امتلاك هاتف محمول مزود ببطارية آمنة تعمل لساعات طويلة، أمل يراود الملايين من مستخدمي التقنيات الحديثة حول العالم، وترصد المراكز البحثية وشركات التقنية اعتمادات مالية ضخمة لتحقيقه. ولعل ما فعلته الشركة الكورية العملاقة في مجال التقنية "سامسونج" في سبتمبر 2016، بسحب هواتفها من نوع "Note 7" بسبب حوادث غير اعتيادية، فتح نقاشًا جديدًا حول ضرورة السعي نحو زيادة معدلات الأمان في الأجهزة الحديثة.

وكان عدد كبير من المستخدمين قد أبلغوا بوجود عيب خطير يتسبب في ارتفاع درجة حرارة بعض الهواتف في أثناء الشحن، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى انفجار الأجهزة.

ومؤخرًا، نشر باحثون من جامعتي كاليفورنيا الأمريكية والقاهرة المصرية ورقة بحثية جديدة، قد تشكل خطوة نحو التغلب على مشكلات البطاريات المدمجة عبر تقنية جديدة لصناعة المكثفات الفائقة أكثر أمانًا وأقل تكلفة.

تعتمد تلك الطريقة على استخدام أشعة الليزر لحفر فجوات دقيقة تسهِّل دخول الأيونات وخروجها في أثناء عمليتي الشحن والتفريغ، ما يُمكِّن البطاريات المعتمدة على المكثفات الفائقة Super capacitors من إعادة الشحن في ثوانٍ، ويجعلها تعمل في درجات حرارة منخفضة نسبيًّا، وآمنة للاستخدام ضمن إطار بطاريات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.

ووفق الدكتور ماهر القاضي، الباحث في قسم الكيمياء وعلم المواد في كلٍّ من جامعتي كاليفورنيا والقاهرة، وأحد باحثي الدراسة، فإن العالم على وشك التحوُّل من تخزين الكهرباء في بطاريات الليثيوم- أيون Lithium-ion إلى تخزينها في المكثفات الفائقة. ويضيف: فعلى خلاف البطاريات المعتادة التي تخزن الكهرباء بطريقة كيميائية، تعمل المكثفات الفائقة على تخزينها في صورة كهرباء ساكنة، ما يجعلها أكثر أمانًا، ويؤكد أن "عملية الشحن في المكثفات الفائقة تستغرق ثوانيَ معدودة، ما يحول دون ارتفاع درجة حرارتها، ويجعل احتمالية انفجارها ضعيفة للغاية".

وإلى الآن، تستخدم شركات تصنيع الهواتف المحمولة بطاريات "الليثيوم- أيون"، التي تخزن الطاقة من خلال التفاعلات الكيميائية.

وبطارية الليثيوم-أيون نوع من البطاريات التي يمكن إعادة شحنها، وتتألف من الأنود (القطب الموجب) من عنصر الليثيوم، والكاثود (القطب السالب) عادة من الكربون المسامي، وبينهما عازل، وتغمر المكونات الثلاثة في مادة موصلة للكهرباء (الإلكترولايت electrolyte) بغرض توليد الطاقة المطلوبة. ويشتمل هذا النوع من البطاريات على عدة أنواع، وفق نوع التفاعل الكيميائي المميز لها، وطريقة أدائها وسعرها ومدى سلامتها.

غير أن بطاريات الليثيوم لم تعد تفي بالغرض المخصص لها، بعدما أصبحت معالجات الأجهزة المحمولة سريعة للغاية، وتحتاج إلى بطاريات أكثر قوة، قابلة للشحن بسرعة والتفريغ ببطء. لذا، يحاول العلماء صناعة أنواع جديدة من البطاريات تعتمد على تخزين الطاقة في المكثفات.

تطور واسع النطاق

مؤخرًا؛ شهدت المكثفات الفائقة تطورًا واسعًا بوصفها أحد أهم عناصر تخزين الطاقة الكهربائية، إذ تتميز بعدد دورات شحن وتفريغ كبير للغاية، يصل إلى نحو مليون دورة، مقارنة بـ1500 دورة في بطاريات الليثيوم، بالإضافة إلى زيادة سعتها الكهربائية التي تصل إلى عشرات الآلاف من "الفاراد" –وحدة قياس السعة الكهربائية- ومقاومتها التسلسلية ESR المنخفضة، التي تجعل فرق الجهد في أدنى حالاته، وفق ما نشرت مجلة نيتشر.

