كان حديثي معه على مائدة العشاء في مؤتمر "التطورات الحديثة في العلوم الكيميائية"، الذي يحضره نخبة من حائزي جوائز نوبل في العلوم، إنه ذلك الرجل الذي رأى في السماء ما لم يره غيره من البشر، رأى بعقله وبصيرته وحساباته ثقبًا في السماء، فهناك طبقة من الغلاف الجوي تتآكل، دق فرانك شيروود رولاند حينها جرس الإنذار العلمي والبيئي لينبه العالم إلى أن العواقب وخيمة، فلم يصدقه في البداية أحد، سألته وكنت قد قرأت بعضًا مما كُتب عنه: ما الذي جعلك تفكر فيما يحدث في السماء لتأتي بحسابات تآكل طبقة الأوزون التي تقبع فوقنا على بُعد عشرات الكيلومترات، أهو تأثير والدك أستاذ الرياضيات الجامعي؟ رد على الفور: بل كان تأثير مدرسي في المدرسة.

الحكاية من أولها

بدأت الإرهاصات الأولى للفلاسفة والعلماء حول المناخ والهواء في القرن الخامس قبل الميلاد، حين اقترح الفيلسوف الإغريقي أمبيدوقليز أن هناك عناصر أربعة -الهواء والأرض والنار والماء- تتحد بنِسب مختلفة لتكوِّن كل كائنات الخليقة، وفي القرن الرابع قبل الميلاد كتب "أرسطو" كتابًا في علم الأرصاد الجوية جمع فيه ملحوظاته عن طبيعة الهواء وأشكال الطقس المختلفة، وتوالت الجهود للتعرف على الغازات المكونة للهواء، إلى أن توصل العلماء في نهاية القرن التاسع عشر إلى حقيقة مهمة، وهي أن تركيب الهواء متشابه في جميع أنحاء الكرة الأرضية.

وخلال العقد الأول من القرن العشرين اكتشف فريق نرويجي برئاسة الفيزيائي فيلهلم بياركنز تحرُّك الكتل الهوائية، إذ ينشأ ما يسمى "الجبهة" التي يختلف فيها الطقس بصورة فجائية حين تلتقي كتلة هوائية دافئة بكتلة هوائية باردة، ولقد ساعدت هذه النماذج التي قامت بدراسة تراكيب الهواء وأنظمة الطقس وقياس تغيُّراته على التقدم الواسع في مجال التنبؤ الدقيق بالأحوال الجوية.

وبحلول منتصف القرن العشرين، حدث تقدم هائل فيما يتعلق بالمعدات الخاصة بدراسة الغلاف الجوي، إذ استُخدمت أجهزة الرادار والأقمار الصناعية والصواريخ والمناطيد (البالونات)، فتمكَّن العلماء من مراقبة الغلاف الجوي ومتابعته باستمرار، وجرى قياس مستويات التلوث الجوي وقياس التغيرات التي تطرأ على تركيب الهواء؛ إذ تستقبل المحطات المناخية الموجودة على سطح الأرض على مدار الساعة المعلومات الخاصة بالطقس التي تبثُّها أجهزة الإرسال من الجو والأرض، وساعدت الحواسيب وبرامج النمذجة علماء الأرصاد الجوية في تحليل الكم الهائل من البيانات المناخية الواردة من مختلف المصادر، وإعداد الخرائط الخاصة بالطقس.

في رحلة المعرفة تلك، استطاع الإنسان أن يتعرف بشكل دقيق على تركيب الهواء المحيط بنا والذي يكوِّن غلاف الأرض الجوي؛ إذ بيَّنت التحاليل أن النيتروجين والأكسجين من الغازات الرئيسية في الهواء، فالنيتروجين يمثل 78% من الهواء الجاف (خالٍ من بخار الماء)، ويمثل الأكسجين 21% من الهواء الجاف، كما يحتوي باقي الهواء (1%) بشكل رئيسي على غاز الأرجون ومجموعة من الغازات الأخرى (مثل ثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء، والهيدروجين، والهيليوم، والنيون، والزينون)، كما يُعدُّ الغلاف الجوي مستودعًا كبيرًا للمياه، إذ يقوم بنقل الماء حول الأرض، ويقدَّر ثقل السحب التي يحتويها هذا الغلاف بآلاف المليارات من الأطنان، يتساقط معظمها على شكل أمطار في المحيطات والبحار.

