في عام 1933، اصطدم قائد دراجة هوائية بطفل صغير، يبلغ من العمر ست سنوات، كان يلعب في أحد شوارع مدينة مانشستر، بولاية كونيتيكت الأمريكية. كان الاصطدام بسيطًا لكنه أدى إلى وقوع الطفل بزاوية خطرة، ما تَسبَّب في ارتطام رأسه بالرصيف على نحوٍ عنيف أدى إلى كسر في جمجمته. جرى تدارك الأمر سريعًا، إذ نقله والداه إلى المستشفى، وهناك حصل على الرعاية الطبّية اللازمة، ومع الوقت، نسي الجميع ما حدث.

إلا أن مشكلة صحية أكبر بدأت في الظهور؛ إذ تطورت لدى الصغير "هنري" مجموعة من الأعراض عصبية المنشأ، فقد يكون في الشارع أو المدرسة يلعب مع أصدقائه مثلًا، أو يتحرك في ردهات البيت، أو يحلّ واجبه المدرسي، عندما تصيبه فجأةً تشنُّجات أو نوبات إغماء مفاجئ.

مع استمرار المشكلة، كان من الواضح أن حياة "هنري" تواجه مأزقًا حقيقيًّا، وبوصوله إلى سن الخامسة عشرة، أصبح الوضع أصعب، والنوبات تتكرر على مدار فترات زمنية أقصر. توقفت حياة "هنري" بالكامل، وكذلك حياة عائلته، وتطوّر الأمر ليقوده إلى ترك المدرسة. أصابته كل هذه التداعيات بحالة من الاكتئاب وعدم الرغبة في الحياة، خاصةً مع تقدُّمه في السن، وتبدُّد فرص العلاج.

وسط لحظات اليأس هذه، يظهر اسم الطبيب الأمريكي ويليام سكوفيل، الذي كان وقتها واحدًا من أطباء المخ والأعصاب ذائعي الصيت، والذين اشتهروا بالجراحات العنيفة التي يُجرونها على المرضى. كان علم المخ والأعصاب آنذاك في مراحله المبكرة. في هذه الفترة من تاريخ الطب، لم يكن لدينا أصلًا فكرة عن طريقة عمل هذا الجهاز البشري الغريب، ولا عن وظائفه.

فحص "سكوفيل" المريض الشاب، قبل أن يقرر أن يُجري له جراحةً يستأصل فيها الحُصين Hippocampus من دماغه. في ذلك الوقت لم تكن وظائف هذا الجزء من الدماغ -مثلما هو الحال مع أجزاء أخرى كثيرة- معروفةً للعلماء. وكان تبرير "سكوفيل" وقتها، وفق المعلومات المُتاحة له في ذلك الوقت، أن الدراسات تشير إلى أن الاستئصال سيسمح بتقليل حدة النوبات التي يعاني منها هنري مولايسون. وبالفعل، في بدايات شهر سبتمبر من عام 1953، دخل "هنري" إلى غرفة العمليات، وأجرى جراحة استئصال للحُصين بالكامل.

آثار جانبية

بدا نجاح هذه العملية الجراحية في البداية ساحقًا. اختفت الأعراض التي كان "هنري" يعاني منها بدرجة كبيرة، وابتعدت المسافة الزمنية التي تفصل بين كل نوبةٍ وأخرى، ولم يبدُ أن هناك أي تغيير غير مرغوب قد طرأ على طباعه على الإطلاق. لا في طريقة حديثه ولا في تفكيره، ولا في مهاراته الحركية، نجاح كامل على ما يبدو. حتى فيما يتعلق بالذكاء، قارن الأطباء بين نتيجتين لاختبارات الذكاء، أجروا واحدةً منها قبل الجراحة، والأخرى بعدها، لفحص ما إذا كانت الجراحة قد أثَّرت على قدراته العقلية، وكانت النتيجة في الواقع أن أداء "هنري" قد تحسّن بدرجة طفيفة في الاختبار الذي تلا العملية. ووصل الأمر ببعض الأطباء من الفريق المعالج إلى التندُّر من أنه يبدو أن "الحُصين كان في الواقع أمرًا يجب التخلّص منه، وأننا فقط نكتشف ذلك متأخرًا"، وذلك قبل أن تبدأ المشكلات مجددًا في الظهور.

