عند منتصف الشريط الساحلي لولاية جورجيا، تقع جزيرة سابيلو المُحاطة بأكثر من 4 آلاف فدانٍ من المستنقعات المالحة وتتمتع بمساحات شاسعة من الحشائش المُورِقة التي تتألق باللون الذهبي في الشهور الأكثر برودةً من العام، ولكن هذه الجزيرة الحاجزة الفاتنة تشهد بعضًا من أشدّ آثار التغيُّر المناخي، متمثلةً في تسرُّب مياه البحر إليها وتعرُّضها للعواصف الشديدة والفيضانات.

وقد لاحظ العلماء ظاهرةً أكثر خفيةً واستثنائيةً تحدث للجزيرة على مدار السنوات العديدة الماضية؛ فأحد السلطعونات النَّاقِبة الذي كان غير ملحوظ يقضي فجأةً على رِقاع من الأعشاب الحبلية التي تنمو في المستنقعات، وهذه الأعشاب عبارة عن نبات يحافظ على مساحات واسعة من المستنقعات الساحلية في الجنوب ويحمي الأنواع المُعَرَّضة للخطر، يبدو أن "سلطعون المستنقعات الأرجواني الصغير" Sesarma reticulatum يعيد تشكيل ملامح مستنقعات الجزيرة، ويعمل على تجزئتها أيضًا.

استعانت شينيد كروتي، اختصاصية الإيكولوجيا ومديرة المشاريع في مُختَبَر احتواء الكربون بجامعة ييل، بصورٍ جويةٍ لتوثيق تأثير السلطعون على المستنقعات على طول الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة، ولدراسة سبب التَّغيُّرات، دمجت كروتي وزملاؤها تحليل الصور الجوية مع بيانات المد والجزر السابقة والنماذج العددية لارتفاع منسوب سطح البحر.

Purple marsh crabs
جداول المد والجزر المتكوّنة آخذة في التَّوَسُّع بسبب سلطعونات المستنقعات الأرجوانية Credit: Sinead Crotty 

وأظهرت نتائجهم التي نُشِرَت في دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز يو إس إيه" Proceedings of the National Academy of Sciences USA أن السلطعونات هي المسؤولة عن تغيير استجابة المستنقعات المالحة لارتفاع منسوب سطح البحر عن طريق التهام الأعشاب الحبلية عند رؤوس جداول المد والجزر، يقول الباحثون إن ارتفاع منسوب المياه الناتج عن التغيُّر المناخي قد أدى إلى تليين تربة المستنقعات، وهو ما خلق ظروفًا مثاليةً للسلطعونات الناقبة كي تشق طريقها في هذه المناطق، وعندها يؤدي النشاط المتزايد للسلطعونات إلى تشكُّل جداول مائية أطول وأوسع تستنزف المستنقعات إلى المحيط، وعلى مدار السنين، تحوِّل هذه العملية المستنقعات من أراضٍ عشبية مُتَجاوِرة إلى رِقاع متشقّقة بفعل الجداول المائية التي ترعى فيها السلطعونات.

ويُشكِّك هذا الاكتشاف في النموذج الذي كان قائمًا لفترة طويلة وذهب إلى أن عوامل مثل تدفُّق المياه والرواسب والنباتات والنشاط البشري وحدها -وليس الحيوانات- هي التي تُشَكِّل كيفية استجابة المستنقعات المالحة لارتفاع منسوب سطح البحر، ويقول الباحثون إن هذا السلطعون قد يكون أول كائن حيّ يتم اكتشاف وصوله إلى حالة الأنواع الرئيسية، أي كائن حي له أهمية وتأثير غير متناسبَين في نظامه الإيكولوجي، بسبب التغيُّر المناخي، ومن المستبعد أن يكون الأخير الذي يصل إلى هذه الحالة.

تقول كروتي: "إنه لأمر مذهل حقًّا أن يتمكن هذا الكائن الصغير جدًّا، بقُطْر بوصة أو اثنتين، من تغيير مَعلَم كبير مثل المظهر الطبيعي لمستنقع بأكمله، على نحوٍ يُمكِن ملاحظته من خلال صور "جوجل إيرث" Google Earth.

وتقول ميريل ألبير، مديرة المعهد البحري التابع لجامعة جورجيا والواقع على جزيرة سابيلو: إن العلماء العاملين على ساحل ولاية جورجيا كانوا يعلمون بالفعل أن سلطعون السيزارما Sesarma يُوَسِّع من جداول المد والجزر عن طريق الرعي على الأعشاب الحبلية، لكن هذه الدراسة الجديدة تشير إلى أن ممارسات السلطعونات ربما تُسَرِّع من وتيرة فقدان المستنقعات على المدى الطويل بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار، وأضافت قائلةً: "تقودنا هذه النتيجة إلى أن مستنقعاتنا قد تكون أكثر عرضةً للخطر مما كنا نعتقد"، لم تُشارِك ألبير بشكل مباشر في الدراسة، ولكن المعهد قدَّم الدعم اللوجستي للفريق البحثي.

صادفت كروتي سلطعون السيزارما لأول مرّة عندما كانت طالبةً جامعيةً في مُختَبَر جامعة براون تحت إشراف المؤلف المُشارِك مارك بيرتنس؛ ففي عام 2011، اكتشف فريق بيرتنس أن السلطعونات كانت وراء حالات الاندثار المفاجئ للمستنقعات في كيب كود، بعد أن أدى الصيد الجائر للأسماك إلى تضاؤل أعداد الأصناف المفترسة مثل سمك القاروص المخطط، ففي السابق، كانت تربة المستنقعات الواقعة في أقصى الجنوب قاسية لدرجة تصعّب جدًّا على السلطعونات استغلال ما لديها من مخالب بشكل كبير، وقد تساءلت كروتي وزملاؤها حول ما إذا كان ارتفاع منسوب سطح البحر يُمكِن أن يجعلها أكثر ليونة.

