على حافة ملعب ترابي يموج بالأطفال، وقفت سيدة ثلاثينية بثياب بسيطة تُعنِّف أحد الأطفال. ذلك المشهد المُعتاد، الذي ربما صادف كثيرٌ منا رؤيته. كان الطفل حافي القدمين، يرتدي ثيابًا مدرسية، ويلعب مع أقرانه تلك اللعبة الشعبية الأولى في العالم أجمع.. كرة القدم.

أما الصغير، فهو الطفل هشام، وأما السيدة فهي والدته، التي تعمل "حكيمة" في إحدى الوحدات الصحية المنتشرة في بلده مشتول السوق. وأما الزمان فهو منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

كان "هشام" طفلًا يرى مستقبله في كرة القدم، وكانت والدته ترى مستقبله في التعلُّم. فشأنها شأن كل سيدات الأسر الفقيرة، تؤمن تلك السيدة الحكيمة بأن مستقبل أطفالها الستة، ووسيلتهم في الترقِّي الاجتماعي، هو حصولهم على شهادة عُليا من جامعة مصرية.

في ثانوية "هشام" العامة، كان مدرسو العلوم واللغات يؤمنون بأنه "شابٌّ مستهترٌ"، يضيّع وقته في لعب كرة القدم، في حين كان مُدرس الرياضيات مبهورًا بالفتى الذي يمتلئ قلبه بحب تلك المادة. كان أمل "هشام" أن يُصبح مُهندسًا، إلا أنه فقد بضع درجات حولت وجهته من دراسة الهندسة إلى دراسة العلوم.

credit: Hesham Sallam

قادته الأقدار إلى كلية العلوم بجامعة المنصورة، اختار في البداية قسم الكيمياء، إلا أن "التنسيق الداخلي" للجامعة "ألقاه" في قسم الجيولوجيا، ربما لحُسن حظ الجيولوجيا المصرية!

مَن ذاك الذي يُريد الالتحاق بذلك القسم الذي يُخرج العاطلين؟ هكذا تساءل هشام، إلا أنه لم يجد أمامه بُدًّا من أن يستذكر دروسه، وفي الآن ذاته، يلعب الكرة، ويُحاول "تحسين" مجموعه في الثانوية العامة! فقد كان وقتها من المسموح للطلاب "تحسين المجموع" مراتٍ عدة.

إلا أن والدته رفضت تمامًا "نظام التحسين". طالبته بالتركيز على الدراسة في كلية العلوم. سكن "هشام" في المدينة الجامعية التابعة لجامعة المنصورة، وهو ما أهَّله لاستذكار الدروس والمداومة على حضور المحاضرات. وبعد امتحانات الفصل الدراسي الأول، وبينما كان يُساعد والدته في صناعة وجبة من "المحشي"، تلقى اتصالًا يُخبره بأن نتيجة الامتحانات ظهرت، وأنه تفوَّق على زملائه وحاز تقدير "جيد جدًّا" في "الترم الأول".

كانت فرحته هائلة، احتضن والدته، وتناثرت حبات الأرز -المكون الرئيسي للمحشي- على الجدران. "في تلك اللحظة، وحين رأيت الفرحة في أعين والدتي، قررت الحفاظ على التفوق في جميع الامتحانات".

لهشام 6 أخوة، مقسمين بين الذكور والإناث قسمة العدل. كان والده موظفًا مدنيًّا في قسم الشرطة، في حين كانت والدته "حكيمة" صحية في وزارة الصحة، و"حكيمة" أيضًا في المنزل.

يقول "هشام" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إن والدته أصرت على أن يتخرج أبناؤها الستة بشهادات عُليا، "كنا أسرة تقترب من الفقر، ربما على ذلك الخط الفاصل بين الستر والفقر. كانت أجواؤنا المالية مُتعثرة، لكن حكمة والدتي أدارت دفة المركب في الاتجاه الصحيح.. وأصبحنا بفضلها من أصحاب الشهادات".

عن حياته المبكرة، يتحدث باستفاضة "هشام سلام"، ذلك العالِم المصري الذي أصبح الآن ملء السمع والبصر، بعد اكتشافاته المتعددة، التى تُوجت بالمنصوراصورس، أول ديناصور مصري من الواحات. يقول إن والدته "لم تُخطئ قط في نصيحة"، و"لم يُجانبها الصواب في تقييم". فبعد سنوات طويلة، عرف هشام أن والدته "حكيمة في العمل والحياة على السواء".

"طيلة حياتي كنت الابن المُدلل لوالدتي" يقول هشام مستطردًا، "هكذا كنت أظن"؛ فتلك السيدة البسيطة استطاعت طيلة عمرها إقناع أولادها الستة أن كل واحدٍ منهم هو "ابنها المدلل".. كانت تلك طريقتها الاستثنائية في إكساب أطفالها الثقة. فتلك السيدة الريفية البسيطة تمكَّنت من إذكاء شعور طفلها "هشام" بأهميته في الحياة، "كان لديها رؤية واضحة ثاقبة.. تعلمت منها أن لا شيء في الحياة فوضوي، وأن الترتيب ووضع الخطط ووضوح الأهداف هو سر النجاح".

