اعتدنا في الأبحاث الخاصة بخلايا الوقود fuel cell أن نقرأ أسماءً لمعادن مثل النيكل والبلاتين، أو غازات مثل الأكسجين والهيدروجين، لكن الغريب والمدهش أن نجد في عنوان البحث كلمة "هيموجلوبين".

تشير نتائج الدراسة، التي نشرتها دورية أبليد ماتيريال& إنترفيسس إلى أن خلايا الوقود غالبًا ما تستخدم معدن البلاتين كعامل حفاز ذي كفاءة عالية يساعد على إتمام التفاعل، إلا أن هذا الاستخدام يظل محدودًا، نظرًا إلى ارتفاع سعره، ومن ثم فإن التحدي الذي يواجه الباحثين هو البحث عن محفزات بذات الكفاءة أو أفضل لكن أقل سعرًا. ووفق الدراسة، تمكن الفريق البحثي من استخدام الهيموجلوبين بديلًا للنيكل.

ومن المعروف أن الهيموجلوبين مادة طبيعية لديها ميل إلى الارتباط بالأكسجين، وهو عبارة عن بروتين محمول داخل خلايا الدم الحمراء، يحتوي على ذرات الحديد، ووظيفته التقاط الأكسجين من الرئتين وتسليمه إلى خلايا الجسم للحفاظ على حياة الكائنات الحية، وهذه الوظيفة دفعت فريقًا بحثيًّا مصريًّا للتفكير في استخدامه كعامل حفاز لاختزال الأكسجين بخلايا الوقود القلوية.

يقول حمدي حسنين -أستاذ الكيمياء الكهربية بجامعة عين شمس، وأحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن ما يميز تلك المحاولة هو استخدام الهيموجلوبين في صورته الطبيعية، للقيام بعملية اختزال للأكسجين في القطب السالب (الكاثود) داخل خلايا الوقود القلوية".

التحدي القائم

وتتكون خلايا الوقود القلوية من قطبين كهربائيين، أحدهما يسمى المصعد أو الأنود، والآخر يسمى المهبط أو الكاثود، تفصلهما أغشية فصل شبه نفاذة تسمح بمرور البروتونات فقط، وتقوم آلية عملها على أكسدة الهيدروجين عند الأنود باستخدام عامل حفاز، فينقسم إلى إلكترون واحد (شحنة سالبة) وبروتون واحد (أيون هيدروجين موجب الشحنة)، ويسمح غشاء الفصل بعبور البروتون مباشرة إلى الكاثود عبر المحلول الموصل (الإلكتروليت)، بينما ينتقل الإلكترون عبر سلك توصيل إلى الكاثود.

ووفق حسنين، ضمت الدراسة باحثين من تخصصات مختلفة، مثل محمد الكردي -المدير المشارك لمركز علوم المواد بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا- الذي تمكن من تصنيع مادة جديدة من جزيئات الهيموجلوبين، جرى احتواؤها داخل شبكة من البوليمرات المسامية، مركبة على صفائح الجرافين الموصلة للكهرباء، مما يوفر مركبًا قادرًا على تحفيز عمليات اختزال الأكسجين.

ويوضح حسنين أنه جرى استخدام بوليمر عضوي مسامي من مركب (البريميدين) لتثبيت الهيموجلوبين على سطح أقطاب خلايا الوقود، بحيث يكون بمنزلة غطاء للهيموجلوبين يمنع انتشاره السريع بالماء، مما يطيل من عمره، في حين يسمح للأكسجين بالدخول إليه متحررًا من جزيئات الماء، مما يزيد من فاعلية اختزاله.

يضيف حسنين أنه "في هذه اللحظة نفسها يتم ضخ غاز الأكسجين المتوفر بالهواء المحيط إلى قطب الكاثود (المهبط)، الذي يُختزَل إلى أيونات هيدروكسيد، مستخدمًا الإلكترونات التي وصلت إليه عبر الدائرة الخارجية مولدةً تيارًا كهربائيًّا مستمرًّا، أما أيونات الهيدروكسيد والبروتونات فتتحد في المحلول مكوِّنةً جزيئات الماء "H2O" النقي التي تتدفق إلى خارج الخلية كناتج ثانوي".

وتأتي نتائج الدراسة في سياق البحث الدائم عن مصادر للطاقة النظيفة، التي أصبحت مطلبًا عالميًّا؛ إذ تشكل خلايا الوقود التي تحوِّل الطاقة الكيميائية إلى طاقة كهربائية تحديًا مهمًّا في هذه العملية.

