في ظل ارتفاع متوسط العمر المتوقع لسكان العالم إلى 73.2 سنة في عام 2020 مقابل 47 سنة في عام 1955، أضحت الشيخوخة أحد أهم التحولات المجتمعية طيلة العقود الماضية، وأصبح الشغل الشاغل للدوائر العلمية هو إيجاد السبل التي من شأنها ضمان أن يعيش البشر شيخوختهم بصحة جيدة.

أحد أبرز التحديات التى تواجه هذه الفئة العمرية هو التدهور المعرفي مع تقدم العمر. إذ تظل الصحة الإدراكية إحدى أهم أولويات الصحة المجتمعية والعامة، مما دفع الفرق البحثية –على اختلاف جنسياتها واهتماماتها- إلى محاولة معرفة التغيرات التي تحدث داخل شبكات الدماغ لتغذي هذا العرض الخطير،  والبحث عما إذا كانت هناك عوامل قابلة للتعديل يمكن أن تحمي أو تحسِّن عملية الإدراك مع تقدُّم الناس في العمر.

في هذا السياق، توصلت دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة أوكسفورد البريطانية، ونشرتها دورية نيتشر كومينيكيشن (Nature Communication)، إلى أن ارتفاع ضغط الدم والإصابة بداء السكري -على وجه الخصوص- لهما تأثيرٌ ضارٌّ على سرعة التفكير والذاكرة.

وذكرت الدراسة أن الإصابة بالأمراض الدماغية الوعائية (تضم قائمةً لا تنتهي من الأمراض، مثل تمدُّد الأوعية الدموية الدماغي، والاعتلال الوعائي النشواني للمخ، والتهاب شرايين المخ) تؤدي إلى انخفاض حجم المادة الرمادية الدماغية، وتؤثر سلبًا على سلامة المادة البيضاء داخل شبكة الدماغ الأمامية الجدارية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية للدماغ، ما يؤدي إلى الإصابة بأمراض مثل الخرف وألزهايمر.

وتساعد المادة البيضاء في الدماغ خلايا المخ على إرسال الرسائل واستقبالها بسرعة كبيرة وتحسين القدرات العقلية والإدراكية للدماغ، وبالتالي فإن حدوث أي خلل في سلامتها أو تغيُّر في كميتها يرتبط بالإصابة بأمراض كألزهايمر، في حين تشكل المادة الرمادية جزءًا كبيرًا من الجهاز العصبي المركزي، ما يتيح لها أداء دور كبير في معالجة المعلومات والقدرة على التفكير.

عوامل الخطر الوعائية الدماغية

وأوضحت الدراسة أن ارتفاع ضغط الدم الانقباضي ارتبط بتدنِّي الوظيفة الإدراكية التنفيذية للدماغ في منتصف العمر (44-69 عامًا)، وأن هذا الارتباط لم يحدث في النطاق الانقباضي من 110-140 مم زئبق، وهو الأمر الذي لم يلاحَظ في أواخر العمر أو تحديدًا بالنسبة لمَن هم فوق الـ70 عامًا، ما يعني أنها تؤثر على بنية الدماغ والوظيفة الإدراكية لدى الأشخاص الأصحاء.

تقول ميشيل فيلدسمان -طبيبة الأعصاب بجامعة أكسفورد، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": بحثنا تداعيات العوامل الطبية والجينية ونمط الحياة التي تؤثر على إمداد الدماغ بالدم (ما يسمى عوامل الخطر الوعائية الدماغية) على بنية الدماغ ووظيفته مع تقدم الناس في السن. وتم تحليل بيانات التصوير السريري والمعرفي للدماغ لدى 22059 شخصًا –تم الحصول عليها من البنك الحيوي Biobank في المملكة المتحدة- تتراوح أعمارهم بين 44 و73 عامًا (بمتوسط عمر بلغ 62 عامًا) وإجراء فحص بالتصوير بالرنين المغناطيسي، وكان بين المشاركين 5% فقط مصابون بداء السكري.

ويضم البنك الحيوي في المملكة المتحدة البيانات الطبية والجينية ونمط حياة 500 ألف شخص متطوع يقيمون في بريطانيا، ويهدف البنك إلى تحسين طرق الوقاية والتشخيص والعلاج لمجموعة واسعة من الأمراض الخطيرة والمهدِّدة للحياة، تتضمن السرطان وأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري والتهاب المفاصل وهشاشة العظام واضطرابات العين والاكتئاب وأشكال الخرف، كما يقدم تلك البيانات -بصورة مجهلة- إلى الجهات والمؤسسات العلمية، سواء داخل المملكة المتحدة أو خارجها.

