استمرارًا لحالة الجدل الدائر بشأن علاقة فيتامين "د" بالوقاية من مرض السرطان من عدمها، ذكرت دراسة أجراها فريق من الباحثين من مدرسة "تشان للصحة العامة" التابعة لجامعة هارفارد، و"المعهد الوطني للسرطان" بالولايات المتحدة الأمريكية، وشارك فيها أكثر من 20 جمعية ومركزًا طبيًّا، أن التركيزات المرتفعة من الفيتامين ترتبط ارتباطًا وثيقًا بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، ما يدعم أدلةً سابقة في هذا الصدد، لكنها لم تكن حاسمة.

وفيتامين "د" هو هرمون يتم إنتاجه في الجسم نتيجة للتعرّض لأشعّة الشمس، كما أنّه يمكن الحصول عليه من أغذية معيّنة، ويشار إليه علميًّا بـ"25- هيدروكسي فيتامين د".

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "ذا جورنال أوف ذا ناشيونال كانسر إنستيتيوت"(The Journal of The National Cancer Institute)، فقد توصل الباحثون إلى أن فيتامين (د) المعروف بدوره في المحافظة على صحة العظام يقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم عن طريق مسارات عديدة تتعلق بتنظيم الخلايا ونموها، وأن التركيزات المُثلى للفيتامين اللازمة للوقاية من سرطان القولون والمستقيم أعلى من توصيات الأكاديمية الوطنية للطب، التي تقتصر فقط على صحة العظام.

تشير أحدث الإحصائيات الصادرة عن المركز الدولي لأبحاث السرطان -التابع لمنظمة الصحة العالمية- إلى أن سرطان القولون والمستقيم يأتي في المرتبة الثالثة بقائمة حالات الإصابة الجديدة بالسرطان حول العالم في عام 2018، والتي بلغت 18.1 مليون حالة جديدة، وذلك بنسبة بلغت 10.2% من إجمالي عدد الحالات الجديدة، كما أنه مسؤول عن 881 ألف حالة وفاة من بين 9.6 ملايين حالة وفاة نتجت عن الإصابة بالسرطان حول العالم منذ بداية العام الحالي، بنسبة 9.2% من إجمالي عدد حالات الوفيات الناتجة عن الإصابة بالسرطانات المختلفة.

منهج البحث

قام الباحثون بتحليل 5706 حالات سرطان قولوني مستقيمي و7107 حالات كمجموعة ضابطة، إذ تم تجميع المشاركين من 17 دراسة أجرتها مؤسسات من دول مختلفة في كلٍّ من الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا، وتُعَد الدراسات الـ17 من دراسات "التعرض" أو "الأتراب" (cohort studies)، وهي دراسات تندرج تحت نوع الدراسات المستقبلية وتعتمد على مراقبة مجموعتين: إحداهما معرضة لعامل خطورة والأخرى غير معرضة لعامل الخطورة، وبعد هذا التقسيم تجري متابعة المجموعتين لمدة زمنية معينة ومن ثَم مقارنة النتائج.

أظهرت النتائج أن تركيزات الفيتامين الكافية لصحة العظام ارتبطت بمستوى أعلى من خطر الإصابة بنسب 30.1%، أما التركيزات الأعلى منها فقد ارتبطت بمستوى أقل من خطر الإصابة بنسب 22%، وكان مستوى الترابط بين مستويات الفيتامين الأعلى وانخفاض خطر الإصابة أكبر عند النساء مقارنةً بالرجال.

يقول "مارجي ماكولوج" -المتخصص في علم الأوبئة في جمعية السرطان الأمريكية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن نتائج هذه الدراسة قابلة للتعميم على البالغين الذين لم يكونوا يعانون من السرطان في الأساس".

 واعتبر "ماكولوج" أن الدراسة تدعم الأدلة التي عُدَّت في السابق غير حاسمة عن العلاقة بين معدل ارتفاع فيتامين (د) وتراجُع الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، وبالتالي ستُسهم نتائجها في اتخاذ القرار من قِبَل الهيئات الصحية فيما يتعلق بتوصياتها حول المعدلات التي يحتاجها الجسم من الفيتامين.

