هل يستطيع صناع السينما ومبدعوها التنبؤ بما قد تحققه أفلامهم في شباك التذاكر؟ ولماذا فشلت أفلام عظيمة في جذب الجمهور؟ وما سر اعتلاء أفلام فقيرة فنيًّا لشبابيك التذاكر محققةً إيرادات ربما لم يتوقعها القائمون على صناعتها؟ تلك الأسئلة وغيرها حاول فريق من الباحثين بجامعة "برمنجهام" البريطانية الإجابة عنها من خلال دراسة حملت عنوان "علم البيانات في هوليوود: استخدام مسارات عاطفية للأفلام لدفع الابتكار في مجال الأعمال التجارية في صناعات الترفيه".

الدراسة، التي نشرتها مكتبة جامعة "كورنيل" على موقعها الإلكتروني، اعتمدت على تحليل بيانات أكثر من ستة آلاف سيناريو لأفلام جرت فلترتها عبر سلسلة من الخوارزميات؛ إذ حدد الباحثون المسارات أو المنحنيات العاطفية للأفلام التي تحقق أكبر قدر من الإيرادات، وتوصلوا إلى أن المسارات العاطفية التي تمثلها تيمة "البطل الساقط في حفرة" كانت الأكثر نجاحًا طوال التاريخ السينمائي الأمريكي من حيث تحقيق الإيرادات.

واستخدم الباحثون علم "معالجة اللغات الطبيعية"، وهو علم حسابي معلوماتي فرعي من علوم الذكاء الاصطناعي، يهتم بدراسة التفاعلات بين الحاسوب واللغات الطبيعية، لاستكشاف مدى قدرة العواطف على تشكيل تفضيلات المستهلك لمحتوى الوسائط والترفيه، ثم قاموا بفلترة 6174 سيناريو، وقسموا كل سيناريو إلى جمل تنوعت قيمتها العاطفية بين "سلبية عاطفيًّا" و"إيجابية عاطفيًّا".

وأنتج الباحثون تخطيطًا للمحتوى البصري لتتبُّع المسار العاطفي لكل فيلم، ثم قسَّموا البيانات التي حصلوا عليها إلى مجموعات تمثل مجموعات من الرحلات العاطفية التي يمر بها المشاهدون في أثناء متابعة الأفلام، ثم استخدموا تلك المجموعات للتنبؤ بمقاييس النجاح الشاملة للأفلام، بما في ذلك حجم الإيرادات ومستويات رضا المشاهد عن طريق تتبُّع "قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت" IMBD))، والجوائز التي حصل عليها الفيلم، فضلًا عن عدد من آراء المشاهدين والنقاد؛ إذ اعتمدوا في جمع بياناتهم على مجموعة من المصادر العامة بما في ذلك مواقع السيناريو المفتوحة مثل opensubtitles.org، والإيرادات من مواقع مثل the-numbers.com وتقييمات رضا الجمهور من مواقع مثل IMBD)).

ستة أشكال

صنف الباحثون الأفلام وفقًا لستة أشكال أو مجموعات تمثل مسارات عاطفية تدل على مسارات التحول في العواطف التي تمر بها قصة كل فيلم، الأول قام على تيمة "تحوُّل البطل من الفقر إلى الغنى"، والتي تشهد صعودًا نفسيًّا متواصلًا، مثل أفلام "الخلاص من شاوشانك" و"كابوس قبل عيد الميلاد" و"يوم جراوندهوج"، أما الشكل الثاني فضم أفلامًا تعتمد على تيمة "تَحوُّل البطل من الغنى إلى الفقر"، التي تشهد هبوطًا عاطفيًّا متواصلًا مثل "حكاية لعبة" و"قصة حب" و"سايكو". وتمثل المسار الثالث في الأفلام التي تقوم على تيمة "البطل الساقط في حفرة"، التي تشهد تحوُّل حياة البطل من السعادة إلى الحزن ثم العودة مجددًا إلى السعادة، مثل أفلام "العراب" و"بليد رانر" و"المغادرون".

أما التيمة الرابعة فضمت ما يُعرف بأفلام "إيكاروس"، التي تشهد صعودًا كبيرًا للبطل يتبعه هبوط كبير" مثل أفلام "على الواجهة البحرية" و"ماري بوبينز" و"خطوبة طويلة جدًّا"، أما المسار الخامس فضم ما يُعرف بـ"أفلام سندريلا"، التي تقوم على تيمة (صعود- هبوط- صعود)، مثل أفلام "راشمور" و"بيبي" و"سبايدر مان".