لم يعد هنري مولايسون قادرًا على تكوين ذكريات جديدة، فقد القدرة تمامًا على تذكُّر أي شيء حدث له بعد الجراحة، في حين احتفظ بقدرته على استدعاء ذكريات قديمة حدثت في الماضي. يسأله الطاقم الطبي عن اسمه، مَن هو والدك؟ ماذا كنت تفعل قبل العملية؟ أين تسكن؟ وماذا كنت تحب أن تفعل؟ ويجيب هو عن كل هذه الأسئلة بمنتهى السهولة. لكن الشخص نفسه الذي يسأله هذه الأسئلة، ويخرج من باب الغرفة، ليعود بعدها بعدة دقائق، يُضطر إلى تعريف نفسه من جديد لـ"هنري"؛ لأنه لم يكن يميّزه على الإطلاق، ولا يتذكر مطلقًا أنه كان يحادثه منذ عدة دقائق مضت.

كانت هذه في الواقع لحظةً مربكة. بدا أن العملية قد أصلحت شيئًا ما، لكنها في الوقت ذاته أتلفت شيئًا يتعلّق بأدق تفاصيل الذاكرة البشرية. ورغم أن هذه كانت مأساةً حقيقيّة، إلا أن حدوث مواقف كهذه كان يمثل -بطريقةٍ ما- خبرًا سعيدًا للمختصين بدراسات المُخ والأعصاب.

مصائب ولكن سارّة

منذ نشأة علوم المخ والأعصاب، كان من الواضح بالنسبة للعلماء في ذلك الوقت، أن هناك مساحة كبيرة من الاختلاف نملكها في أدمغتنا، بقدر ما تتشابه أدمغتنا مع الحيوانات. امتلكنا -كما هو واضح- مساحةً يصعب توصيفها، أو التحكّم فيها معمليًّا، أسئلة عديدة ولكن من دون إجابات حاسمة: ما هو الإدراك مثلًا؟ وما هو الوعي؟ كيف نُعرف الذات؟ ماذا يعني أن الإنسان قادر على تمييز ذاته؟ وهل الحيوان غير قادر على ذلك؟ وما هي الحيوانات التي تملك مستوى من القدرة على التعرّف على ذواتها؟ وكيف تميل إلى العيش في مجتمعات؟ وما شكل هذه المجتمعات؟

مثَّلت هذه الأسئلة -التي يصعب ادعاء أننا استطعنا الإجابة عنها كلها، حتى في الوقت الحالي- مساحةً كبيرة للدراسة، وكان هناك الكثير من النقاشات والجدل العلمي حولها.

الحالات التي تشبه حالة "مولايسون" كانت دائمًا خبرًا سارًّا للمشتغلين في هذا المجال، برغم تأثيرها العنيف على حياة صاحبها. باستعراض حالات المخ والأعصاب، وما كنا نعرفه وقتها عن هذا المجال الصعب، وبأخذ حالة "هنري" نموذجًا، نعرف كم هو نادر أن تحدث أعراض مرضية تتعلق بالمخ، وفي الوقت ذاته نكون على دراية بما تسبَّب في حدوث هذه الأعراض.

مثلت حالة هنري مولايسون -التي ستُعرف لاحقًا بحالة المريض "إتش آند إم" H&M- نقطة محورية في كثير من تصوراتنا التي نملكها عن الذاكرة البشرية. عرفنا من هذه الحالة بالأساس، أن الذاكرة ليست شيئًا واحدًا. والأهم من ذلك، أن كل نوع من أنواعها يرتبط بمكان بعينه في المخ، مما يعني أن الاختلال الذي يصيب منطقةً بعينها، لا يعني بالضرورة تضرُّر وظائف عصبية مرتبطة بمكان آخر.

