كان الباعة الجائلون معتادين وصف بضائعهم بما يميزها في أثناء محاولاتهم للبيع. فكان بائع الملح في إحدى القرى يروج بضاعته قائلًا: "يا مُصلح يا ملح"؛ لأنه يصلح مذاق الطعام. فكلنا نعلم أنه لا غنى عن ملح الطعام، ليس فقط لأنه مُصلح، ولكن باعتباره أحد المغذّيات الأساسية الضرورية للحفاظ على توازن سوائل الجسم، وعمل الأعصاب والعضلات، لكن ملح الطعام أو كلوريد الصوديوم، كما يعرف علميًا،  يتحول إلى "سم أبيض" إذا زاد عن الحد المسموح به، ويعجّل بالإصابة بالقاتل الأول في العالم، وهو أمراض القلب التي تُودي بحياة 17.3 مليون شخص سنويًّا، ويُتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 23 مليونًا بحلول 2030.

5 جرامات فقط هي الكمية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية للفرد يوميًّا، وهي كمية إذا التزم الأشخاص بها، يمكن تفادي ما يقدَّر بـ2.5 مليون حالة وفاة سنويًّا حول العالم.

علاقة الملح الزائد بأمراض القلب والأوعية الدموية وضغط الدم المرتفع معروفةٌ منذ عقود، لكن دراسة حديثة ترسخ لعلاقة ثنائية أخرى ظهرت مؤخرًا، وهي تراجُع القدرات العقلية، الذي يقود إلى الإصابة بالخرف وألزهايمر.

كشف باحثون بكلية طب "وايل كورنيل" الأمريكية، في دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية "نيتشر"، أن تجنُّب الإفراط في تناول الملح والحفاظ على صحة الأوعية الدموية قد يساعد في تَراجُع الأمراض الوعائية والعصبية التي تكمن وراء إصابة كبار السن بالخرف.

أبحاث تأثير الملح على وظائف الدماغ، بدأها فريق جامعة "وايل كورنيل" في 2018، وتوصلوا في دراسة أُجريت على الفئران إلى وجود علاقة بين القناة الهضمية والمخ، بحيث تؤدي نوعية الغذاء إلى رد فعل مناعي في الجهاز الهضمي، يحفز حدوث نقص في انسياب الدم في المخ، واضطراب في الأوعية الدموية للخلايا العصبية، وضعف في الإدراك.

ووجد الباحثون أن الأطعمة المالحة تقلل تدفُّق الدم في المخ، وتسبب خللًا في الخلايا البطانية للأوعية الدموية في الدماغ، يقود إلى حدوث التهابات تحرم الدماغَ الأكسجينَ وتضر الخلايا العصبية، ما يرفع من احتمالات حدوث المشكلات السلوكية والعقلية.

وبناءً على هذه النتائج، توصل فريق البحث -الذي يقوده الباحثان في معهد أبحاث الدماغ في كلية طب "وايل كورنيل"، "كوستانتينو إديكولا" و"جوسيبي فراكو"- إلى نظرية مفادها أن الملح قد يسبب الخرف لدى الفئران؛ لأنه يسهم في تقييد تدفق الدم إلى المخ، وبالتالي تجويعه بشكل أساسي، لكن عندما واصلوا أبحاثهم على الفئران، أدركوا في دراستهم الجديدة أن تقييد تدفق الدم لم يكن شديدًا بما يكفي لمنع الدماغ من العمل على نحوٍ صحيح، وهناك سبب آخر لهذه العلاقة.

في دراستهم الجديدة، راقب الفريق مجموعتين من الفئران، تناولت الأولى أغذيةً غنيةً بالملح، أما الثانية فتناولت أطعمةً معتدلة، لا تحتوي على نسب مرتفعة من ملح الطعام. ووجد الباحثون أن اتباع نظام غذائي غني بالملح قد يؤثر سلبًا على الوظائف الإدراكية للدماغ، عن طريق التسبُّب في نقص "أكسيد النيتريك" (Nitric Oxide)، وهو مركب حيوي يسهم في الحفاظ على صحة الأوعية الدموية في المخ.