بينما اشتمل المسار السادس والأخير على أفلام عُرِفت بـ"أفلام أوديب"، التي تقوم على تيمة (الهبوط-الصعود- الهبوط)، مثل أفلام "كل شيء عن أمي" و"أفضل ما يمكن حصوله" و"حورية البحر".

وتوصل الباحثون إلى نتائج تعطي معلومات عن طبيعة الأفلام الأكثر نجاحًا من الناحية المالية من حيث الإيرادات المحلية، بغض النظر عن "النوع الفني" للفيلم وميزانية إنتاجه؛ إذ جرى التعامل مع الأفلام على كونها قصصًا، وكل قصة يرويها فيلم يحاول إثارة مشاعر الجمهور.

واستطاع الباحثون رسم خرائط المجموعات التي كانت الأكثر نجاحًا في شباك التذاكر. وأظهرت النتائج أن الأفلام التي تدور حبكتها حول "البطل الساقط في حفرة"، والتي تمر فيها رحلة البطل بمسار "سعيد- حزين- سعيد" كانت الأكثر نجاحًا من الناحية المالية؛ إذ بلغت تكلفتها الإنتاجية حوالي 40.5 مليون دولار، وحققت إيرادات بلغت 54.9 مليون دولار.

وبالنسبة لأفلام السيرة الذاتية، كانت الأفلام التي تدور حول تيمة تحوُّل البطل من الفقر إلى الغنى على القمة، لكنها كانت أقل نجاحًا بكثير في فئة أفلام الألغاز والإثارة.

وعلى الصعيد الكوميدي، كانت الأفلام التي تدور في مسار عاطفي من السعادة إلى الحزن، وتنتهي بنهاية حزينة، الأقل نجاحًا على الإطلاق.

لكن الباحثين ذكروا في الوقت ذاته أن الأفلام التي تدور حبكتها حول "البطل الساقط في حفرة" ربما لم تكن الأكثر شعبيةً، لكن من المرجح أن تكون أكثر الأفلام التي يتم التحدث عنها، كما وجدوا أن المسار العاطفي الذي تمثله الأفلام التي تنتمي إلى تيمة "البطل الساقط في حفرة" لا ترتبط بنتائج جيدة من النقاد على موقع IMDb.

وفي الوقت نفسه، ترتبط تقييمات النقاد بشكل إيجابي بالمسار العاطفي القائم على تيمة "تحوُّل البطل من الغنى إلى الفقر" في الوقت الذي ترتبط فيه تلك الأفلام بعائدات منخفضة. وتشير هذه النتائج -وفق الباحثين- إلى أن النقاد يميلون إلى تفضيل الأفلام الصارمة (ربما مع نهاية غير سعيدة)، وهذه الأفلام تميل إلى أن تكون أقل نجاحًا في جلب الإيرادات.

كما توصل الباحثون إلى العديد من النتائج المثيرة للاهتمام فيما يتعلق بمؤشرات النجاح الأخرى. فعلى الرغم من أن أفلام (البطل الساقط في حفرة) تنتج إيرادات محلية أعلى إحصائيًّا بشكل ملحوظ من أي قوس عاطفي آخر، فإن تقييمات IMDb المرتبطة بهذا المسار العاطفي تكون سلبية، بمعنى أن تأثير المسار العاطفي لهذه الأفلام على تصنيف مستخدمي IMDb صغير إلى حدٍّ ما ولكنه مهم.

سر النجاح

ويُرجِع الباحثون التناقض بين نجاح أفلام "البطل الساقط في حفرة" بمساراتها العاطفية المختلفة في تحقيق إيرادات وعجزها عن الحصول على إعجاب النقاد إلى عدة أسباب، أهمها أن أفراد الجمهور لا يسجلون -على الأرجح- ردود أفعالهم تجاه العمل الفني من حيث تقييمه ومراجعته في حالة عدم استمتاعهم بمشاهدة الفيلم، ما يمكن أن يخلق بعض التحيز في معدلات رضا الجمهور على موقع IMDb، التي عادةً ما تكون أقل من متوسط الرضا الذي يمثله موقف المشاهدين، فضلًا عن أن جمهور IMDb مختلفٌ عن ذلك الذي يُسهِم بشكل أساسي في إيرادات الفيلم.

