخٌ تطوريٌّ طويلٌ مع الأمراض المعدية. ويُرجَّح أن العديد من صور المناعة السلوكية الخاصة بنا، مثل الشعور بالاشمئزاز في الأماكن القذرة أو المزدحمة، هي نتاج لهذا التاريخ. بيد أن الإنسان المعاصر -خلافًا للأنواع الحيوانية الأخرى- لديه العديد من الأفضليات حين تطرق الأوبئة بابه. فعلى سبيل المثال، نستطيع اليوم أن نتداول -لحظة بلحظة، على مستوى العالم- الأنباء المتعلقة بتهديدات الأمراض، وهذا يتيح لنا فرض تدابير التباعد الاجتماعي قبل ظهور المرض في مجتمعاتنا المحلية، وهو تكتيك كان له الفضل في إنقاذ أرواح كثيرة. علاوةً على ذلك، لدينا منصات تواصل رقمية متطورة، بداية من البريد الإلكتروني وصولًا إلى تطبيقات الدردشة المرئية الجماعية، والتي تتيح لنا الالتزام بالتباعد الجسدي مع الحفاظ على بعض الروابط الاجتماعية، في حين يؤدي التباعد الجسدي لدى الأنواع الحيوانية الأخرى إلى فقدان كل الروابط الاجتماعية بين أفرادها. لكن لعل أهم أفضلية على الإطلاق يتمتع بها البشر هي قدرتهم على ابتكار أدوات غير سلوكية متطورة، مثل اللقاحات بهدف الوقاية من الأمراض دون الحاجة إلى تعديلات سلوكية باهظة الكُلفة. فاللقاحات تُمكِّننا من الحفاظ على حياة اجتماعية تفاعلية وثرية رغم وجود أمراض مُعدية، مثل شلل الأطفال والحصبة، التي من شأنها -لولا ذلك- أن تفتك بنا.

لكن حين يتعلق الأمر بالحد من انتشار أمراض جديدة مثل «كوفيد-19»، فإننا -إلى حدٍّ بعيد- في القارب نفسه مع الأنواع الحيوانية الأخرى. ففي هذه الحالة، كما في الطبيعة، تكون السلوكيات المجربة والناجعة -مثل التباعد الاجتماعي- هي أفضل الأدوات المتوافرة لنا، إلى أن نتمكن من تطوير لقاحات أو علاجات. بيْد أنه يتعين علينا أن نستخدمها على نحوٍ إستراتيجي، مثلما تفعل الأنواع الحيوانية الأخرى. فنحن نستطيع، مثلما يفعل النمل وقردة الميمون، أن نحافظ على التفاعلات الاجتماعية الأكثر أهمية، وأن نبتعد قدر الإمكان عن الأشخاص المعرضين للإصابة أكثر من غيرهم، الذين يمكن أن ننقل إليهم العدوى عرَضًا من دون قصد. ويبرهن نجاح السرطان البحري الشوكي في مواجهة فيروس فتاك في البحر الكاريبي على أن كُلفة التباعد الاجتماعي -على المدى القصير، رغم قسوتها- لها مردود إيجابي على المدى الطويل فيما يتعلق بفرص النجاة والبقاء. فما علينا إذًا سوى أن نسير على خطى الطبيعة، مهما بدا لنا ذلك خروجًا عن المألوف.