وأوضح "ماكولوج" أن التركيز الأعلى من فيتامين (د) المطلوب لصحة العظام ارتبط بخطر أقل للإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنسبة 22%، مضيفًا أنه "كانت هناك صعوبة لقياس مدى تأثير التركيزات الأعلى والتي تزيد على 100 نانومول/لتر، نظرًا لصغر حجم العينة"؛ موضحًا أن 3.5 فقط من عينة الدراسة كان لديهم تركيزات كبيرة من الفيتامين، وفق قوله.

ويضيف أن "هناك حاجة مُلحة إلى دراسات إضافية لتقييم التأثيرات الصحية لوجود مستويات أعلى من فيتامين (د). لقد وجدنا اختزانًا أقوى للمخاطر بين النساء، خاصة بالنسبة لتركيزات أعلى من هذا الفيتامين، وبالتالي فنحن بحاجة إلى أبحاث توضح لنا سر الاختلاف بين الرجال والنساء".

مجرد عنوان تجاري

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول الجدل الدائر بشأن الفيتامين، والذي بلغ حد وصف البعض لتناوله بأنه "عديم الفائدة"، وبأنه "مجرد عنوان تجاري"، وأن ارتفاع معدلاته في الدم قد يؤدي إلى مشكلات صحية، قال "ماكولوج": "إن بعض الدراسات القائمة على الملاحظة توصلت إلى أن الأشخاص الذين لديهم مستويات عالية منه في الدم معرضون لخطر الإصابة ببعض أنواع السرطان (مثل البنكرياس) أو زيادة معدل الوفيات بشكل عام. لكن هذه النتائج غير متَّسقة، وقد نكون في حاجة إلى دراسات أعمق حتى نتعرَّف حقيقة هذه النتائج".

وفيما يتعلق بالنسبة المُثلى من فيتامين (د)، التي تعالج السرطان وفي الوقت نفسه لا تضر الجسم، قال الباحث: "إن الدراسة لم تتطرق أصلًا إلى مثل هذه النقطة الخطيرة؛ إذ ركزت بالأساس على النتائج فيما يتعلق بسرطان القولون والمستقيم.

 وتوصي منظمة الصحة العالمية بمستويات فيتامين د في الدم من 50 إلى 75 نانومول/لتر، فيما اقترحت دراستنا، والكلام للباحث الرئيسي للدراسة، أن وجود نسبة تتراوح بين (75 و100) نانومول/لتر يقلل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، ولأن التركيزات الأعلى من ذلك قد تكون ضارة.

ويوضح "ماكولوج" أن توصيات جرعة فيتامين (د) الغذائية الحالية التي تعتمد على صحة العظام هي 400 وحدة دولية للأطفال حتى عمر سنة واحدة، و600 وحدة دولية/يوميًّا للبالغين حتى سن 70، و800 وحدة دولية/يوميًّا لمَن هم فوق سن 70 سنة.

فوائد أخرى

لم تتوقف فوائد تناوُل جرعات كبيرة من فيتامين (د) عند حدود تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم؛ إذ توصلت دراسة أجراها فريق من الباحثين في علم الأحياء من معهد "سالكا" في لاهوي بالولايات المتحدة إلى أن تناول جرعات كبيرة منه والمواد التي تعزِّز فاعليته في خلايا البنكرياس، يشفي من النوع الثاني من مرض السكري.

كما ذكرت دراسة بريطانية أن تناول فيتامين (د) يساعد على تنمية المهارات اللغوية والحركية، ويحسِّن الوزن لدى الأطفال المصابين بسوء التغذية. إذ قام باحثون من جامعة "كوين ماري" البريطانية، بالتعاون مع باحثين من جامعة "البنجاب" الباكستانية، بكشف العلاقة بين مكملات فيتامين (د) ومعالجة آثار سوء التغذية لدى الأطفال.

