خلال الموجة الأولى من جائحة «كوفيد-19»، خلت شوارع مدينة نيويورك، وغيرها من المدن الرئيسة من الحركة على نحوٍ عجيب ومخيف، وحلّت صافرات إنذار كئيبة محل الصخب والضجيج المُعتادَين، بَيد أن صوتًا لم يعهده قاطنو المدن بدأ يتنامى بكثرة إلى أسماعهم: غناء طيور يملأ الأركان، وفي نزهات السير خارج المنازل، التي وجدوا فيها المتنفس الآمن الوحيد بمنأى عن شققهم السكنية، صاروا يتنفسون هواءً أكثر نقاءً، كما أدت تدابير الإغلاق وتقييد الحركة إلى تقليل عدد السيارات على الطُّرق، ما كان له أثرٌ ملحوظ، على سبيل المثال، مقارنةً بالأعوام السابقة على شهر مارس من عام 2020، على امتداد الطريق السريع «آي-95» I-95، الممتد من العاصمة الأمريكية واشنطن إلى بوسطن، انخفضت بنسبة 30% مستويات ثاني أكسيد النيتروجين، أحد النواتج الثانوية لاحتراق الوقود الأحفوري في السيارات، والذي ينتج أيضًا عن توليد الكهرباء، ومع قدوم الصيف، صار بعض الناس يجلس في المناطق الملحقة بالمطاعم، خارج ساحات انتظار السيارات، ويتنقل على حارات الدراجات المنشأة حديثًا، ويوضح كريستيان براند -العالِم البيئي بوحدة دراسات النقل من جامعة أوكسفورد- ذلك بقوله: "سمحت هذه الآليات التكيفية العارضة مع جائحة كورونا للقاطنين بتجربة فوائد التحول عن "هيمنة السيارات على الطرق" التي كانت سائدة، على نحوٍ ما كانت لتحققه أبدًا المقترحات السياسية بشأن إنشاء بنية تحتية صديقة للمناخ"، أما الآن، فكما يقول كريستيان، "وعى الناس إلى الإمكانيات المحتملة".

وقد ناضل بعض الناس لبقاء هذا الوضع، فكانت باريس رائدةً في هذا التحوُّل المدفوع بالجائحة نحو الاستدامة البيئية، ويُذكر أن العاصمة الفرنسية كانت قد وضعت بالفعل خططًا للحد من استخدام السيارات والتشجيع على ركوب الدراجات قبل ظهور جائحة «كوفيد-19»، لكن في أواخر ربيع عام 2020، شُيد فعليًّا -بين عشية وضحاها- حوالي 50 كيلو مترًا من حارات الدراجات المؤقتة، التي عُرفت بمدرجات كورونا، وهي الآن جزء دائم من شبكة ركوب الدراجات بباريس، والمزيد منها قيد الإنشاء حاليًّا.

في ذلك الصدد، يقول براند إن هذه الخطوات تحققت في جانبٍ كبيرٍ منها بسبب الإرادة السياسية؛ فقد انصب تركيز حملة إعادة انتخاب آن هيدالجو عُمدة باريس على مواجهة آثار التغيُّر المناخي، وإلى جانب تقديم إعانات لشراء الدراجات وإصلاحها، شددت على الفوائد الصحية لخفض انبعاثات السيارات، واصفةً وضعًا تختلط فيه الملوثات مع فيروس تنفُسي مُعدٍ بأنه "مزيج خطير"، وفي مدن أخرى، مثل نيويورك، كانت التغيرات إما مؤقتة أو أكثر بساطة، ولربما كشفت تدابير الإغلاق عن إمكان التحوُّل إلى شوارع أكثر أمانًا وأفضل للصحة، إلا أن هذه الفرصة بدت في الأغلب كفكرة عابرة تداعب الخيال.