نتائج متقاربة

خضع استخدام الهيموجلوبين في خلايا الوقود بديلًا للعوامل الحفازة الأخرى -ومن بينها البلاتين- لقياسات معملية أثبتت تقارُب قيم جهد البداية لاختزال الأكسجين مع استخدام أيٍّ من الهيموجلوبين والبلاتين.

يقول حسنين: بينما كان جهد البداية مع البلاتين 0.82 فولت، كان مع الهيموجلوبين 0.81 فولت، أي أن الفارق بينهما 0.01 فولت، وتفتح هذه النتيجة آفاقًا كبيرة أمام استخدامات أوسع لخلايا الوقود الهيدروجينية، التي لم تحقق الانتشار الواسع، رغم أن تاريخ استخدامها يعود إلى مطلع الثلاثينيات، وذلك بسبب تكلفتها المرتفعة؛ إذ يُعَدُّ وجود معدن البلاتين العنصر الأساسي المتسبب فيها".

ويعود الفضل للمهندس الإنجليزي، فرانسيس توماس باكون، في تصميم أول خلية وقود في عام 1932، واستخدمتها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في مطلع الستينيات، مع رحلة سفينة الفضاء "أبولو"، احتاجت ناسا آنذاك إلى طريقة لتزويد رحلات الفضاء بالكهرباء والماء، وكانت خلايا الوقود هي الحل، خاصةً أن الماء يُعَدُّ أحد مخرجاتها.

يقول حسنين: "إن خلايا الوقود كانت في هذه البدايات أكبر حجمًا وأغلى سعرًا، وعامًا بعد الآخر، يحاول الباحثون الوصول لخامات تساعد على تخفيض السعر، ونتمنى أن يكون بحثنا حول استخدام الهيموجلوبين مفيدًا في هذا الإطار"، مضيفًا أن "الهيموجلوبين يمكن توفيره، سواء من مصادر حيوانية أو بتحضيره معمليًّا، مثلما نجح الباحثون من قبل في تحضير الإنسولين".

تطبيقات طبية

تفتح الدراسة آفاقًا لتطبيقات عدة تتجاوز الأشكال التقليدية، فإذا كان المعتاد استخدام تلك الخلايا في شحن الأجهزة الالكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، أو في السيارات الكهربائية، أو حتى على نطاق أكبر في محطات الكهرباء، لتكون بديلًا للمحطات التقليدية التي ينتج عنها عوادم وأصوات مزعجة، فإنه يمكن أن يكون لها تطبيقات طبية، وهو ما يفسر وجود طبيب القلب الشهير، مجدي يعقوب، ضمن أعضاء الفريق البحثي.

يوضح حسنين أنه "يمكن على سبيل المثال إعداد مستشعر يقيس نسبة الأكسجين في مجرى الدم في أثناء العمليات الجراحية، بحيث يتم التعبير عن وجود الأكسجين بقيمة التيار الكهربي الناتج من المستشعر، فكلما كان هذا التيار مرتفعًا، كان ذلك مؤشرًا على وجود نسب أعلى من الأكسجين في الدم".

وضوح مجالات التطبيق

من جهته، يرى بدوي أنيس -الباحث بقسم الطيف بالمركز القومي للبحوث- أن وضوح مجالات التطبيق يُعَدُّ إحدى مزايا الأبحاث التطبيقية، مثل البحث الخاص باستخدام الهيموجلوبين؛ إذ توجد أبحاث تهتم بتوصيف المواد وتحسين خصائصها، ليستفيد باحثون آخرون من هذه التحسينات في أبحاث تطبيقية، ما يعني أن تكامُلًا حدث بين المجموعتين، إضافة إلى التكامُل الذي حدث بين التخصصات المختلفة، وفق قوله.

يضيف أنيس، في تصريحات لـ"للعلم"، أنه "من المهم تعميم هذا الأسلوب في البحث العلمي للخروج بأبحاث تحمل قيمة بحثية عالية وأفكارًا مبهرة مثل هذا البحث".

وأشار إلى أن أبرز ما لفت انتباهه في هذا البحث هو الكيفية التي استطاع بها الباحثون توظيف الهيموجلوبين للقيام بمهمة تحفيز عمليات اختزال الأكسجين، مضيفًا أن "فكرة استخدام البوليمرات المسامية المحملة على صفائح الجرافين لتحسين كفاءة الهيموجلوبين للقيام بهذه العملية تحمل إدراكًا عاليًا جدًّا لطبيعة كل مادة ووظائفها وما يمكن أن تقوم به".