وكان الباحثون قد أجروا الدراسة على 185 طفلًا مصابًا بسوء التغذية الحاد في باكستان، تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و58 شهرًا، وجرى تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى تكونت من 93 طفلًا تلقوا جرعات عالية من مكملات فيتامين (د)، أما المجموعة الأخرى (92 طفلًا) فقد تلقت دواءً وهميًّا، وبعد 8 أسابيع من المتابعة والعلاج، أدت مكملات فيتامين (د) إلى حدوث تحسُّن في وزن الأطفال؛ إذ اكتسب المشاركون أكثر من 15٪ من وزنهم الأساسي مقارنةً بالمجموعة الأخرى التي لم تتلقَّ المكملات.

من جهتها، تقول "جافيريا سليم" –الباحثة بجامعة كوين ماري البريطانية، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تناوُل المكملات الغذائية الغنية بفيتامين (د) يعزِّز الوزن وينمى المهارات اللغوية والحركية لدى الأطفال المصابين بسوء التغذية، وهذا الاكتشاف لتأثير فيتامين (د) على الأطفال قد يغير قواعد إدارة سوء التغذية الحاد الوخيم، الذي يؤثر على 20 مليون طفل حول العالم، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية".

وأوضحت "سليم" أن الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد أكثر عرضةً للعدوى والالتهاب المفرط، مضيفةً أن "فيتامين (د) سيكون مرشحًا جيدًا لمكافحة سوء التغذية وتداعياتها؛ إذ يحتوي على خصائص مضادة للعدوى ومضادة للالتهاب. وبالتالي يعمل على زيادة الوزن ويساعد على تطوير المهارات اللغوية والحركية لدى الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد".

وتشدد "سليم" على أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة تشير إلى إمكانية أن يكون تناوُل جرعة عالية من فيتامين (د) أداةً لتغيير قواعد معالجة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفةً، في الوقت ذاته، أنه "يجب دعم تلك النتائج من خلال دراسات إضافية قبل الاستعانة بجرعات عالية منه في العلاج، فضلًا عن إجراء مزيد من التجارب السريرية لتحديد ما إذا كانت النتائج التي توصلنا إليها يمكن إعادة إنتاجها في بلدان أخرى غير باكستان، حيث يمثل سوء التغذية الحاد الشديد مشكلة كبيرة في أغلبها".

وجهة نظر أخرى

من جهته، يقول "أحمد سمير عبد الحميد" -مدرس الباثولوجيا الإكلينيكية المساعد بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تحليل قياس فيتامين (د) وتناول جرعة منه صار شيئًا شائعًا في الممارسة الطبية حديثًا، ليس في الدول العربية فحسب، لكن أيضًا في الدول الغربية مثل الولايات المتحدة؛ إذ تضاعف الطلب عليه بنسبة تصل إلى 83 مرة بين عامي 2000 و2010، ليصبح الخامس ضمن أكثر التحاليل التي يتم طلبها في عام 2014".

لكن "عبد الحميد" يضيف، في الوقت ذاته، أنه "وفقًا للجمعية الأمريكية لطب الأسرة، فإن التجارب السريرية لم تُثبت فائدةً صحيةً لقياس مستوى الفيتامين والحصول على جرعة مكملة منه من الخارج، وما من أدلة علمية على أن الحصول على مكملات فيتامين (د) يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسرطان أو أمراض القلب. كما أن مسح الأشخاص الذين لا يعانون مشكلاتٍ صحية تتطلب عملهم لهذا التحليل وإعطاءهم علاجًا إذا أظهرت التحاليل نقصًا فيه لا يقلل أيضًا من خطر السرطان أو النوع الثاني من السكري".

ويلفت "عبد الحميد" إلى أن عمل تحليل غير مطلوب عادةً ما يؤدي إلى الحصول على علاج غير مطلوب ومكلف كذلك، وقد يكون هذا العلاج ضارًّا في بعض الأحيان؛ إذ إن الحصول على جرعات زائدة من فيتامين (د) قد يُلحق ضررًا بالكلى وارتفاعًا في مستوى الكالسيوم وتكلسًا في الأوعية الدموية، وفق قوله.