وتُصنع المكثفات الفائقة من قطبين كهربائيين، تفصل بينهما مادة عازلة، صلبة أو سائلة. وفي أثناء عملية الشحن، تُسحب الكهرباء من المصدر لتُخزَّن على القطبين عبر استقطاب يحدث في المادة العازلة يفصل الشحنات الموجبة عن السالبة، ويجري الاحتفاظ بالشحنات الكهربائية المسحوبة من المصدر في صورة كهرباء ساكنة. تتم هذه العملية بسرعة كبيرة للغاية، إذ لا يستغرق شحن المكثف الفائق ثوانيَ معدودة، وتعكس هذه العملية حين يجري توصيل المكثف بجهاز مُستهلك للكهرباء، إذ تنطلق الشحنات المخزنة على قطبي المكثف في صورة كهرباء لتغذية الجهاز المطلوب.

غير أن هناك عيوبًا في صناعة المكثف الفائق، من ضمنها ارتفاع سعر المواد اللازمة لصناعته، ما يجعل البطارية التي تعتمد على المكثفات الفائقة أغلى عشر مرات تقريبًا من بطاريات الليثيوم، علاوة على حجمها الكبير مقارنة بمثيلاتها من البطاريات الأخرى.

وتُصنع المكثفات الفائقة من 3 أنواع من المواد، إما "الجرافين"، أو "أنابيب الكربون النانوية"، وكلاهما باهظ الثمن، أو باستخدام قشور جوز الهند الرخيصة والمتوفرة في البيئة الطبيعية. غير أن الطريقة الأخيرة لصناعة المكثفات تحُدُّ كثيرًا من قدرتها التخزينية.

يؤكد القاضي أنه أمكن التغلب على هذه العقبة، مشددًا على أن العلماء يتوسعون الآن في استخدام قشور جوز الهند كمادة رخيصة وفعالة. ويستطرد: فتلك القشور يجري حرقها لتحويلها إلى كربون نشط Activated Carbon، إذ تُستخدم كوسيلة تنشيط كيميائية لفتح الثقوب والفراغات داخلها، بحيث تمر من خلالها الأيونات الموجبة والسالبة عبر غمرها في إلكترولايت مصنوع من أملاح مادة كربونات البروبلين متوسطة السعر.

"نستخدم الطريقة ذاتها لصناعة مكثفنا الفائق الجديد، إلا أننا نضيف خطوة واحدة"، يشرح القاضي لـ"للعلم" ما توصلت إليه الدراسة، مشيرًا إلى أن الفريق البحثي يستخدم الليزر لحفر قنوات متناهية الصغر في الكربون النشط، تعمل على تقليل المسافة اللازمة لنشر الأيونات، وزيادة المساحة السطحية المخصصة لحركتها، ما يمكِّنها من التحرك داخل الإلكترولايت بسرعة أكبر، وهو الأمر الذي أسهم في زيادة كثافة الطاقة المخزنة، وخفض المدة اللازمة للشحن بمقدار الربع، مع زيادة كفاءة الاحتفاظ بالشحنة بمعدل 8 مرات أكبر من المكثفات الاعتيادية.

ولم تتوقف إضافة الفريق البحثي عند استخدام الليزر لحفر القنوات متناهية الصغر، بل امتد ليشمل تغيير المادة المستخدمة لصناعة الإلكترولايت نفسه، فعوضًا عن استخدام "كربونات البروبلين" القابلة للاشتعال كموصل للكهرباء، استخدم الباحثون الماء مضافًا إليه مادة كيميائية يُطلق عليها اسم "فيروسيانيد" ferrocyanide، وهي مادة قادرة على التأكسد والاختزال في أثناء عمليتي الشحن والتفريغ، ما يرفع من معدلات استقرار المكثف الفائق، كما يزيد من معدلات الأمان في البطارية لأقصى درجة ممكنة.