وحتى تكتمل الصورة لتركيب الهواء المحيط بنا، فهو يحتوي أيضًا على العديد من الجسيمات الصلبة المتناهية الصغر والمسماة الهباء الجوي، ويصل قطر معظمها إلى 0.1 ميكروميتر، لذلك فهي غير مرئية بالعين المجردة، ويأتي العديد منها من البراكين النشطة، ومن عوادم السيارات والقاطرات وحرائق الغابات ودخان المصانع، كما تثير الرياح جسيمات الرمل والغبار من سطح الأرض إلى الهواء، وأيضًا تضم جسيمات الهباء الجوي العالقة في الهواء حبوب لقاح الأشجار وأملاح البحار والجسيمات النيزكية وكائنات حية متناهية الصغر (الميكروبات)، ويحتوي المتر المكعب من الهواء فوق المحيطات على مليار جسيم، أما المتر المكعب من الهواء فوق المدن الكبرى فيضم نحو 100 مليار جسيم، وتعمل الأمطار والجليد كل مدة على إزالتها من الهواء (إلى حين).

الغلاف الجوي الذي نعيش فيه

يقسِّم العلماء الغلاف الجوي الذي يحيط بكوكب الأرض إلى أربع طبقات بناءً على اختلاف درجـة الحـرارة، وهـذه الطبقات مرتَّبةً مــن سطح الأرض إلى الأعلى هي: طبقة التروبوسفير (وهي الطبقة التي يعيش فيها الناس وتتركز فيها أنشطة الإنسان، وتمتد لنحو عشرة كيلومترات فوق سطح الأرض)، وطبقة الاستراتـوسـفير (الطبقة الجوية العليا، وتحتوي في جزء منها على معظم غاز الأوزون (O₃) الموجود في الغلاف الجوي، والذي يعمل على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية وتحويلها إلى حرارة فتحمي سطح الأرض من مخاطر تلك الأشعة الضارة)، وطبقة الميزوسفير (الغلاف الأوسط، وفيها تحترق معظم الشهب والنيازك الساقطة والمتجهة إلى سطح الكرة الأرضية فتحمي الحياة على سطح الأرض)، وطبقة الثيرموسفير (الغلاف الحراري، وقد تصل حرارتها إلى 2000 درجة سيليزية عندما تكون الشمس نشيطة وتمتد حتى 80 كيلومترًا فوق سطح الأرض).

Credit: Public Domain jw تصور فني لجزيء الأوزون ويتألف من ثلاث ذرات من ذرات الأكشجين

ويمثِّل الغلاف الجوي (أو الحيوي) أهميةً قصوى للحياة في البر والبحر والجو، فهو يزود المخلوقات الحية بالهواء للتنفس، ويسمح بنفاذ الأشعة المرئية والضوئية فتتمكن تلك المخلوقات من الرؤية ويبصر بعضها بعضًا، كما يسمح بنفاذ الأشعة تحت الحمراء وغيرها من الأشعة الحرارية القادمة من الشمس، والتي تمتصها الأرض، ما يوفر الدفء والحماية، إذ يساعد ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء على بقاء الأرض دافئة، كما يعمل الغلاف الجوي على توزيع بخار الماء على مناطق العالم المختلفة وتنظيم توزيع الحرارة على سطح الكرة الأرضية، كما يمثِّل هذا الغلاف درعًا واقيًا يحمي سطح الأرض من النيازك والشهب، إذ يتفتت معظمها قبل وصولها إلى سطح الأرض نتيجة احتكاكها بالهواء واحتراقها، كما يقي الغلاف الجوي سطح الأرض والكائنات الحية التى تعيش عليه ويعمل على حمايتها من الإشعاعات الكونية الضارة، وخاصةً الأشعة فوق البنفسجية التي تسبب أمراضًا عديدة، مثل سرطان الجلد والعديد من الأمراض الجلدية والبصرية، وفي طبقة الإستراتوسفير يوجد غاز الأوزون (O₃)، الذي تتكون جزيئاته من ثلاث ذرات من الأكسجين مترابطة معًا، ويبلغ سُمك نطاق الأوزون في طبقة الإستراتوسفير نحو 30 كيلومترًا؛ إذ يقوم بحجب الأشعة فوق البنفسجية غير المرئية والضارة التي تصدر من الإشعاع الشمسي.

