ذكرت دراسة أجراها فريق من الباحثين المصريين أن تطبيق المفاهيم الجيولوجية المعاصرة ظهر لأول مرة في الحضارة المصرية القديمة.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "جيوهريتاج" (Geoheritage)، أن علم "الجيولوجيا" كان أحد العلوم التي عرفها المصري القديم ومارسها، وذلك من واقع الأدلة الأثرية التي خلَّفتها الحضارة المصرية القديمة.

وأشار الباحثون إلى أن علم "البلوريات" كان من أهم المفاهيم الجيولوجية المعاصرة التي امتلك المصريون القدماء درايةً واسعةً بها، وهو ما تمثَّل في بناء أهرامات الجيزة؛ إذ تمكَّنوا من الحصول على 7 ملايين قطعة حجرية قُطعت وصُقلت بعناية فائقة، إضافةً إلى المسلات التي عكست تجانُسًا واضحًا في أسلوب وطريقة القطع والتهذيب.

وما انطبق على علم "البلوريات" ينطبق كذلك على علم "البترولوجي" (Petrology)، الذي يهتم بدراسة الصخور وخصائصها ودورتها في التَّشكُّل، ومعرفة المعادن المكوِّنة لكل صخر؛ إذ كان لدى المصريين القدماء معرفة جيدة بخصائص الصخور ومقاومتها للظروف المناخية وعامل الزمن.

تقول "خلود محمد عبد المقصود" -مدرس الجيولوجيا بقسم الموارد الطبيعية بجامعة القاهرة، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن معرفة المصريين بعلم البترولوجي تجلَّت في تشييد المباني الجنائزية مثل المقابر، والمباني الدينية مثل المعابد، والمسلات المنحوتة والتماثيل وغيرها من المنحوتات من الحجارة الصلبة".

وتضيف أنه "في المقابل، استخدم المصريون القدماء موادَّ بسيطة مثل مستوطنات الطين والحجر الجيري، وهذه المواد لها عمر أقصر، وبالتالي فإن معظم هذه الهياكل قد اختفت الآن. كما أعطى المصريون القدماء أسماءً وصفاتٍ مختلفة للتمييز بين أنواع الصخور المختلفة، مما يعكس أن المصريين القدماء استخدموا أنواعًا من الصخور كانت أكثر مناسَبَةً لكل هدف، فعلى سبيل المثال استخدم المصري القديم الدوليريت للنحت في الأحجار الأكثر صلابة، ما يؤكد معرفتهم بمقاومتها العالية التي جاءت نتيجةَ معرفةٍ جيولوجيةٍ وتجربةٍ طويلة".

وتوضح "عبد المقصود" أن "المصريين القدماء برعوا أيضًا في علم المعادن وجيولوجيا التعدين؛ إذ استخدموا الأزاميل المصنوعة من النحاس في استخراج الذهب من عروق الكوارتز التي كانت موجودةً في الصحراء الشرقية المصرية، وكذلك في استخراج الأحجار القديمة مثل الزمرد واللؤلؤ والفيروز، ما يعكس مدى معرفتهم بالخصائص الفيزيائية لتلك المعادن والأحجار"، مشددةً على أن "قدماء المصريين لم يكونوا يعتمدون فقط على النار في استخراج المعادن، ومنها الذهب على سبيل المثال، بل كانوا يعتمدون أيضًا على تحويل الأشكال وتغييرها بواسطة المطرقة والسندان وأدوات الضغط".

وتشير الدراسة -التي شارك فيها محمود أحمد إمام، المدرس المساعد بقسم التاريخ بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة- إلى أن المصريين القدماء امتلكوا معرفةً كبيرةً في مجال "الجيولوجيا الميدانية"؛ فقد سجلت الحضارة المصرية واحدًا من أقدم مواقع التعدين عن الذهب في العالم، إذ صورت طريقين عريضين يتوازن بعضهما مع بعض من خلال مناطق جبلية ذات لون وردي أحمر.

يقول "إمام"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الحديث عن هذا الموقع ظهر من خلال بردية يعود تاريخها إلى عهد الملك "سيتي الأول"، وتُعد هذه البردية (والتي تُعرف بالبردية الذهبية) أقدم خريطة؛ إذ يرجع تاريخها إلى 1300 ق.م، وتُظهر البردية المواقع التي كان يتم التنقيب فيها عن الذهب في منطقة الفواخير على ساحل البحر الأحمر. وتعكس هذه البردية مدى العمل الميداني المنظم في مجال التعدين واستخراج الذهب، كما تعكس الأدلة الأثرية من هذه المواقع وجود مساكن للعمال الذين كانوا يستخرجون الذهب من تلك المناجم، وتشير تلك الدلائل إلى وجود كيان إداري وتنظيمي على مستوًى عالٍ من الجودة".

ويضيف: استهدفنا في الدراسة تأصيل علم الجيولوجيا كأحد أفرع العلوم التي عرفها المصري القديم ومارسها، وذلك من واقع الأدلة الأثرية التي خلفتها لنا الحضارة المصرية القديمة، وانتهينا إلى أن المصريين القدماء كانوا على دراية واسعة وتجربة طويلة بجوانب مختلفة من علم الجيولوجيا، وأنه يجب أخذ تلك الرؤى بعين الاعتبار في الدراسات المستقبلية للبحث عن مزيد من الجوانب الجيولوجية المفقودة، وضرورة البحث عن العلاقات المختلفة بين التراث الأثري والجيولوجي في المواقع.

يُذكر أن النشأة الرسمية لعلم الجيولوجيا في أوروبا تعود إلى عام 1785؛ إذ اقترنت بمقال كتبه "جيمس هاتون" بعنوان "نظرية الأرض"، قدم خلاله محاولاته الأولية لتفسير بعض الظواهر الجيولوجية ومراحل تطور الأرض؛ وأصبح "هاتون"–في نظر العديد- أول مَن أرسى القواعد الأساسية لعلم الجيولوجيا، والتي أصبحت في المنظور الأوروبي أحدث أفرع العلوم التي ظهرت بعد علوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والفلك والرياضيات.