تبدو البكتيريا من جنس «جيوباكتر» Geobacter أشبه بحبات فاصولياء دقيقة تنبت منها ذيول طويلة شبيهة بالأسلاك، وقد تبيَّن أن هذه «الأسلاك النانوية» توصل الكهرباء بالفعل، وقد عكف العلماء على دراسة هذه البكتيريا الموصلة للكهرباء على مدار عقود، على أمل تطوير تكنولوجيا حية يمكنها العمل بأمان داخل الجسم البشري، أو مقاومة التآكل، أو حتى توليد الكهرباء من العدم حرفيًّا، ولكن لكي يكون هذا الأمر عمليًّا، يجب عليهم أولًا أن يحلوا لغز كيفية العمل الفعلية لهذه الألياف الدقيقة، ويدور جدلٌ محتدم حول هذا الأمر في الوقت الحالي.

اكتُشِفَت قدرة بكتيريا جيوباكتر على توصيل الكهرباء على يد ديريك لوفلي، اختصاصي البيولوجيا الدقيقة بجامعة ماساتشوستس في أميرست، الذي أراد أن يعرف كيف تخلِّص هذه البكتيريا نفسها من الإلكترونات المُنتجَة خلال عملياتها لتوليد الطاقة، تحتاج غالبية الميكروبات إلى تمرير الإلكترونات إلى جزيئات الأكسجين المجاورة لها كي «تتنفس»، غير أن بكتيريا جيوباكتر تزدهر في بيئات خالية من الأكسجين، وفي النهاية، أدرك لوفلي أن هذه الكائنات الوحيدة الخلايا تنتج سلاسل طويلة من البروتينات التي تحمل الإلكترونات إلى جزيئات الصدأ القريبة، والتي تستخدم الجسيمات المشحونة في التحول إلى أكسيد الحديد الأسود (الماجنتيت)، ومنذ ذلك الحين، اكتُشفَت أسلاك نانوية بروتينية أخرى، غير أن لوفلي يظن أن نوعًا واحدًا منها -يُسمى «الشعيرات البكتيرية» pili- يؤدي دورًا رئيسيًّا، إن البروتينات التي تشكل تلك الشعيرات -وتُسمى بروتينات البايلين pilins– أصغر من أن يمكن فحصها بواسطة تقنيات التصوير التقليدية، لذا أوضح لوفلي أهميتها عن طريق إزالة الجين المسؤول عن تكوين الشعيرات، ومن دونه، لم يعد بمقدور بكتيريا جيوباكتر تحويل الصدأ إلى أكسيد الحديد، إضافةً إلى ذلك، وجد لوفلي أن الشعيرات التي جمعها من الخلايا قادرة بالفعل على توصيل الكهرباء.

ابتكر الباحثون بالفعل عددًا من التطبيقات التي تستخدم الميكروبات الموصلة الحية، غير أن لوفلي يريد حصد الأسلاك النانوية نفسها لبناء إلكترونيات صديقة للبيئة، وقد شارك مؤخرًا في كتابة ورقتين بحثيتين عن المستشعرات المصنوعة من الأسلاك النانوية لبكتيريا جيوباكتر، تتناول إحداهما -وهي المنشورة في دورية «نانو ريسرش» Nano Research- رصد النشادر، في حين تتناول الأخرى -الموصوفة تفصيلًا في دورية «أدفانسد إلكترونيك ماتيريال» Advanced Electronic Materials- التغيرات في الرطوبة، وثمة جهاز آخر، وصفته مجموعته البحثية في دورية Nature، يستخدم الأسلاك النانوية في جذب الإلكترونات من جزيئات الماء الموجودة في الهواء، وبذلك ينتج الكهرباء من الرطوبة، ويوضح لوفلي قائلًا: "إنه يتمتع ببعض المميزات مقارنةً بالأشكال المستدامة الأخرى لإنتاج الكهرباء، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، نظرًا إلى تواصل العملية على مدار الساعة، كما أن الجهاز يعمل في أي بيئة على سطح الأرض".

ويقترح لوفلي أيضًا أن بمقدور الأسلاك النانوية تشغيل بعض الأجهزة بدلًا من البطاريات، ويقول: "يمكننا بالفعل استخدام الأسلاك النانوية البروتينية [لإنتاج الطاقة] في الإلكترونيات الصغيرة النطاق، مثل الرقعة القابلة للارتداء بغرض المتابعة الطبية"، ويضيف قائلًا: إن الأسلاك النانوية يمكنها العمل في الأنسجة الحية دون التسبُّب في رد فعل سيئ، إضافةً إلى كونها قابلةً للتحلُّل البيولوجي بدرجة أكبر من المعادن.

ويقول لوفلي إن ثمة شركات عبرت عن اهتمامها بهذه التطبيقات، غير أن بعض العلماء يتشككون بشأن فصل الأسلاك النانوية عن البكتيريا التي تولِّدها، وتوضح سارة جالفن -عالِمة البيولوجيا بمختبر الأبحاث البحرية الأمريكية- أن "إخراج البروتينات ذات الخواص الكهربية من سياقها الطبيعي سيعني أن عليها [حينذاك] التنافس مع المواد المُصنعة" على الكفاءة، وستكون الأسلاك النانوية "في موقف صعب عند التنافس مع شيء مثل الفلزات الموصلة"، وكانت سارة قد عملت في السابق مع لوفلي، لكنها ليست مشارِكةً في أبحاثه الحالية، وتركز بدلًا من ذلك على التعديل الوراثي للبكتيريا الموصلة للكهرباء من أجل تطبيقات مثل المستشعرات البحرية.