يطفو على سطح الأحداث في هذه اللحظة اسم الباحثة بريندا ميلنر، التي نعرفها الآن بوصفها مؤسِّسة "علم النفس العصبي الإكلينيكي". "ميلنر" التى كانت آنذاك طالبة دكتوراة في فريق بحثي، وقررت في وقت مبكّر من حياتها المهنية أن تهب نفسها لدراسة هذه الحالة المختلفة، في محاولة لفهم ما حدث، ولماذا حدث بالضبط؟

من التجارب المؤثرة التي أجرتها "ميلنر"، أنها جلبت فرخًا كبيرًا من الورق، ورسمت عليه نجمة، ثم رسمت داخل هذه النجمة نجمةً أخرى أصغر منها حجمًا، ثم طلبت من "هنري" أن يُمسك القلم وأن يرسم خطًّا داخل المسار بين النجمتين، ولجعل الأمور أصعب عليه، طلبت منه أن يمارس هذا التمرين وهو ينظر إلى مرآة موضوعة أمامه، لا إلى يديه. كانت مهمةً صعبةً بالتأكيد على أي شخص. وكان أداء "هنري" في المرّات الأولى طبيعيًّا ومنطقيًّا، كان يعاني -مثله مثل أي شخص آخر في مكانه- ارتباكًا في رسم الخطوط، وكان يجد صعوبةً في الاحتفاظ بالخط المرسوم في الفجوة بين النجمتين، وإضافة إلى الصعوبة التي يواجهها أي شخص في مكانه، كان لا يتذكر هذا الاختبار حينما يتعرّض له بعد ذلك نظرًا لظروف حالته. وكانت "ميلنر" تضطر إلى شرح الاختبار وتفاصيله بالكامل، مرةً تلو الأخرى في كل مرة كانت ترغب في إعادته، حتى يستطيع "هنري" فهم ما هو المطلوب منه.

لكن المفاجئ في الأمر، أن أداء "هنري" في هذا الاختبار، كان يتحسّن رغم جهله الكامل هو نفسه بذلك. وبعد عدة أيام من التدريب المتكرر على هذا الاختبار، نجح أخيرًا في تنفيذه دون أخطاء. وصلت "ميلنر" في هذه اللحظة إلى واحد من أهم اكتشافات علم المخ والأعصاب على الإطلاق، ليست الذاكرة شيئًا واحدًا، ولا يمكن إطلاق تعبير الذاكرة على جميع الوظائف التي تتضمن هذا المعنى، فهناك أكثر من نوع.

نعرف كل هذا الآن بالطبع، هناك ذاكرة قصيرة الأمد، وأخرى طويلة الأمد، ولكل واحد منهما تمثيل في مكان بعينه في المخ. عرفنا ذلك عن طريق واحد من أهم التراكيب التي تؤدي دورًا في عملية التذكر، والتي استُؤصلت بالكامل من دماغ هنري مولايسون، إنه الحُصيّن. كانت هذه اللحظات الدرامية، هي ما قادنا في النهاية إلى معرفة واحدة من أهم وظائف الحُصيّن، تكثيف وتحويل الذكريات قصيرة الأمد، وكل ما نتعرض له من مُدخَلات بمختلف أنواعها، إلى ذكريات طويلة الأمد، تستمر معنا لفترات طويلة.

يمثّل الحُصيّن هنا قنطرة عبور من نوعٍ ما، تعبر الذكريات القصيرة من خلاله، في طريقها إلى التثبيت في الأماكن المخصصة لذلك في الدماغ. من خلال هذا يصبح لدينا ما نُطلق عليه: ذكريات. الذكريات التى نعرف من خلالها مَن نحن، وكيف نكتسب خبرات جديدة كل يوم، وهو ما كان هنري مولايسون محرومًا منه بالكامل.

نعرف الآن أنه بعد مرحلة التكثيف هذه، تتمايز الذاكرة طويلة الأمد إلى نوعين أساسيين، هما الذاكرة الصريحة، والذاكرة الإجرائية. وبينما ترتبط أقسام الذاكرة الصريحة بالخبرات اليومية التي نعيشها، مثل ذكرياتك عن المدرسة، والحب الأول، وماذا كنا نفعل في يوم بعينه؟ أو بأمور معرفية مثل المعلومات العامة التي ترتبط بحياتنا اليومية، فإن الذاكرة الإجرائية على الناحية الأخرى ترتبط عادةً بطبيعة الأداء، ومن ذلك المهارات الحركية.

