أسهمت إجراءات التباعُد المتَّبعة في ظل تفشِّي جائحة «كوفيد-19» COVID-19، إلى حدٍّ ما، في تفاقُم صعوبات التواصل الجسدي والاجتماعي، خلال هذه الفترة، كانت ميلي سالفاتو، الطالبة في مرحلة الدراسات العليا بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الواقعة غربيّ الولايات المتحدة، تعاني من جَرَّاء ابتعادها عن صديقتها التي تعيش بعيدةً عنها في مدينة تقع شرقيّ البلاد.

في بعض الأحيان لا تكفينا المحادثة النصية أو مكالمة الفيديو، ولهذا، غالبًا ما يتوق الأشخاص الذين يمرون بتجربة مثل التي مرت بها سالفاتو إلى وسيلة تمكِّنهم -عن بُعد- من إرسال ضغطة يد حنونة أو عناق مطَمْئن، وفي هذا السياق، قدمت دورية «آي إي إي إي ترانزاكشنز أون هابتيكس» IEEE Transactions on Haptics عرضًا مفصلًا لدراسة أجرتها سالفاتو وزملاؤها، استطاعوا من خلالها ابتكار غطاء أسطواني للذراع يشبه كُم القميص، يمكن من خلاله محاكاة فعل التلامُس البشري، ومن ثم نقل المحتوى المعنوي الذي تتضمنه الرسائل الإلكترونية في صورة محسوسة.

يقول جريجوري جرلينج، الباحث المتخصص في دراسات التلامس بجامعة فيرجينيا الأمريكية، والذي لم يكن ضمن الفريق الذي تولى إعداد هذه الدراسة: "إن الدراسة تُعَد عملًا فريدًا، يدرس كيف تتولد المعاني عن التلامس في حياتنا الاجتماعية، ومن ثم... كيف يمكن إعادة إنتاج هذه العملية في العالم الافتراضي".

قامت سالفاتو وزملاؤها بفحص الطريقة التي عبّر بها 37 مبحوثًا عن التواصل الاجتماعي في مواقف مختلفة؛ ففي كل واحد من الاختبارات التي أجراها الفريق، ارتدى أحد المبحوثين في إحدى ذراعيه جهازًا يستشعر الضغط الناتج عن التلامس، ثم لامسه شخص آخر للتعبير عن عدة مواقف تعكس ستة معانٍ مستهدفة، وهي: جذب الاهتمام، والامتنان، والسعادة، والتهدئة، والحب، والحزن.

وبعد مراجعة 661 حركة تتضمن التلامس -مثل ضغطة اليد، والتربيت، والمصافحة، واللكز- عيّنت سالفاتو وزملاؤها، في كل حركة من هذه الحركات، المنطقة التي حدث فيها التلامس في الذراع ومقدار الضغط في كل مرة، ثم استعان الفريق بإحدى خوارزميات التعلم الآلي لتحديد حركات التلامس التي مثّلت جزءًا وثيقًا من الاستجابة في كل واحد من هذه المواقف، وأخيرًا، قام الفريق ببرمجة جهاز يشبه كمَّ القميص ليكون قادرًا على محاكاة حركات التلامس تلك، وهو جهاز يحتوي على ثمانية أقراص مثبتة داخله تُصدر ذبذبات عند تلقّيها الإشارات الإلكترونية.

تقول سالفاتو: "قد لا يكون هذا الجهاز قادرًا على إمدادك بإحساس اليد البشرية الحقيقية... ولكنه في الوقت ذاته لا ينقل إليك إشارات جافة متقطعة" مثل تلك التي تنقلها الأقراص المتحركة الضخمة، مضيفةً: "إنه في الحقيقة يمنحك شعورًا لطيفًا".

وقد نجح 30 مشاركًا جديدًا انضموا إلى الدراسة في الربط بين حركات التلامس التي تمت محاكاتها رقميًّا والمعاني الستة المستهدفة، بنسبة بلغت 45 بالمئة، وهو ما يفوق نسبة الربط العشوائي بمقدار 2.7 ضِعف، رغم أن هؤلاء المبحوثين الجدد لم يكونوا قد تلقوا أي تدريب، وعلى سبيل المقارنة، نجد أن دراسة سابقة أُجريت في المختبر الذي يعمل فيه جرلينج أوضحت أن المبحوثين فيها تمكنوا من الربط بين التلامس البشري الحقيقي والمعاني المستهدفة بنسبة نجاح بلغت 57 بالمئة.

يقول جرلينج عن الدراسة الجديدة: "أعتقد أن الارتفاع الكبير في نسبة المبحوثين الذين استطاعوا استيعاب المعاني المنقولة إليهم عن طريق التلامس وتحديدها بدقة أمرٌ لافت، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار المعلومات الشحيحة التي كانت متوافرة لدى هؤلاء المبحوثين".

أوضحت لنا الدراسات السابقة أن التلامس الاجتماعي أمرٌ جوهري لضمان الصحة الجسدية والنفسية، ولهذا، قد نجد أنفسنا في المستقبل لا نعتمد على لوحة مفاتيح الهاتف أو الحاسوب لإرسال رمز<3  إلى أحد الأشخاص تعبيرًا عن الحب، بل نجنح إلى إضافة "صورة رمزية (إيموجي) تعبّر عن التلامس" إلى محادثاتنا الرقمية، لكي نحقق شعورًا أعمق بالحميمية مع مَن نحب.