وقد حلل الفريق بيانات المد والجزر، واكتشف أن المستنقعات الجنوبية أصبحت الآن تُغمَر لمدة أطول بمقدار ساعة واحدة يوميًّا عما كانت عليه في تسعينيات القرن العشرين، ويقول الباحثون إن هذه العملية قد نجحت بالفعل في تليين التربة، الأمر الذي ساعد السلطعونات النَّاقِبة على النمو بقوّة، تشير الصور الفوتوغرافية الجوية الملتقَطة على طول الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة إلى زيادة عدد الجداول المائية بالمستنقعات التي ترعى فيها سلطعونات السيزارما بمعدل مرتين ونصف في المتوسط عن المعدل المرصود خلال الفترة من التسعينيات حتى أواخر العقد الثاني من هذا القرن، ففي مناطق الدراسة، وجد الفريق أن التمدُّد السريع للجداول المائية التي ترعى فيها السلطعونات أدّى إلى زيادة استنزاف المستنقعات بنسبة تصل إلى 35٪.

فعن طريق القضاء على الأعشاب الحبلية، تدمر السلطعونات أيضًا الغطاء الواقي للحيوانات بالغة الأهمية إيكولوجيًّا، ومن ضمنها الحلزونات وغيرها من الرخويات، وقد فحص الباحثون مستويات الافتراس على جزيرة سابيلو عن طريق ربط الحلزونات وبلح البحر بخيوط الصيد بالقرب من الجداول المائية المرعية وغير المرعية، فاكتشفوا أن هذا الفقدان للغطاء يُمكِن أن يجعل اللافقاريات الصغيرة -التي توفّر الغذاء للأنواع المهمة تجاريًّا، مثل السلطعون الأزرق والأسماك الحمراء- أكثر تعرُّضًا لنوبات الإطعام الضارية، وفق ما أفادت به كروتّي، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى اختلال أنظمة إيكولوجية بأكملها.

وتقول كريستين أنجليني، اختصاصية الإيكولوجيا بجامعة فلوريدا والباحثة الرئيسية للدراسة: إن الأنشطة البشرية تعيد تعيين الأنواع التي لها الهيمنة الأكبر على سلوك النظام الإيكولوجي، ووفقًا لملحوظاتها، فبسبب الصيد الجائر للأسماك والتغيُّر المناخي، إن سلطعونات المستنقعات الأرجوانية "تعيث الخراب في كل مكان" عبر جميع المناطق التي تصل إليها.

لقد منح التغيُّر المناخي ميزةً خطيرةً للعديد من الأنواع؛ فاحترار المحيطات وتحمُّضها يُسَهِّل على الكائنات المفترسة -مثل قنافذ البحر- القضاء على الشعاب المرجانية تدريجيًّا، وتتراجع النباتات الأصلية أمام الأصناف الدخيلة التي يُمكِنها أن تزدهر في وقت أبكر مع الطقس الدافئ، وقد ساعدت درجات الحرارة المرتفعة في منطقة الكاريبي أسماك التنين الجائرة المدمرة للشعاب المرجانية على توسيع نطاق وجودها هناك، لكن العلماء لم يُوَثِّقوا من قبل هذه الكائنات الحية التي تمارس التَّأثير نفسه الذي تمارسه سلطعونات المستنقعات الأرجوانية على وظائف عمل النظام الإيكولوجي، بدءًا من شكله الفعلي وحتى التفاعل بين المُفتَرِسات والفرائس.

تقول ليندا بلوم، اختصاصية الإيكولوجيا بجامعة فيرجينيا والتي لم تشارك في الدراسة: "لا أجد أي داعٍ للشك في أن التغيُّر المناخي سيغيّر من تفاعلات الأنواع بحيث تنشأ أنواع رئيسية جديدة"، ولكنها تضيف أن استنتاج الفريق بأن ارتفاع منسوب سطح البحر يخلق موئلًا جديدًا للسلطعون عن طريق تليينه تربة المستنقعات مبني على "الكثير من الأدلة الظرفية"، وتقترح أنه يجب اختبار الاستنتاج بالتجارب الميدانية للوقوف على مسألة ما إذا كانت أنشطة السلطعونات نفسها هي التي يمكن أن تُسهِم في نقب التربة على نحوٍ أيسرَ أم لا.

والآن يدرس الباحثون كيف أن النشاط المتزايد لسلطعونات سيزارما على جزيرة سابيلو قد يؤدي إلى تعريض الكربون المدفون للهواء، فضلًا عما إذا كانت السلطعونات ترفع تركيزات الملوّثات من موقع قريب خاضع لقانون الاستجابة البيئة الشاملة والتعويض والمسؤولية (superfund) عن طريق تراكُم هذه المواد الكيميائية في أجسامها.

وتقول أنجليني في النهاية إن هناك حاجةً أيضًا إلى مزيد من العمل لفهم ما إذا كانت السلطعونات تؤثر على سرعة انتقال البحار داخليًّا أم لا، وتضيف قائلةً: "لا نعرف أهذه هي الخطوة الأولى نحو غرق المستنقعات في نهاية المطاف أم ستظل المستنقعات مستقرةً وتواصل وجودها لعقود في هذه الحالة المتصدعة".