لم يكن بقاءُ البشر على كوكب الأرض من الأمور المُسلَّم بها قط؛ فالأرجح أننا واجهنا خطر الانقراض مراتٍ عدةً خلال ماضينا التطوُّري، حسبما تُفيد التحليلات الجينية، وقد تمكَّن فيروس كورونا المُستجد من اجتياح كوكبنا بسهولة، وهذا يُذكِّرنا بأنه ليست هناك ضمانات لبقاء البشر، لكن هذا ليس معناه أننا نوعٌ يُستهان به؛ فقد حققنا الكثير من الإنجازات على مرِّ تاريخنا القصير نسبيًّا؛ إذ تمكَّنَّا من تمديد متوسط أعمارنا، واكتسبنا معرفةً واسعةً بالعالم وبأنفسنا، وسخَّرنا الموارد لتحسين جودة الحياة، وشكَّلنا تاريخًا فنيًّا وثقافيًّا يتميزُ بالثراء، وبرغم كل شيءٍ، فإن الإرث البشري على ظهر البسيطة لا يضاهيه إرث.

كيف وصلنا إلى ما نحن عليه؟ يتضح لنا أن قصتنا التطوُّرية لا تتخذ مسارًا خطيًّا من أسلاف القردة العليا إلى البشر؛ فكلُ كشفٍ أحفوري بمنزلة عقدة في نسيج التطوُّر المتشابك الذي أدى إلى نشأة «الإنسان العاقل» homo sapien، ساعدتنا أدمغتنا كبيرة الحجم على النجاح في الاختبار المُعقَّد للبقاء البدائي، وربما منحتنا العلاقات الشخصية والإيثار أفضليةً قويةً على أشباه البشر، ولا يزال الطريق طويلًا أمام هذا التطوُّر؛ فالإنسان الحديث يواصل مسيرة التكيُّف مع عالمنا المتغير، حتى وإن شعرنا في أغلب الأحيان بأننا قد تفوقنا على الانتخاب الطبيعي بطريقةٍ ما.

ويا له من عالمٍ ذلك الذي بنيناه؛ فقد أنشأنا بنيةً ضخمةً من النظم المالية وشبكات الاتصال والتجارة العالمية وتكنولوجيا المعلومات، والمنافع التي تحقَّقت بفضل هذه النظم ليست موزَّعةً بالتساوي، ونتيجةً لهذا، يظل الكثير من البشر يعانون حرمانًا من الموارد الأساسية والرعاية الصحية، والآن بدأ بعض علماء الاقتصاد يتساءلون عما إذا كنا نستخدم الأدوات المناسبة عند تقدير قيمة مجتمعٍ من المجتمعات، ومن المؤكَّد أن متوسط العمر قد تضاعف لأكثر من ثلاثة أمثاله خلال مسيرة قصتنا التي استغرقت مليوني عام إلى الآن، وفي الوقت ذاته، سيؤدي تسارُع الاحترار العالمي، وتزايُد استغلال الأراضي، وتفاقُم اللامساواة بين البشر إلى ظهور مخاطر جديدة تتهدد الصحة وطول العمر دون شك.

وقد كان للإنجازات البشرية آثارٌ كبيرةٌ على الكوكب، وصولًا حتى إلى طبقات الأسفلت والمواد البلاستيكية والنفايات النووية التي نُخلِّفها وراءنا، وتلك الآثار ربما تكون مستديمةً بما يكفي للإيذان بحقبةٍ جيولوجيةٍ جديدة، وسيتطلب التغيُّر المناخي الحاد تحركاتٍ جريئةً من جانبنا، كما سيفرض علينا اتخاذ إجراءات تكيُّفية، تشمل التعامل مع التأثير غير المتكافئ للتدهور البيئي على الشعوب الفقيرة والمقهورة.

إن عبقريتنا التي وضعتنا على قمة الهرم الغذائي التطوُّري يمكنها أيضًا أن تُسرِّع من وتيرة حدوث تحسينات كبرى في الحياة على الأرض؛ فالمدن -التي تضم أكثر من نصف سكان العالم- ربما تصبح مراكز حيوية للحلول المستدامة التي تقلل استهلاك الموارد والتلوث في آنٍ واحد، كما يمكن للمجتمعات المحلية والريفية التي تدير إنتاجها الغذائي وثروتها أن ترتقي درجاتٍ إضافيةً على سلم الاكتفاء الذاتي وأن تصبح أكثر انسجامًا مع العالم الطبيعي.

بطبيعة الحال، لا يزال لقصتنا بقية؛ فإذا اتخذنا القرارات الصائبة الآن، ربما تُسمى الحقبةُ التالية على الأرض بالحقبة السابيزويةSapiezoic ، أو «الحياة الحكيمة»، ستمتاز تلك الحقبة بالرخاء والسلام المستدامين لجميع الشعوب، وستُبنى دعائمها على ما ننفرد به نحن البشر من قدراتٍ إبداعيةٍ لا تتزعزع، وتُعد بلا ريب من صميم بشريتنا.