ويرد الباحثون على مسألة زيادة أو نقص شعبية بعض الكتب التي تَستقي منها الأفلام قصتها مقارنةً بالأفلام نفسها إلى أن الأفلام تستغرق في المتوسط 108 دقائق، وهو ما يختلف تمامًا عن قراءة كتاب يحتوي على مئات الصفحات؛ إذ تستغرق قراءة الكتاب عدة ساعات إن لم تكن أيامًا. وبالتالي، فإن أحد أسباب عدم تحقيق أفلام المسار العاطفي "إيكاروس" على سبيل المثال، النجاح نفسه الذي تحققه الكتب التي تحكي القصص التي تقوم عليها هذه الأفلام، هو أن الجمهور لا يرغب في التعرُّض للسقوط العاطفي للبطل، والذي لا يتبعه ارتفاع عاطفي مكافئ تقريبًا في بيئة محدودة الوقت.

ومع ذلك، فإن الباحثين يؤكدون أن الناس يشعرون بأنهم سعداء للغاية لتجربة مثل هذا السقوط الدرامي خلال فترة زمنية أطول عندما تكون شدة السقوط العاطفي من خلال النص (أي عند قراءة كتاب).

وفي المقابل، يوفر المسار العاطفي "سندريلا" صعودًا عاطفيًّا ملحوظًا نحو نهاية القصة على الرغم من السقوط العاطفي في منتصف الفيلم. وقد يكون هذا الصعود العاطفي أكثر جاذبيةً لمشاهدي الأفلام مقارنةً بقراءة الكتب.

مصنع أحلام المشاهدين

تقول "جنة بوجبرينا" -أستاذة الاقتصاد السلوكي وعلوم البيانات والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "قد يبدو أن الدراسة تشير إلى أن شركات إنتاج الأفلام السينمائية يجب أن تختار نصوصًا تمثل المسارات العاطفية المتنوعة التي تندرج تحت قائمة أفلام "البطل الساقط في حفرة"، لكن ذلك يُعَد تبسيطًا للجهد المبذول ولنتائج الدراسة.

 تُظهر النتائج أنه عندما يتم دمج المسارات العاطفية مع أنواع مختلفة ويتم إنتاجها بميزانيات مختلفة، فإن أيًّا من الأقواس العاطفية الستة قد تنتج أفلامًا ناجحة ماليًّا. ما يعني أن الاختيار الدقيق للتركيبات المناسبة للموضوع من حيث الدمج بين العناصر الثلاثة (النص- الميزانية- النوع) يؤدي إلى تحقيق نجاح مالي عن طريق شباك الإيرادات".

 وتضيف أنه "من الواضح أيضًا من خلال النتائج أن علم البيانات يمكن أن يُسهم بشكل ملحوظ في الحوار بين شركات إنتاج الأفلام السينمائية والمشاهدين، ويساعد في إنشاء محتوى (وفق الطلب) يركز على تفضيلات العملاء ورغباتهم، وقد يمتد ذلك إلى إنتاج محتوى متخصص قد يرغب بعض مستهلكي الأفلام لأسباب عديدة في شرائه. كما قد يؤدي إلى تحويل صنع القرار حول المحتوى المرغوب من المنتجين إلى المستهلكين، مما يؤدي إلى تمكين المشاهدين من التأثير بشكل كبير في عمليات إنتاج الأفلام؛ إذ غالبًا ما يُطلَق على هوليوود مصنع الأحلام. وتُظهر هذه الورقة، في جوهرها، أن هوليوود هي مصنع العواطف، لكنها قد تصبح، بمساعدة علم البيانات، مصنع أحلام المشاهدين".

وأشارت "بوجبرينا" إلى أن نتائج البحث متعددة الأبعاد، مضيفةً: "عادةً ما تحقق الأفلام التي تشهد التحول من الفقر إلى الغنى النجاح الأكبر من الناحية المالية إذا كانت ملحمية وصُنعت بميزانية ضخمة، مثل أفلام باتمان التي كتبها كريستوفر نولان. بينما كان ما يُعرف بأفلام إيكاروس الأكثر نجاحًا بميزانية منخفضة، ولم تبل أفلام أوديب بلاءً حسنًا في حفلات توزيع الجوائز".

توضح "بوجبرينا" أن الفريق البحثي لم يقل إن تيمة "البطل الساقط في حفرة" هي التيمة الوحيدة الناجحة، مضيفةً: "نحن لا نحاول قتل صناعة السينما، نحن نحاول أن نرى ما هو ناجح، وأن نساعد شركات الأفلام على أن تكون أكثر إبداعًا؛ لأنهم إذا عرفوا ما الذي يحقق نجاحًا تجاريًّا، يمكن أن يشعروا بالأمان لتوسيع دائرة إنفاقهم لإنتاج المزيد من الأفلام التجريبية. ولا أرى أن الدراسة تضع مزيدًا من القيود على صناعة السينما، بل على العكس فإنها قد تسمح للشركات بأن تكون أكثر ابتكارًا".

