في سَبْق هو الأول من نوعه، يستعد الباحثون الطبيون لرصد عملية تكوُّن حصى الكلى بجميع مراحلها، وذلك بفضل رؤى استقوها من مصدر غير متوقع، ألا وهو عِلم الجيولوجيا، ويسعى الباحثون إلى استحداث طرق يمكن من خلالها إيقاف نمو حصى الكلى أو الإبطاء منه، مستعينين في جهودهم بالجمع بين ذلك الإطار النظري الجيولوجي الجديد، والإمكانيات التطبيقية التي توفِّرها مجموعة من الأدوات المجهرية المتطورة، وجهاز حديث يتيح بتخليق حصى الكلى مخبريًّا.

يرجع سبب مرض حصوات الكلى إلى تشكُّل بلورات معدنية خشنة في البول داخل الكلى، ويعاني من هذه المشكلة المؤلمة واحد من كل عشرة أشخاص بالغين، ولكن معدلات الإصابة في تزايُد، خاصةً بين النساء والمراهقين، وتصف مارجريت بيرل -أخصائية المسالك البولية، والتي تعمل على علاج أمراض حصوات الكلى في المركز الطبي بجامعة تكساس ساوثويسترن، ولم تشارك في البحث الجديد- مرض حصوات الكلى بأنه "شائع الحدوث ومُنهِك ومُكلِّف، سواء بالنسبة لنظام الرعاية الصحية أو للأفراد، وعلاوةً على ذلك، فهو يحدث بصورة متكررة أيضًا؛ فإذا ظهرت لديك حصاة، فهناك احتمال بنسبة 50% أنك ستتعرض للإصابة بها مجددًا عن قريب".

غيَّر عالِم الجيولوجيا بروس فوك وجهة عدسة المجهر الخاص به، وانتقل من دراسة الشعاب المرجانية إلى دراسة حصى الكلى منذ حوالي عقد من الزمان، وبالعمل جنبًا إلى جنب مع علماء الأحياء والأطباء في المجموعة الطبية مايو كلينيك وجامعة إلينوي في مدينة إربانا-شامبين الأمريكية، اكتشف فوك أن حصى الكلى تتشكل بطريقة مماثلة لتلك التي تتشكل بها العديد من الأحجار الأخرى في الطبيعة؛ إذ لا تتبلور على مرحلة واحدة، بل تذوب جزئيًّا ثم تعيد تشكيل نفسها عدة مرات، تقول أيمي كرامبيك، وهي من الباحثين المشاركين لفوك وأخصائية مسالك بولية بالمستشفى التابعة لجامعة نورثويسترن: "كانت هذه هي اللحظة التي أدركنا فيها أن حصى الكلى لها طبيعة مُتغيِّرة إلى حدٍّ كبير، وأنها تذوب في مرحلةٍ ما من مراحل تكوُّنها، مما يشير إلى أنه ربما تكون هناك طريقةٌ ما لاستغلال مرحلة الذوبان هذه في علاج الحصى".

Section of a kidney stone.
مقطع من حصاة كلى Credit: Mayandi Sivaguru and Bruce Fouke

تذْكُر كرامبيك أنه طالما كان هناك عجزٌ شديدٌ في النماذج الحيوانية والمخبرية الجيدة التي يمكن استخدامها في دراسة تكوُّن حصى الكلى، الأمر الذي دفع الفريق لتصميم جهاز جديد يُعرف باسم «جيو-بيو-سيل» GeoBioCell، وهو عبارة عن خرطوشة تحاكي في تصميمها البنى الداخلية المعقدة للكُلى، ويتيح هذا الجهاز للعلماء دراسة عوامل مختلفة -تتضمن نشاط خلايا الكلى، فضلًا عن طبيعة ميكروبيوم البول وتركيبه الكيميائي وتدفُّقه– وقياس مدى ارتباطها بنمو الحصى وتأثيرها على ذلك، إذ يمكن للتغيير في أيٍّ من تلك العوامل أن يؤدي إلى تغيير في مسار تطور الحصى وذوبانها.

اعتمد الفريق في آخر أبحاثهم بصورة أساسية على جهاز «جيو-بيو-سيل» لدراسة نمو بلورات أوكسالات الكالسيوم، والتي تُشكِّل 70% من حصوات الكلى، ونشروا ملخصًا للنتائج في دورية «نايتشر ريفيوز يورولوجي» Nature Reviews Urology، قبل انشغال فوك بالعمل على هذا المشروع البحثي كان هناك اعتقادٌ سائدٌ بأن ذوبان ذلك النوع من البلورات يكاد يكون مستحيلًا، وهو ما دحضه فوك وزملاؤه عندما اكتشفوا أن حصى الكلى تذوب جزئيًّا في الجسم لتنمو بعدها من جديد.

 ويستعين العلماء حاليًّا بجهاز «جيو-بيو-سيل» في دراسة كيفية تشكُّل الحصى بدقة، ويطمحون إلى تحديد طرق تمكِّنهم من التحكم في بدء مرحلة ذوبان الحصى أو إطالة أمدها باستخدام الأدوية، كما يستخدمون الجهاز الجديد أيضًا في اختبار مجموعة متنوعة من البروتينات، قد يكون من شأنها إيقاف نمو حصى الكلى إذا ما تم تناولها في صورة دوائية (ومنها بروتين osteopontin المرتبط بالعظام)، وبالإضافة إلى ذلك، يتحرى العلماء الدور الذي قد تؤديه كائنات حية دقيقة ومجتمعات ميكروبية بعينها في عملية تكوُّن الحصى.

ترى بيرل أن هذا العمل البحثي له قدرة هائلة على تحديد العمليات الكلوية، التي يمكن استهدافها بالأدوية أو غيرها من التدخلات الأخرى، كما تُرجِّح أنه سيحسِّن من قدرة الأطباء على التنبؤ بتكرار الإصابة بحصى الكلى وعلاجها.