واكتشف الباحثون أنه عندما تكون مستويات "أكسيد النيتريك" منخفضةً للغاية، تحدث تغييرات كيميائية تسبب خللًا في نسب "بروتين تاو (Tau Protein)" في المخ.

و"بروتينات تاو" هي بروتينات تساعد على استقرار الأوعية الدموية الدقيقة في الخلايا العصبية بالجهاز العصبي المركزي، وتُسهم في بناء الهيكل الخلوي الذي يقوم بنقل المواد الغذائية عبر الخلايا العصبية لدعم وظيفتها وصحتها.

وعندما تصاب هذه البروتينات بخلل، تفقد وظيفتها، وبالتالي لن تتمكن من توفير الاستقرار للأوعية الدقيقة في الخلايا العصبية بالشكل صحيح، وبالتالي يصاب المريض بأمراض مرتبطة بالجهاز العصبي، أبرزها ألزهايمر والخرف.

آلية تأثير الملح الزائد على المخ

وفي تصريحات لـ"للعلم"، قال "إديكولا": "إن دراستنا الجديدة كشفت أن اتباع نظام غذائي غني بالملح يؤدي إلى ضعف إدراكي، لا ينتج عن تقييد نسبة الأكسجين الواصلة إلى الدماغ، ولكن بسبب اختلال نسب "تاو بروتين"، الذي يؤثر على الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ".

وأضاف أن الدراسة أثبتت أن الحد من تناوُل الملح لدى الفئران يقلل من خطر الخرف، ولكن هذه النتيجة لا تزال بحاجة إلى تأكيد، فيما يتعلق بالبشر، ما يحتاج إلى إجراء تجارب سريرية، في وقت لاحق.

وقال "فراكو" لـ"للعلم": "أعتقد أن النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة هي ظهور علاقة بين النظام الغذائي الغني بالملح و"بروتين تاو". بالإضافة إلى ذلك، ترصد دراستنا الآليات التي تؤدي بها التغييرات في وظيفة الأوعية الدموية الدماغية إلى ضعف إدراكي".

وعن طبيعة الأطعمة المالحة التي تناولتها الفئران المشاركة في الدراسة، أوضح أن الفريق وضع مزيدًا من ملح الطعام على الأطعمة المعتادة، لكن بالنسبة للبشر، فإن أحد أبرز مصادر الملح الزائد يتمثل في الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة. 

وأوضح أن خطوات الفريق التالية ستركز على دراسة تفاعُل النظام الغذائي الغني بالملح مع عوامل الخطر الغذائية الأخرى، مثل النظام الغذائي عالي الدهون أو عالي الفركتوز. وسيكون من المثير للاهتمام أيضًا أن نفهم ما إذا كانت عوامل الخطر الجينية لمرض ألزهايمر قد تزيد من تعزيز تأثير الملح على "بروتي تاون" وتؤدي إلى مزيد من التراجع في الوظائف المعرفية للدماغ.

ناقوس خطر

من جانبها، رأت عفاف عزت -أستاذ التغذية والكيمياء الحيوية بالمركز القومي للبحوث- أن نتائج الدراسة تدق ناقوس الخطر، محذّرةً من أضرار التناوُل الزائد لملح الطعام على صحة الدماغ.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم" أن أكسيد النيتريك الذي يتناقص في الدماغ بسبب زيادة تناول ملح الطعام، يعتبر من مضادات الأكسدة، وهي مواد ذات أهمية للجسم؛ لأنها تمنع تلف الأنسجة والخلايا، ويزداد تأثير ذلك في المخ؛ إذ ينذر نقصانه بتلف الأنسجة المهمة في المخ، ويعجل بظهور أمراض الشيخوخة بشكل مبكر، وأبرزها الخرف أو العته (Dementia).