بعد التخرج، قرر هشام الحصول على منحة للسفر إلى الخارج لإكمال رسالة الدكتوراة، انتقل إلى جامعة أكسفورد، وهنا، بدأت سيدةٌ أخرى في تسلُّم مقاليد الأمور.

قبل سنوات من الحصول على تلك المنحة، تزوج هشام بينما كان في سن الخامسة والعشرين. وحين سافر للحصول على الدكتوراة، كان قد رُزق بالفعل بثلاثة أطفال (فاطمة، ومحمد، ومصطفى). يقول هشام إن السيدات لعبن الدور الأكبر في حياته، ففي البداية كانت الأم، ثم جاءت الزوجة، التي أقنعته بضرورة البحث عن تخصص جديد لنيل الدكتوراة. كان ذلك التخصص هو مجال الحفريات الفقارية.

سافر هشام إلى المملكة المتحدة، حيث مقر جامعة "أكسفورد" العريقة. سافر مُعدمًا، في جيبه الأيمن تحدٍّ ثقافي، وفي الأيسر تحدٍّ علمي.

يتحدث هشام عن تحديه الثقافي قائلًا: كنت كمعظم الشرقيين أميل إلى العزلة. وكنت أيضًا أؤمن بأن "التطور خرافة"، وأن أتباع تلك النظرية "ملحدون". أما التحدي العلمي فتمثَّل في "معرفة (صفر) معلومة عن الحفريات الفقارية".

بعد شهرين من وجوده في البعثة، قرر مراجعة أفكاره. سواء على المستوى الثقافي أو العلمي. أدرك بعد شهور أخرى قضاها في الدراسة أن التطور هو الحياة!

جامعة ستوني بروك، الولايات المتحدة الأمريكية، في عام 2014 credit: Hesham Sallam

في الجزء الثاني من بعثة الحصول على الدكتوراة، سكن وزوجته وأطفاله مدينة "نيويورك". كان يعمل مواصلًا الليل بالنهار، في حين كانت زوجته تدبر أمور المعيشة، وتخبز الخبز في البيت توفيرًا للنفقات.

ربما تبدو العبارة التالية مُجرد "شعار رنان" يقوله كل باحث. لكن هشام وزوجته منى شاهين، يقولان إن السبب وراء دراسة الحفريات الفقارية هو "مصر". فهشام عرف منذ خط خطواته الأولى في ذلك المجال مقدار "المصيبة" في ذلك العلم. وهي مصيبة الجهل به.

قبل نحو 11 عامًا. حصل هشام على شهادة الدكتوراة. وقبل المناقشة، وبينما كان مُشرفه يقود سيارة متوجهًا إلى منزل هشام بصحبته وصحبة زوجته، نصحته الزوجة بالحصول على وظيفة في أوروبا أو أمريكا، إلا أنه أخبرها بأنه قرر العودة إلى مصر. وقتها قال المُشرف لزوجته إن هشام Have a big fish to fry، وهو مَثَل إنجليزي يعني أن فرص هشام كبيرة في صناعة تاريخ لذلك العلم في مصر.

بعدها، قال له ذلك المشرف إنه توقع فشله في البداية، إلا أنه الآن يتوقع له نجاحًا باهرًا في بلده.

عاد هشام إلى مصر، وكانت تلك بداية تحدٍّ جديد في الحياة.

ففي معمل مُخصص للجيولوجيا، حصل على غرفة صغيرة لتكون نواةً للمعمل. كان مشرف المعمل يطرد الطلبة باستمرار. يقول هشام إن ذلك الأمر صنع اضطرابًا في نفسية الطلاب. فبدأ مرحلة "السخرية من الأوضاع"؛ إذ أخبر "هشام" طُلابه أنه سيمنح مَن يُطرد منهم أكثر جائزةً بنهاية العام، وأطلق عليها جائزة "المطرود الأكثر".

بتلك السخرية، واجه هشام مُشرف المعمل، الذي "يئِس" من الطلاب، ومن سلوك الأستاذ. فاستتب لـ"هشام" الأمر. وبدأ مرحلة جديدة، مرحلة الحصول على تصاريح للتنقيب عن آثار مصر من الحفريات في الصحارى والوديان.

لا يرغب هشام في التحدث باستفاضة عن العقبات التى واجهته، وهي كثيرة، تبدأ برفض المسؤولين قبل حصوله على الدكتوراة إعطاء تصاريح التنقيب له. ولا تنتهي إطلاقًا بطرده من أحد المكاتب؛ إذ يستمر بعض التعنُّت حتى اليوم.

يتحدث هشام عن "البوابة الأوتوماتيكية" المحفور عليها شكل مميز لديناصور استثنائي، والتي تُعد بوابةً لمركز الحفريات الفقارية الأول من نوعه في الشرق الأوسط. عثر هشام على الديناصور في الواحات المصرية. وهو أول ديناصور مصري يزيح عنه النقاب فريق مصري مُكون من سيدات ورجال، يقول: "إن ذلك الديناصور فتح لمجال الحفريات الفقارية المصرية بابًا جديدًا للمجد".