التوحد مع البطل

وفي تصريحاته لـ"للعلم" تعليقًا على الدراسة، يقول "دين كيث سيمونتون" -أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا، وغير المشارك في الدراسة-: "إن الدراسة مثيرة جدًّا للإعجاب. شيء من هذا القبيل لم يحدث من قبل. إذ استخدم الباحثون للمرة الأولى منهج "معالجة اللغات الطبيعية"، باعتباره نوعًا من تحليل المحتوى، مع الروايات لتحديد "المسار العاطفي" لعينة كبيرة جدًّا من الأفلام. ثم بعد تحديد هذه المسارات، يقيّم المؤلفون ما إذا كانت ثمة مسارات عاطفية معينة ترتبط بقوة أكبر بالنجاح السينمائي باستخدام معايير متعددة بشكل مثير للإعجاب".

لكن "سيمونتون" يستدرك قائلًا: "مع ذلك، فوجئت إلى حدٍّ ما بأن الدراسة تم إجراؤها من دون وجود صلة واضحة بين الأدبيات التجريبية الواسعة حول العوامل التي تحدد نجاح الأفلام (مثل تلك التي تمت مراجعتها في كتابي الذي صدر عام 2011 تحت عنوان "نقرات كبيرة: الدراسات العلمية للإبداع السينمائي وعلم الجمال". ونتيجةً لذلك، لا يتطرق مؤلفو الدراسة إلا إلى نسبة ضئيلة من المتغيرات التي ثبت أنها تُسهِم في النجاح، ومنها ثقل وزن النجوم المشاركين في العمل الفني".

من جهته، يوضح "كريم بهاء" –أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما- أن العديد من كتب السيناريو تناولت ما استنتجته الدراسة، لكن بشكل غير إحصائي، ومنها كتاب "دليل السيناريست" لـ"كريستوفر فوجلر"، وكتاب "السيناريو" لـ"سيد فيلد"، اللذان يتناولان الرحلات العاطفية التي يمر بها أبطال الأفلام.

يشير "فوجلر" في كتابه إلى أن "كل حكاية جيدة تعتمد على قصة بطل يكبر وينمو وينتقل بشكل دائم من القلق إلى الأمل، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجنون إلى الحكمة. وهذه الحالات النفسية تتضمن في ذاتها شحنة انفعالية قوية بما يكفي لجذب انتباه الجمهور وجعل القصة جديرةً بالمشاهدة. إننا معتادون لرؤية مراحل هذا النوع من الرحلات في كتب المغامرات والمآثر البطولية، ولكننا نجدها أيضًا في نماذج أخرى من القصص. كل شخصية في قصةٍ ما هي بطل رحلة كامن، حتى لو كان الطريق المجتاز ذا طابع فكري أو واقعًا ضمن إطار بيئته وعلاقاته".

يتابع "بهاء" في تصريحاته: "إن السيناريو الناجح يعمل في الأساس على خلق رحلة للبطل توحد بينه وبين المشاهد، أو على الأقل تخلق درجةً من درجات التوحد لكي يحدث تعاطف من المشاهد، وبهذه الطريقة يستطيع صانعو الفيلم السيطرة على المشاهد أو توجيهه شعوريًّا وعاطفيًّا".

وعن إمكانية خضوع الأعمال الفنية -وبخاصة السينمائية- لمثل هذه الدراسات العلمية والإحصائية، يقول "بهاء": "إنه يمكن تناول الفن من وجهة نظر علمية، لكن الإبداع غير خاضع لقواعد، فهو خلق شيء على غير سابق مثال. فهناك قواعد مرجعية متفق عليها في فهم طرق الكتابة والإخراج تمثل القواعد الإستراتيجية العامة للفن، والتي يتحرك المخرج والكاتب من خلالها. فمثلًا نجد أن قواعد كتابة السيناريو واحدة، ولكن عند تطبيقها يمكن أن نلاحظ أن رحلة بطل في فيلم كوميدي تتفق مع رحلة بطل في فيلم حركة، ولكن المتغير يتمثل في الأجواء الاختيارية التي قام الكاتب بتأليفها".