وأوضحت أن الملح الزائد يعجل أيضًا بظهور مادة "أميلويد بيتا"، وهي عبارة عن مادة بروتينية تتراكم بصورة مَرَضيّة بين الخلايا، وتشكل تصلبات في خلايا المخ، ومصدرها "الجليكوبروتين" (glycoprotein)، وهو بروتين سكري موجود في جدران الخلايا، ويعتبر الملح أحد الأسباب الرئيسية لزيادة مستوياته.

وتشمل العلامات البيولوجية لمرض ألزهايمر، التراكم المفرط للويحات لزجة وسامة في الدماغ، تسمى بروتين "أميلويد بيتا"، يظهر أثرها في سوائل العمود الفقري، وتتراكم تلك السوائل في الدماغ، قبل عقود من ظهور أعراض المرض، الذي يسبب فقدان الذاكرة، ومشكلات في الإدراك.

وعلى الرغم من أنه من المعروف عن عمل الأميلويد بيتا أنه مضاد للميكروبات، إلا أن التراكمات المفرطة منه وتشكيل اللييفات fibrils، تجلعه ذا تأثيرات ضارة عندما لا تُنظم بشكل صحيح. ويُعَد بروتين "أميلويد بيتا" عنصرًا أساسيًّا للترسبات التي يُعثر عليها في أدمغة مرضى ألزهايمر.

وأشارت "عزت" إلى أن "أميلويد بيتا" لا يظهر في المخ فقط، لكنه قد يتشكل أيضًا في أجزاء معينة من القلب، ويقود إلى أمراض منها الذبحة الصدرية الناجمة عن انخفاض تدفق الدم إلى القلب، بالإضافة إلى السكتة القلبية.

وأضافت أن الملح لا يشكل ضررًا بالغًا على المخ فقط، لكن أضراره تسبب جملةً من الأمراض، على رأسها زيادة ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى زيادة معدلات الدهون في الأوردة والشرايين القلبية، ما يسبب جلطات القلب، كما أنه يسبب هشاشة العظام، وأضرارًا للأسنان.

واتفق معها مجدي نزيه، أستاذ ورئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية، مؤكدًا أن الدراسة تأتي في إطار الأضرار الجسيمة التي تسببها زيادة تناول الملح بالنسبة للجسم، ومنها ارتفاع ضغط الدم، واحتباس المياه في الجسم، وزيادة الوزن، وأمراض القلب والشرايين.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن متوسط احتياج الفرد من الملح يبلغ حوالي 5 جرامات يوميًّا، ويزيد متوسط استهلاك الفرد غير المحب للأغذية المملحة إلى حوالي 12 جرامًا، وتقع مسؤولية الجرامات الزائدة عن الحد على عاتق الكلى، التي تسهم في تصفية كميات الملح الزائدة عن الحد، وكلما زادت كمية الملح عجزت الكلى عن أداء وظائفها، وبالتالي يتم تخزين الملح الزائد في الجسم، ما يسهم في احتباس السوائل.

وأضاف أن الفرد الذي يفضل الملح المتوسط في الأطعمة قد يصل استهلاكه إلى 15 جرامًا، وقد يصل الشخص الذي يفضل الملح الزائد في الطعام إلى 20 جرامًا يوميًّا، أما إذا زاد على ذلك وتناول المخللات، فقد يصل إلى 25 جرامًا، وإذا تناول أسماكًا مملحة بجانب المخللات، فقد يصل استهلاك الفرد إلى 60 جرامًا يوميًّا.

وأضاف أن ما يزيد على 5 جرامات يمثل عبئًا على الكليتين، وما يزيد على 12 جرامًا يشكل عبئًا على الشرايين، وهذا بدوره يشكل تأثيرًا بالغًا في جرعة الأكسجين التي تصل إلى المخ والجهاز العصبي، ويقود إلى أضرار تصيب خلايا المخ والجهاز العصبي، منها نقص مركبات إيجابية للمخ مثل أكسيد النيتريك، وفقًا لنتائج البحث.