كثافة الطاقة المخزنة

ولكن تبقى مشكلة كبيرة، هي أن كثافة الطاقة المخزنة تقل عن البطاريات العادية بمقدار عشرين مرة، ما يعني أن بطارية مكثف فائق مصنوعة من الكربون النشط وفي نفس حجم بطارية الليثيوم أيون، لن تدوم سوى لدقائق معدودة فقط، بالمقارنة بعدة ساعات لبطارية الليثيوم، وهو ما يجعل وضعها في هاتف نقال أمرًا مستبعدًا في الوقت الحالي.

ويرى الدكتور ماين جو -الباحث في مجال المكثفات الفائقة بقسم الأبحاث والابتكارات، ومستشار المعهد الملكي للتكنولوجيا في ملبورن بأستراليا- أن تلك الطريقة قد تُسهم مستقبلاً في استخدام المكثفات الفائقة لصناعة بطاريات تُستخدم في تطبيقات واسعة، من ضمنها الهواتف المحمولة والأجهزة الذكية الأخرى، "إلا أن البحث لا يزال بحاجة لحل مشكلة الكثافة"، على حد قوله.

 ولعل ذلك ما دفع جو إلى القول: "إن الاتجاه الآن هو صناعة بطاريات ترتكز على المكثفات الفائقة الجرافينية لوضعها في الهواتف". ويستطرد بقوله: "بطبيعة الحال هي غالية الثمن، لكنها أكثر أمانًا وقوةً من البطاريات العادية". وأضاف جو في تصريحه لـ«العلم» أن الأسلوب الجديد الذي تقترحه الدراسة الأخيرة قد يُعطي دفعة قوية لاستخدام ذلك النوع من البطاريات في الحافلات والقطارات الكهربائية. وتابع قائلاً: "الأسلوب بسيط وفعال لتحسين الكفاءة الحالية للمكثفات الفائقة، مع المحافظة على سعر منخفض نسبيًّا، لكن تبقى مشكلة كثافة الطاقة المخزنة دون حل".

دافع كبير

ارتفع الحجم السوقي للبطاريات المعتمدة على تقنية المكثفات الفائقة، ليصل إلى نحو 568 مليون دولار في 2015، مع توقعات بارتفاعها إلى 2.81 مليار دولار في عام 2022، الأمر الذي يشكل دافعًا كبيرًا لابتكار تقنيات جديدة لصناعة بطاريات المكثفات الفائقة.

وكان علماء من جامعة فلوريدا الأمريكية قد تمكنوا في عام 2016 من تطوير نموذج أولي لبطارية مصنوعة من المكثفات الفائقة؛ بهدف تلبية احتياجات مستخدمي الأجهزة الذكية. العمر الافتراضي للبطارية أكبر 20 مرة مقارنة ببطاريات الليثيوم، وتتفوق عليها في بطء معدل التحلُّل. تعمل البطارية المطورة بكفاءة جيدة بعد شحنها وتفريغها أكثر من 30 ألف مرة، كما أن الوقت اللازم للشحن لا يتخطى ثواني معدودة. وفي العام ذاته؛ تمكن علماء من جامعة سيري بهولندا من تصميم عازل من البلاستيك، لتخفيض تكلفة صناعة البطاريات المعتمدة على المكثِّفات الفائقة.

اللافت أنه في الوقت الذي ارتفعت فيه مبيعات المكثفات الفائقة، انخفضت القيمة السوقية لشركة «سامسونج» بنحو 19 مليار دولار، نتيجة الخسائر التي تكبدتها إثر قيامها بسحب أجهزة Note 7، ورغم التعافي الجزئي للشركة، بعد طرح هاتفها الجديد Samsung S8، لا تزال فضيحة انفجار البطاريات تجثم على وضعها الاقتصادي، كما لا يزال المستخدمون في انتظار "طفرة" يمكنها أن تُحْدِث التوازن بين سعر البطارية المصنوعة من المكثفات الفائقة، وأمان استخدامها وحجمها. ووفق «القاضي» فإن المستقبل القريب سيشهد تراجع سعر بطاريات المكثفات الفائقة، كما شهد الأمس تقلص حجمها، وستتيح التكنولوجيات المستقبلية وضعها في الأجهزة الذكية بسعر يناسب المستهلك، ويرفع معدلات أمان استخدام تلك الأجهزة إلى الدرجة القصوى.