على الرغم من انخفاض معدل الوفيات عالميًّا وفق المراحل العمرية المختلفة، فإن أمراض القلب والأوعية الدموية (CVD) لا تزال السبب الرئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم. في عام 2016، قدر العبء العالمي للمرض أن هناك 17.6 مليون حالة وفاة بسبب الأمراض القلبية الوعائية، تتضمن 9.5 ملايين بسبب أمراض القلب التاجية (CHD)، و5.5 ملايين بسبب أمراض الأوعية الدموية الدماغية (CBD).

وتفيد نتائج الدراسات الطبية أن عوامل الخطر الرئيسية القابلة للتعديل للحد من إصابات أمراض القلب والأوعية الدموية هي ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسب الدهون بالدم، وداء السكري، والسمنة، والتدخين. عامل خطر آخر مهم جرى الكشف عنه بعد تحليل نتائج 72 دراسة سابقة أُجريت في هذا الإطار في كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا فيما يتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية، حيث أبلغت عن خطر نسبي مجمّع قدره 1.50 في الأفراد الذين يعانون من انخفاض مستوى التعليم، مقارنةً بأقرانهم ممن تلقوا مستوى تعليم أفضل.

 وتُجرى هذه التجارب cohort studies على الأفراد بحيث يتم تقسيمهم إلى مجموعتين، تكون إحداهما معرضة لعوامل الخطورة التي قد تؤدي إلى الإصابة بالمرض، والأخرى غير معرضة لها، بحيث يمكن اختبار مدى ارتباط عوامل الخطر الكمية والتأثيرات الصحية.

علاوة على ذلك، أظهرت نتائج دراسات سابقة أن مستوى التعليم المنخفض يرتبط مع تشخيص الأمراض القلبية الوعائية بين الفئات الفقيرة. في حين أن المزيد من السلوكيات الخطرة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأفراد ذوي التعليم المنخفض قد يفسر جزءًا من هذه المخاطر فيما يتعلق بارتفاع احتمالات الإصابة بهذه الأمراض، وقد تم أيضًا اقتراح مسارات مادية ونفسية واجتماعية كآليات عمل يمكنها تفسير ذلك.

إحدى الفرضيات لتفسير مستويات الخطر هي أن الأفراد ذوي التعليم المنخفض في الغالب يعملون في وظائف ذات دخل منخفض، وبالتالي يتعرضون لمستوى عالٍ من ضغوط العمل. ويرتبط هذان العاملان -مستوى التعليم المنخفض وضغوط العمل- بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وأكدت دراسة أجراها باحثون دنماركيون، ونشرتها دورية "يوروبيان هارت جورنال" (European Heart Journal)، النتيجة ذاتها، أن انخفاض الدخل وتزايُد ضغوط العمل يمكن أن يؤديا إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة من جَرَّاء الإصابة بالسكتة الدماغية.

الأزمة تشمل الجنسين

قام الباحثون في الدراسة بتحليل بيانات مليون و638 ألفًا و270 دنماركيًّا تراوحت أعمارهم بين 30 و59 عامًا في عام 2000، ولم يكن لديهم أي إصابة في القلب والأوعية الدموية، كما لم يكونوا مصابين بمرض السكري في بداية إجراء الدراسة.

كما فحص الباحثون 41.944 ألف شخص مصابين بالفعل بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري؛ إذ تابعوا حالتهم الصحية من عام 2000 وحتى عام 2014.

وكانت المفاجأة أنه من بين الأفراد الأصحاء الذين شملتهم الدراسة فإن الأشخاص ذوي المستوى التعليمي المنخفض معرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أكثر من أولئك الذين لديهم مستوى تعليمي عالٍ.

ووجدت الدراسة أن 61 شخصًا من كل 10 آلاف شخص من ذوي التعليم المتدني عانوا من أمراض القلب والأوعية الدموية خلال النطاق الزمني للدراسة، في حين بلغت نسبة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بين الحاصلين على تعليم عالٍ 34 حالة فقط بين كل 10 آلاف شخص.

ولم تختلف نتائج الدراسة كثيرًا بالنسبة للنساء، على الرغم من أن النساء في سن العمل أقل عرضةً للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنةً بالرجال. فمن بين 10 آلاف امرأة من ذوي التعليم المتدني ممن خضعن للدراسة أصيبت 32 منهن بأمراض القلب والأوعية الدموية، في حين بلغت نسبة الإصابة بهذه الأمراض 16 فقط لدى السيدات الحاصلات على تعليمٍ عالٍ.