إضافةً إلى ذلك، استطاعت "ميلنر" فهم الأسباب التي تجعل "هنري" قادرًا على تذكُّر طريقة حلّ لغز حركي مثل تحريك قلم في فراغ بين نجمتين، رغم أنه غير قادر على تذكُّر أي شيء مُعاصر في حياته. فالمخ يملك أكثر من نظام للذاكرة، وهي أنظمة متمايزة إلى درجة كبيرة، بحيث يمكن لكل واحدةٍ منها أن تعمل على حدة، ودون ضرورة الارتباط بالأنواع الأخرى من الذاكرة أو الاعتماد الكامل عليها. ما يُفسر السبب الذي يجعل المرء ينسى أمورًا يومية مهمة، أو يراها هو مهمة ولا يشاركه دماغه الرأي ذاته، لكنه يتذكر جيدًا كيف يركب دراجة هوائية مثلًا. فأمور القدرة على أداء مهارات حركية، عادةً ما ترتبط بمراكز عصبية منها المخيخ، وهذه أماكن لم تكن متضررة مثلًا عند هنري مولايسون، مما سمح له بأداء المهارات الحركية اللازمة للاختبار، حتى مع عدم إدراكه لما يفعله بالأساس.

وحتى مع تضرُّر دماغ هنري مولايسون، وفقدانه وظيفةً حيويةً من وظائف الإدراك والذكريات، استمرت قدرته على الاحتفاظ بذكريات حركية وتطويرها؛ لأن الجزء المختص بالذاكرة الإجرائية، وهو المخيخ والعقد القاعدية Basal Ganglia، لم يتضرر أصلًا.

كنز حقيقي غير مسبوق

توفي هنري مولايسون في الثاني من ديسمبر من عام 2008، وكان يبلغ من العمر 82 عامًا. مات في دار رعاية في ويندسور لوكس، بولاية كونيتيكت. وقتها أصدرت سوزان كوركن، وهي طالبة دكتوراة تدرس في مختبر بريندا ميلنر، بيانًا صحفيًّا تشرح فيه تفاصيل الحالة التي اتضح تدريجيًّا للمتخصصين أنها حالة H&M، والتي كانوا يعرفونها بالأحرف الأولى فحسب.

تطرح حالة "هنري" كثيرًا من التساؤلات؛ فالحالة التي كانت واحدةً من أهم حالات المخ والأعصاب، ويعتبرها البعض أهمها على الإطلاق؛ نظرًا إلى أن مخ هنري مولايسون -على عكس غالبية الدراسات التي كانت تُجرى على المصابين بإصابات دماغية- كان شبه سليم بالكامل، وباقي الأجزاء تعمل بحالتها الطبيعية دون أن تتضرر إطلاقًا، وبالتالي كانت دراسته بمنزلة كنز حقيقي. جاءت هذه التجارب في وقت لم نكن نعرف فيه الكثير عن المخ والأعصاب، ولا عن أخلاقيات التعامل مع الحالات المماثلة. ولا تزال هناك أسئلة كثيرة لا نعرف إجابةً لها تتعلق بالحالة.

قصة هنري مولايسون تخبرنا الكثير بالفعل عن العالم الذي عاش فيه، وعن تاريخ الطب في هذه المرحلة من التاريخ. ربما نكون قد تجاوزنا كثيرًا من الأسئلة الأخلاقية والمتعلقة بالموافقة والرضا، وكذلك فيما يتعلق بأمور الذاكرة والعقل، وهي أشياء أصبحنا نتعامل معها باعتبارها حقائق يومية نعيشها، إلا أن هناك الأكثر مما لا نعرفه، خاصةً فيما يتعلق بعمليات الإدراك والمعرفة الإدراكية، الأمور التي من خلالها نكتسب الصفات التي تُميزنا وتجعلنا بشرًا. إلى جانب كل ذلك، فاستعادة هذا النوع من الذكريات الجمعية للطب، تخبرنا الكثير في الواقع عن أن العالم الذي نعيشه هو من صنع أيدينا بالكامل، وأنه مُهدد دائمًا بالتراجع إلى الخلف، لو لم نكن مُدركين جيِّدًا للامتيازات التي نعيشها، وطريقة التعامل معها.