وتقول سارة إن الأسلاك النانوية ستكون لها ميزة في بيئات مثل المحيط أو الجسم البشري، وهي البيئات التي تسبب تآكل الإلكترونيات التقليدية، لكنها تقول إنه حتى في تلك البيئات، سيظل على الأسلاك النانوية التنافس مع مواد مثل البوليمرات المتوافقة حيويًّا، وهي تفضل العمل مع الميكروبات الحية لأنها "لا تمتلك مادةً حاملةً للإلكترونات وحسب، بل لديها المجموعة المعالجة للمعلومات بأكملها داخل الخلية ذاتها".

وعلى الرغم من أن الباحثين يعملون بالفعل على إيجاد تطبيقات لكلٍّ من الخلايا الحية والأسلاك النانوية المحصودة، بل واستكشفوا تعديل بكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coli الشهيرة لإنتاج الشعيرات البكتيرية، تظل الأسئلة ماثلةً حول البروتينات التي تشكل الأسلاك النانوية الأكثر إنتاجية، إن فهم ما إذا كانت الشعيرات البكتيرية أو نوع آخر من الأسلاك النانوية هي التي تحمل الجزء الأكبر من كهرباء بكتيريا جيوباكتر من شأنه أن يرشد العلماء نحو اختيار أفضل المواد لصناعة الإلكترونيات.

يقول نيخيل مالفانكر، اختصاصي الفيزياء البيولوجية الذي عمل سابقًا مع لوفلي، لكنه يعمل حاليًّا في مختبره الخاص بجامعة ييل: "ظن الجميع -ومن ضمنهم نحن أنفسنا- أنها [الأسلاك النانوية الأساسية] هي الشعيرات البكتيرية"، لكن في العام الماضي، قام مالفانكر وزملاؤه بتصوير بكتيريا جيوباكتر بمجهر إلكتروني، وخلصوا إلى أنه بدلًا من بروتينات البايلين الشبيهة بالخيوط، فإن مجموعات من بروتينات تُسمى السيتوكرومات cytochromes هي التي تشكل الطريقة الأساسية لنقل كهرباء الميكروبات، وفحص الباحثون غشاءً حيويًّا للبكتيريا من خلال تجارب التعديل الوراثي، إضافةً إلى عدد من تقنيات التصوير، وتقول سارة جالفن إنهم "استنفدوا كل الوسائل الممكنة" للحصول على صورة دقيقة للأسلاك النانوية التي تستخدمها بكتيريا جيوباكتر، وقد حدد فريق جامعة ييل سيتوكرومًا ناقلًا معينًا فائق الكفاءة يُسمى OmcZ، تنتجه بكتيريا جيوباكتر استجابةً لوجود مجال كهربائي، باعتباره طريقة الغشاء الحيوي الأساسية لطرد الإلكترونات، وتقول سيبِل يالسين، المشاركة في الدراسة والفيزيائية بجامعة ييل: "الرؤية خير برهان، لذا أعتقد أن التصوير المجهري في غاية الأهمية".

غير أن الباحثين لا يزالون مختلفين حول أي الأسلاك النانوية هو الأهم؛ إذ انحاز بعضهم إلى جانب الشعيرات البكتيرية، في حين انحاز البعض الآخر إلى جانب بروتينات السيتوكروم، ويُعد لوفلي أحد المناصرين المخلصين لمعسكر الشعيرات، ويقول إنه عندما قام فريقه (الذي تضمَّن مالفانكر في ذلك الوقت) بالتعديل الوراثي لبكتيريا جيوباكتر بحيث تعجز عن إنتاج نوع معين من السيتوكروم، فإنها شكلت أغشيةً حيويةً كانت في الحقيقة أكثر توصيلًا للكهرباء من تلك التي أُنتجت بواسطة البكتيريا غير المعدلة، وتقول جالفن إن مختبرها وجد أن الكهرباء تنتقل في الغشاء الحيوي لبكتيريا جيوباكتر بواسطة بروتينات السيتوكروم "بصورة طاغية"، لكنها تذكر أن ثمة مختبرًا آخر بجامعة ميشيجن الحكومية يُجري أبحاثه بناءً على فرضية لوفلي حول الشعيرات البكتيرية.

واستنادًا إلى أحدث أبحاثه، يفضل مالفانكر فرضية بروتينات السيتوكروم، غير أنه لم يستبعد وجود دور للشعيرات البكتيرية، وعن هذا يقول: "كل الخيوط التي وجدناها [عندما كانت البكتيريا توصل الكهرباء على نحوٍ نشط] كانت من السيتوكرومات، لكن ماذا لو كانت تصنع الشعيرات في ظل ظروف معينة؟ هذا سؤال مفتوح للنقاش وبحاجة إلى إجابة في واقع الأمر".

إن الدافع وراء تحديد البروتينات الموصلة في بكتيريا جيوباكتر ربما يساعد الباحثين على تطوير إلكترونيات حية أكثر كفاءة، وحتى من دون المعرفة الكاملة بألغاز الميكروبات الموصلة للكهرباء، ربما تكون الأجهزة الإلكترونية القائمة على البكتيريا ممكنةً في وقت قريب، يقول لوفلي إن الوقت لا يزال مبكرًا، "لكن إلى الآن كل شيء يسير في هذا الاتجاه، لقد عملت مع زملاء رائعين يعلمون تمامًا كيف ينجزون الأشياء بواسطة المواد الإلكترونية، وكل بضعة أسابيع قليلة، تتفتق أذهانهم عن شيء جديد".