من كل حدبٍ وصوب، يتوافد على المركز مئات الزوار من مختلِف البلدان، باحثون يرغبون في التعاون، وعلماء ينشدون المشاركة، إلا أن زوار هشام الأقرب إلى قلبه هم الأطفال.

يرجع هشام بالذاكرة إلى الخلف، يوم تتويج جهوده بحفل الدكتوراة. وقتها نظر إلى زميله، "كنا جميعًا فرحين، إلا أن فرحته كانت هستيرية". سأل هشام الزميل عن السبب فأخبره أنه حصل على وظيفة "قيّم" في متحف "دنفر". استغرب هشام، فقال له الشاب إن تلك هي الوظيفة التي حلم بها منذ أن كان طفلًا.

يومها اختمرت في رأس هشام الفكرة، فكرة تربية جيل على الأحلام. وحين افتتح باب مركزه لأول مرة، بدأ في استقبال وفود من الأطفال، أو مَن يطلق عليهم "زملاء المستقبل".

مع وفد من زوار مركز الحفاريات الفقارية بجامعة المنصورة credit: Hesham Sallam

"عرفت عن الحفريات الفقارية في عمر الثلاثين، أما زميلتي وطالبتي سناء فعرفت عنها لأول مرة في عمر 20، وعرف عنها طالبي عبد الله جوهر في عمر الـ18، أما زميلة المستقبل سلمى فقد سمعت عن الحفريات الفقارية في عمر 10 سنوات.. دعنا نتخيل كم المعرفة التى ستكتسبها سلمى حين تصل إلى عمري.. هذا هو الهدف من فتح باب المركز لزملاء المستقبل"، يقول "هشام سلام".

في الدول المتقدمة، تنتشر في الأنحاء متاحف جيولوجية خاصة للأطفال، أما في "مصر" وكنتيجة مباشرة لضعف الموارد والإمكانيات، فقد فتح "هشام" أبواب مركزه ليكون متحفًا مُصغرًا لعلماء المستقبل. "أستقطع جزءًا لا يُستهان به من وقتي ومن وقت زملائي لتحقيق تلك الرؤية الواضحة.. والتركيز على الأطفال، فهم مستقبل البلاد.. ذلك هو أحد أهدافي".

أما الهدف الأسمى لهشام، فهو تكوين فريق علمي مُحترف، مزود بأحدث المعلومات وأقواها؛ لكي يستمر عمل المركز، "أنا الآن أعمل بـ20 يدًا. شبكة عنكبوتية تنتج طيلة الوقت، دون هشام سيستمر عمل المركز وستدور عجلة الأبحاث.. أحلم أن أشاهد في يومٍ ما طلابي وهم يُناقشون طلابهم في مرحلة الدكتوراة".

يحتفظ "هشام" بطلابه داخل شرنقة خاصة، تقيهم شرور البيروقراطية، "وقتهم للعلم والتحصيل"، أما شرطه الأساسي فهو أن يُقسِم طلابه على "نقل العلم لأقرانهم ونشره في ربوع البلاد"، فكما تلقوا العلم.. يجب عليهم نقله.

لا يقتصر نشاط ذلك الرجل على المركز فحسب، بل يمتد ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي. يرغب "هشام" في أن "ينفض الغبار عن الغرفة المعتمة المسماة بالتطور"، يقول إنه يتعاطف مع منكري التطور؛ "فقد كنت واحدًا منهم، لذا أتسامح معهم"، ورغم كل الإهانات التي قد يتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه مستمرٌّ في رسالته.. فهدفه الثالث "توصيل العلوم إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، عبر استخدام لغة يفهمها الجميع".

أما الهدف الرابع له فهو الكشف عن أسلاف الثدييات في عصور الديناصورات داخل قارة أفريقيا. تم اكتشاف تلك الأسلاف في قارات العالم الأخرى إلا أفريقيا. ويقول هشام إن هدفه الخامس "غزو صحراء الآخرين" عبر رحلات في السودان والجزائر واليمن وعمان والسعودية؛ للبحث عن كنوز العالم العربي المخفية تحت الرمال.

يتذكر هشام، بصوتٍ يملؤه التأثر، والدته التي توفيت قبل نحو عام، ففي الوقت الذي كُرم فيه من جهات عدة، نما إلى علمه إصابة والدته بـ"السرطان". "في عز الفرحة جاءني خبر مُفجع.. والدتي وسندي وحبيبتي وقدوتي أصابها ورم خبيث". لطالما كانت والدته تتمنى مقابلة أكابر القوم لتزهوَ بولدها ابن الأسرة البسيطة، إلا أن القدر لم يُمهلها. "هي في مكان أفضل.. ليتسنى لها التعبير عن الفخر.. كي تزهوَ بابنها.. ابن الفقراء".

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019