طرق لخفض الملح

وعن الحلول المتاحة لتقليل ملح الطعام، نصحت "عزت" بعدم الإكثار من وضع الملح داخل الأطعمة المعدَّة في المنزل، والاستعاضة عن الملح الزائد بوضع الليمون الذي يعطي الأطعمة والسلطات مزازة ومذاقًا مالحًا وغير ضار، وهذه الثقافة لا بد من تطبيقها على الأطفال منذ الصغر، حتى يعتادوا تذوُّق الأطعمة ذات الملح الخفيف واستساغتها، فيتربوا على عدم تفضيل الأطعمة المالحة حتى عند الكبر، بالإضافة إلى الابتعاد عن المخللات والحوادق بأنواعها، والأسماك المملحة كالفسيخ والرنجة، واللحوم المصنعة، لاحتوائها على كميات كبيرة من الملح.

وقالت إن ملح الطعام أو كلوريد الصوديوم هو المركب الكيميائي الوحيد الذي يمكن الاستغناء عنه كليًّا في الأطعمة دون أن يحدث نقص في هذا العنصر بالجسم؛ لأنه موجود وبكثرة وبصورة طبيعية في جميع أنواع الخضراوات.

أما "نزيه"، فنصح باستبدال ملح الطعام بملح البوتاسيوم، وهو متوافر في الصيدليات لمرضى ضغط الدم المرتفع، ومحاولة الاستعاضة عن الملح العادي بوجبات تحتوي على التوابل والبهارات بأنواعها والليمون، لأنها من أكثر المكونات التي تضفي نكهات تغطي على طعم ملح الطعام، وفي الوقت ذاته لا تشكل أضرارًا كبيرة على الكليتين، والشرايين والأوعية الدموية.

كما نصح بالابتعاد عن الأسماك المملحة والمخللات، والاعتماد على طبخ الأطعمة في المنزل؛ لضمان التحكم في نسب الملح، وليس منعه، لأن الجسم يُخرج جرعة الملح الموصى بها في أثناء العرق، وإذا لم يكن هناك ملح في الجسم عند بذل العرق والمجهود وخاصةً في الصيف، فقد يحدث هبوط للدورة الدموية، وانخفاض لضغط الدم.

وأشار إلى ضرورة تناوُل الأغذية التقليدية التي تعبر عن البيئة والموقع الجغرافي للفرد، ففي مصر، يفضل الاعتماد على أغذية مثل الكشري وفتة العدس، والأكل المسلوق وليس المقلي، بالإضافة إلى حمية البحر المتوسط التي تعتمد على زيت الزيتون مصدرًا أساسيًّا للدهون، بجانب الإكثار من تناول الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات، وتناول الأسماك والدواجن على الأقل مرتين في الأسبوع، والحد من تناول اللحوم الحمراء. وفي السعودية على سبيل المثال ينصح بأكل المسلوق، وفي إيران ينصح بتناول اللفت والكبيبة، والسودان "الويكا"، وفي الجزائر وتونس "الكسكسي".

واعتبر أن الأغذية التقليدية هي أغذية بيئية تناسب طبيعة الفرد وفقًا لتاريخه الجيني، الموروث عبر آلاف السنين، ثم درجة حرارة البيئة التي يعيش فيها، ثم طبيعة المناخ والأجواء، وحتى طبيعة الميكروبات البيئية، بمعنى أنه إذا كان الفرد يعيش في درجة حرارة 40 على سبيل المثال، فالمناسب له الأكل المسلوق وليس المقليات.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يمكن تقليل استهلاك الملح في المنزل عن طريق عدم إضافة الملح في أثناء تحضير الطعام، وعدم وضع إناء للملح على المائدة، والحدّ من استهلاك الوجبات الخفيفة المملّحة، والوجبات السريعة، واختيار منتجات ذات محتوى أقل من الصوديوم.