أعلن فريق دولي اليوم "الأربعاء"، 10 إبريل، عن أول صورة لثقب أسود تم التقاطها بواسطة شبكة عالمية من التلسكوبات تمتد من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مرورًا باليابان وتشيلي وبلجيكا وتايوان.

وقالت فرانس كوردوفا، أحد أعضاء الفريق البحثي القائم على مشروع "إيفنت هورايزن تلسكوب": "إن لحظة الإعلان عظيمة بعد أن كشفت للبشر عن شيء كان غير مرئي طيلة عقود".

وأضافت"كوردوفا" أن "الصورة التاريخية جاءت بعد أن تضافرت الجهود الدولية وتعاونت الأمم بعضها مع بعض"، مشيرةً إلى أنه "لم يكن من الممكن إنجاز الأمر لولا ذلك التعاون".

وعرض الباحث المشارك في التقاط الصورة "شيبدولامين" صورةَ الثقب الأسود وسط تصفيق حاد في مؤتمر صحفي عُقد في العاصمة الأمريكية "واشنطن" قبل قليل.

وقال "شيب" إن الصورة الملتقطة تتشابه تمامًا مع تصوُّر العالِم الألماني الفذ "ألبرت آينشتاين" لشكل الثقوب السوداء.

من جهته، يقول "لوتشيانو ريزولا" –أستاذ الفيزياء الفلكية والنسبية في جامعة "جوته" بفرانكفورت، وأحد المشاركين في الدراسة -في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي جمع بيانات هائلة تكفي لملء نصف طن من محركات الأقراص الصلبة، كما أن الخوازميات التي قام الفريق بإنشائها حولت المعلومات الفوضوية ورتبتها في صورة واحدة مفهومة".

ويشير "ريزولا" إلى أن المعلومات التي تم جمعها من شبكة التلسكوبات شكلت تحدِّيًا كبيرًا بسبب "وفرتها"، مضيفًا أن "الباحثين أمضوا نحو 9 أشهر كاملة لتحليلها عن طريق استخدام الحواسيب الفائقة التي قامت بمحاكاة الكيفية التي تدور بها المواد حول الثقب الأسود".

ويقول "ريزولا": "إن محاكاة الطبيعة لتوقعاتنا كانت من أكثر اللحظات الدراماتيكية في حياتي، فقد كان مصدر فخرنا أن الطبيعة تُحاكي تمامًا توقعاتنا لها، وعندما كوّن الكمبيوتر صورة الثقب الأسود، شعرت بفرحة ممتزجة بعدم التصديق؛ فقد كنت من أوائل مَن نظروا إلى صورة لم يرَها بشري من قبل.. صورة وحش يبتلع كل مَن حوله، صورة الثقب الأسود التي لن تغيب عن خيالي أبدًا، حتى نهاية الزمان".

وتبلغ مساحة الثقب الأسود نحو 40 مليار كيلومتر –أكثر من ثلاثة ملايين مرة ضِعف حجم الأرض- وأما كتلته فتبلغ 6.5 مليارات ضعف كتلة الشمس، ويبعد عن كوكبنا الأزرق بحوالي 500 مليون تريليون كيلومتر.

واستخدم الباحثون بيانات مُستقاة من 8 مراصد موزعة على أربع قارات لتكوين تلك الصورة الضبابية، التي توضح لأول مرة أفق الحدث المحيط بالثقب الأسود.

وتُعد الثقوب السوداء إحدى أشد مناطق الكون غموضًا؛ فعندها لا يُمكن تطبيق قوانين الفيزياء العادية، إذ إن الثقوب السوداء لها كتلة تفوق الخيال، وبالتالي فإن جاذبيتها قوية لدرجة أن الضوء –بسرعته البالغة 300 ألف كيلومتر في الثانية- لا يستطيع الإفلات منها. ولأن الضوء لا يستطيع الإفلات من الثقوب السوداء، تبقى تلك الثقوب غيرَ مرئية على الإطلاق.

ترجع الفكرة الرئيسية للثقوب السوداء إلى القرن الثامن عشر، حين أثبت العالِم الإنجليزي الشهير "إسحق نيوتن" والفلكي الفرنسي "بيير لابلاس" الطبيعة الجسيمية للضوء، وبناءً على تلك الفكرة، يكون الضوء مُكونًا من جسيمات يمكن أن تتراكم على أسطح النجوم مُكونةً كتلةً تَزيدُ من جاذبية النجم.

ثم جاء "آينشتاين" في القرن العشرين ليقول إن افتراضات "نيوتن" و"لابلاس" تَعنِي أن النجوم يُمكن أن تتحول إلى ما يُعرف باسم الثقوب السوداء، وفي عام 1917، وضع العالم "كارل شفارتزشيلد" مجموعةً من المعادلات التي تصف الحالة التي يُمكن أن يتحول فيها نجم إلى حجم حرج وتزداد كثافته وقوة جذبه ليصبح ثقبًا أسود.

وحين يتجاوز أي جسم من أفق الحدث –وهي مسافة محددة تبعد عن مركز الثقب الأسود- يتم جذبه إلى الثقب الأسود بقوة كبيرة، ويتفكك ذلك الجسم، ويبتلعه الثقب، وينجم عن تلك العملية بث موجات من الأشعة السينية يُمكن رصدها من على سطح كوكب الأرض باستخدام التلسكوبات المختلفة.

إلا أن أمر الرصد بقى نظريًّا؛ لأن تصوير مُحيط الثقب الأسود يحتاج إلى تلسكوب يبلغ حجمه حجمَ كوكب الأرض، وهو أمر مستحيل من الناحية العملية.

غير أن الباحثين المشاركين في تلك الدراسة وجدوا سبيلًا لرصد الأشعة، عبر تكوين شبكة من التلسكوبات موزعة في أماكن مختلفة من كوكب الأرض، يُمكن لتلك الشبكة أن ترصد في وقت متزامن -وبدقة متناهية تم ضبطها باستخدام الساعات الذرية- الأشعةَ المنبعثة في أثناء عملية ابتلاع الثقب الأسود للموجودات التي تخطت أفق حدثه.

استهدف الباحثون ثقبين أسودين، أولهما ثقب يُعرف باسم "ساجيتاريوس إيه ستار" ويقع على بُعد 26 ألف سنة ضوئية بمركز مجرة درب التبانة، أما الآخر فيُدعى "إم 87" ويقع في مركز مجرة "فيرجو إيه" على بُعد 54 سنةً ضوئية.

وعبر برامج كمبيوترية شديدة التعقيد، وباستخدام خوارزميات تزيل الإشارات غير المرغوبة القادمة من السماء، تمكَّن الباحثون من الحصول على كَمٍّ هائل من المعلومات، وخلال عامين، قامت البرامج الحاسوبية بمعالجتها؛ لتشكيل أول صورة حقيقية لثقب أسود يقع في قلب مجرة "إم 87".