تضيف "فيلدسمان": وجدت دراسات أخرى أن ارتفاع ضغط الدم وعوامل الخطر الأخرى يمكن أن تزيد من احتمالية الإصابة بالخرف في وقت لاحق من الحياة، لكن دراستنا تُظهر أن هناك تغيُّرات في بنية الدماغ لها تأثير على التفكير يمكن اكتشافها بالفعل في مرحلة منتصف العمر.

وتوضح: لقد تتبَّعنا التغيرات في المادة الرمادية في الدماغ ومسارات المادة البيضاء، وقمنا بتسجيل بيانات المتطوعين السريرية والمعرفية، ووجدنا أنه كلما زادت عوامل الخطر لدى الشخص –مثل معاناته من ارتفاع ضغط الدم والسكري وزيادة الوزن- كان التأثير أسوأ على المادتين الرمادية والبيضاء في الدماغ.

ارتفاع ضغط الدم

توضح الدراسة أن إدارة ارتفاع ضغط الدم طوال فترة منتصف العمر (140 إلى 120) ترتبط بنتائج مفيدة في الدماغ تتعلق بتأخر بدايات التدهور المعرفي؛ إذ ثبت أن التحكم في ضغط الدم مفيدٌ لصحة الدماغ كما هو مفيدٌ لصحة القلب والأوعية الدموية.

يقول مسعود حسين -أستاذ طب الأعصاب وعلم الأعصاب الإدراكي، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": يظهر بشكل ملحوظ أن ارتفاع ضغط الدم والسكري لهما تأثير صغير، ولكنه قابلٌ للقياس فيما يتعلق بالوظائف المعرفية (سرعة المعالجة والذاكرة قصيرة المدى) في الأشخاص الأصحاء في منتصف العمر.

وأوضح: يبدو أن هذه التأثيرات مرتبطة بتغييرات قابلة للقياس في المادة الرمادية والبيضاء في الدماغ -ووصلاتها- التي تم اكتشافها باستخدام فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي.

وأضاف: هذه الدراسة حاولت ملء فراغ علمي، نظرًا إلى أن نتائج الدراسات السابقة لم تكن متسقة معًا، ربما لأن أحجام العينات الخاصة بها كانت صغيرة، في حين قد تكون هذه الأطروحة أكثر قوةً، إذ تضم أكثر من 22 ألف مشارك.

عوامل الخطر على الدماغ

يقول "حسين": يتكون الدماغ في الواقع من شبكات تربط مناطقه المختلفة وتعمل معًا لتنسيق التفكير؛ إذ تتواصل هذه المناطق عبر مسارات المادة البيضاء، التي تتأثر سلبًا بارتفاع ضغط الدم والسكري، وتتعاظم أهمية التدخل المبكر في مرحلة منتصف العمر لوضع خطة علاجية لإدارة ارتفاع ضغط الدم.

ويوضح أنه قد يكون لنتائج هذه الدراسة آثارٌ مهمة على الصحة العامة؛ نظرًا إلى أنها تؤكد أن عدم الاستفادة من رصد هذه التغيرات قد يكون بمنزلة فرصة ضائعة؛ لأن عدم التعامل بجدية مع الزيادات الطفيفة في ضغط الدم سيكون له تأثيرٌ تراكمي على بنية ووظيفة الدماغ، مما يجعل الشخص المصاب في النهاية عرضةً للإصابة بالخرف.

أخطار متزايدة

يشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بارتفاع ضغط الدم في العالم يزيد على واحد من بين كل 5 بالغين، مضيفًا أن "ارتفاع ضغط الدم هو اعتلال يتسبب في نحو نصف جميع الوفيات الناجمة عن السكتات الدماغية وأمراض القلب. كما تتسبب مضاعفات الارتفاع المفرط في ضغط الدم في وفاة 9.4 ملايين شخص حول العالم سنويًّا".

ويوضح التقرير أن "تشخيص الإصابة بارتفاع ضغط الدم وعلاجه على نطاق واسع باستخدام أدوية رخيصة الثمن أدى إلى انخفاض كبير في نسبة المصابين به، ما أدى إلى خفض معدلات الإصابة بأمراض القلب".

فعلى سبيل المثال، بلغ معدل انتشار ارتفاع ضغط الدم في إقليم الأمريكتين التابع للمنظمة في عام 2014 نسبة 18%، مقابل 31% في عام 1980.

وعلى النقيض من ذلك، تشهد البلدان منخفضة الدخل أعلى معدلات انتشار للإصابة بارتفاع ضغط الدم. في الإقليم الأفريقي تشير التقديرات إلى أن أكثر من 30% من البالغين في العديد من تلك البلدان مصابون بارتفاع ضغط الدم، وأن هذه النسبة آخذةٌ في الازدياد. وعلاوةً على ذلك فإن متوسط مستويات ضغط الدم في هذا الإقليم أعلى بكثير من المتوسطات العالمية، ولا تُعَد مصر استثناء من هذا؛ إذ يعاني 40٪ من البالغين المصريين من ارتفاع ضغط الدم.