وبالنسبة لعينة البحث المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، فقد كشفت الدراسة تعرُّض الرجال والنساء من ذوي المستوى التعليمي المنخفض لخطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية بمقدار 1.52 مرة و2.18 مرة على التوالي مقارنةً بالرجال والنساء من ذوي المستوى التعليمي العالي. وبعد تعديل الدخل وتخفيف ضغوط العمل، تراجعت احتمالات وفاتهم بنسبة 54٪ لدى الرجال و 33٪ في النساء.

14 عامًا من البحث

وتتمثل قوة الدراسة الرئيسية في حجم العينة التي تناولها الباحثون، إذ شملت جميع الموظفين في الدنمارك الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و59 عامًا وخضعوا للمتابعة لمدة أربعة عشر عامًا، كما راعى الباحثون رصد التحديثات السنوية للمعلومات الخاصة بهم مثل التعليم، والدخل، وضغوط العمل، وتطور الأمراض وأسباب الوفاة، المأخوذة من سجلات السكان والدولة، ما يعني أن البيانات كانت دقيقةً وشاملة.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول مدى إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات وبيئات مختلفة، تقول "إليزابيث فرامك"، الأستاذ بالمركز القومي لبحوث بيئة العمل بالدنمارك، والباحثة الرئيسيّة بالدراسة: بالرغم من أن نتائج الدراسة تقتصر على الفئات العمرية المدروسة (30- 59) وعلى السياق الدنماركي، إلا أننا لا يمكننا استبعاد أن تنطبق نتائج دراستنا على المجتمعات الأخرى، لكن لا يمكننا التأكد من ذلك.

تضيف "فرامك" أن "الدراسة أظهرت أن انخفاض مستوى التعليم يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، وأن ضغط العمل قد يمثل أحد أجزاء هذا الارتباط، وعلينا الاعتراف بأن ساعات العمل الطويلة قد تزيد من مستوى الدخل، ولكنها في الوقت نفسه قد تسبب توترًا وضغوطًا عصبية تزيد من احتمالات تعرُّض الشخص لهذه الأمراض".

التعليم عامل وقاية

وتتفق نتائج الدراسة الجديدة مع دراسات سابقة ربطت بين ضغوط العمل وانخفاض مستوى الدخل والتعليم والإصابة بأمراض القلب، ومنها دراسة نشرتها دورية "ذا لانسيت"، مشيرةً إلى أن ضغوط العمل والعمل لساعات طويلة قد تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين التاجية وأمراض الأوعية الدموية.

كما ذهبت دراسة بريطانية- سويسرية مشتركة إلى أن الأشخاص الذين يقضون وقتًا أطول في التعليم أقل عرضةً للإصابة بأمراض القلب والشرايين التاجية، مشيرةً إلى أن "قضاء 3.6 سنوات إضافية في التعليم -وهي المدة التي يحتاج إليها الفرد للحصول علي مؤهل عالٍ- يؤدي إلى انخفاض نسبة الإصابة بأمراض القلب التاجية بمقدار 30%، وأن قضاء سنوات أطول في التعليم يعمل على انخفاض مؤشر كتلة الجسم والبعد عن السمنة، وبالتالي البعد عن أمراض القلب".

من جهته، يؤيد محمد صبحي -رئيس جمعية القلب بالإسكندرية، وأستاذ أمراض القلب- نتائج الدراسة، مؤكدًا ارتباط ضغوط العمل التي يتعرض لها الإنسان بأمراض القلب.

يقول "صبحي" في تصريحات لـ"للعلم": ضغط العمل وانخفاض الدخل وما يترتب عليه من أزمات عصبية ونفسية قد تتسبب في الإصابة بأعراض الذبحة الصدرية، كضيق أو صعوبة التنفس، وعدم الراحة وألم الصدر، ما يستوجب إجراء فحوصات كاملة على فترات متقاربة بإشراف طبيب أمراض القلب؛ من أجل التأكد من خلو الجسد من أي إصابة، والذهاب إلى طبيب نفسي في حال التعرُّض لضغوط عصبية ونفسية أو إرهاق في العمل.

ويتفق محمد ابراهيم الأنور -أستاذ جراحة القلب بطب الزقازيق- مع نتائج الدراسة، مضيفًا أن "انخفاض مستوى الدخل وعدم ثباته يؤثر على صحة القلب".

يقول "الأنور" في تصريحات لـ"للعلم": تفاوُت مستوى الدخل وانخفاضه يؤثر سلبًا على صحة المخ والقلب معًا، كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة تؤثر سلبًا على صحة القلب والأوعية الدموية، وقد تصيب الشخص بالاكتئاب وتؤثر على دماغه أيضًا.