ومما يزيد الأمر سوءًا أن ارتفاع ضغط الدم، الذي يُشار إليه غالبًا بـ"القاتل الصامت"، ليس له أعراض واضحة، وبالتالي فإن عدم الكشف المبكر عنه والسيطرة عليه يؤدي إلى السكتة الدماغية، فضلًا عن أمراض القلب والفشل الكلوي والعمى.

أما بالنسبة لداء السكري، فيشير تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية إلى أن "هذا المرض كان السبب المباشر في وفاة أكثر من 1.5 مليون شخص في عام 2012، وأن 80% من حالات الوفاة من جَرَّاء داء السكري وقعت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، كما توقعت المنظمة أن يحتلَّ داء السكري المرتبة السابعة في الترتيب بين أسباب الوفاة الرئيسية بحلول عام 2030.

وتتفق التحذيرات التي أطلقتها الدراسة الجديدة مع بحث نشرته دورية "جاما" (JAMA)، مشددةً على ضرورة خضوع الأشخاص الذين يعانون من ضغط الدم الانقباضي -أقل من 120 مم زئبق- للعناية المركزة، أو أقل من 140 مم زئبق للعلاج بشكل طبيعي.

وأظهر البحث –الذي اعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي لعينة بحثية ضمت 670 شخصًا بالغًا لا يعانون من ارتفاع ضغط الدم، و449 بالغًا يعانون من ضغط الدم المرتفع- أن ارتفاع ضغط الدم بشكل عام يؤدي إلى زيادة صغر حجم المادة البيضاء في الدماغ، وانخفاض الحجم الكلي للدماغ بشكل عام، وأن مسار العلاج الخافض للضغط يؤدي إلى إبطاء تمدُّد المادة البيضاء وتطوره، وبالتالي يحتمل أن يؤخر بداية التدهور المعرفي. كما تشير دراسة أخرى إلى أن ارتفاع ضغط الدم في منتصف العمر يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالضعف الإدراكي في أواخر العمر.

إدارة سليمة للمرض

تقول ولاء صبري، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس: إن هناك خطوات لا بد من اتباعها لإدارة هذه الأمراض بصورة سليمة؛ بهدف تقليل فرصة الإصابة بالتدهور المعرفي والخرف.

تضيف "صبري" في تصريحات لـ"للعلم": هناك عوامل بيولوجية ترتبط بالجينات والعوامل الوراثية، ورغم أن هذه العوامل قد يكون من الصعب التحكم فيها، لكن قد تساعدنا معرفتها في رصد مبكر للشرائح التي قد تكون معرضةً بشكل كبير -بحكم هذه الجينات- للإصابة بهذه الأمراض، بهدف وضع خطة علاجية لمتابعة ارتفاع ضغط الدم أو الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بشكل دوري، إضافة إلى ضرورة التحكم في العوامل الاجتماعية والنفسية المسببة للمرض، بما يضمن وضع خطة علاجية لتلافي التدهور المعرفي في سنوات العمر المقبلة. وذلك عن طريق وضع نظام حياة لهذه الشرائح المهددة يساعدهم على تقليل الإصابة بهذه الأمراض أو تأخيرها.

وتتابع: هذا النظام قد يكون عبارة عن اتباع حميات صحية يتم خلالها تقليل معدلات تناول الملح أو الأطعمة الدسمة، فضلًا عن ممارسة الرياضة.

وتشدد على أن هناك أيضًا تقنيات للاسترخاء بهدف تقليل التوتر، مثل تمارين التنفس، والسير بخطوات مسرعة، وممارسة اليوجا؛ إذ يساعد التحكم في هذه العوامل الاجتماعية والنفسية على تقليل الإصابة بالمرض أو حتى تأخيره على الأقل، وبالتالي تأخير تأثير هذه الأمراض على بنية الدماغ والحد من التدهور المعرفي الناجم عنه.

بدوره، يقول "مسعود": السيطرة على ضغط الدم والسكري في مرحلة منتصف العمر تُعد بمنزلة الخطوة الأولى من أجل جودة حياة أفضل في مرحلة تقدُّم العمر، لكننا نستهدف مستقبلًا دراسة تأثير عوامل الخطر الجينية (مثل البروتين الشحمي المعروف اختصارًا بـApoE4) على الإدراك وعلى بنية الدماغ، من خلال الاستعانة بالبيانات المتاحة في البنك الحيوي في المملكة المتحدة. إذ يُعَد التركيب الجيني لهذا البروتين أكبر عامل خطر وراثي للإصابة بمرض ألزهايمر والأمراض القلبية الوعائية.