فرانك شيروود رولاند والأوزون

كان الأوزون على موعد مع الفتى فرانك شيروود رولاند -أو "شيري" كما كانوا ينادونه- الذي تلقَّى تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس ولاية ديلاوير بأمريكا، حيث جرت واقعة تركت أثرًا عميقًا في نفسه، فقد عهد إليه مدرس العلوم في سنته الأولى بالمدرسة الثانوية بتشغيل محطة الطقس المحلية التطوعية، خلال إجازة المدرس التي استمرت أسبوعين.

حكى لي "شيري" على مائدة العشاء: "كان هذا التكليف أول تعرُّض لي للتجربة المنهجية وجمع البيانات، وبدأت أتأمل هذا الكون المتسع، وبدأ عقلي الصغير يتفكر في نظامه واتزانه"!!

في مرحلة الدراسات العليا، مشى الفتى على خطى الوالد والتحق بجامعة شيكاغو، وفي قسم الكيمياء دارت بحوث "شيروود رولاند" في فلك كيمياء الفضاء أو ما يُعرف أيضًا بكيمياء الغلاف الجوي، وهو أحد فروع العلوم التي تدرس تراكيب الغلاف الجوي للكرة الأرضية وغيرها من الكواكب، وفيه تتداخل علوم متنوعة مثل كيمياء البيئة، والفيزياء، وعلم الأرصاد الجوية، ونمذجة الحاسوب، وعلوم البحار، والجيولوجيا، وعلم البراكين، وغيرها من التخصصات، ولقد ارتبط هذا العلم ارتباطًا وثيقًا بعلم المناخ.

تركزت بحوث "شيروود" حول مركبات "الكلوروفلوروكربون" ((CFC، التي بدا أنها غازات غير ضارة تُستخدم بكثافة في الفريونات والمبردات وصناعة البلاستيك الإسفنجي، قبل أن تتصاعد هذه المركبات الغازية في الغلاف الجوي وتستقر فيه.

تساءل "شيروود": ماهو مصير تلك الغازات المستخدمة في الفريونات بكثرة (بما في ذلك الوقود الدافع في علب الرش والمبردات في الثلاجات)، التي دخلت حديثًا في الغلاف الجوي ولم تكن موجودةً فيه قبلًا، وطرح سؤالًا كان يؤرقه على المجتمعين في اجتماع للوكالة الدولية للطاقة الذرية كان مخصصًا لمناقشة التطبيقات البيئية للإشعاع في سالزبورغ، النمسا عام 1970م: هل تؤثر تلك الغازات المنطلقة والمتراكمة في الغلاف الجوي على طبقة الأوزون؟

حوَّل "شيروود" سؤاله البحثي إلى خطة عمل واسعة، ففي عام 1973م قدم اقتراحًا إلى اللجنة الاقتصادية الأوروبية، يشمل اتجاهًا بحثيًّا جديدًا ومقترحًا لدراسة السؤال الحيوي: ماذا سيحدث في النهاية لمركبات الكلوروفلوروكربون التي يتم إطلاقها في الغلاف الجوي؟

جرى اعتماد هذا الاقتراح البحثي في محاولة للإجابة عن السؤال من قِبل اللجنة، وتقرَّر تمويله.

وتمت دراسة المصير الجوي لجزيئات الكلوروفلوروكربون، وفي غضون البحث تم إدراك أن هذا ليس مجرد سؤال علمي فحسب، بل يمثل تحديًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة للعالم بأسره، فهو ينبه إلى وجود مشكلة بيئية خطيرة محتملة، تنطوي على خطر كوني كبير، وهو استنفاد الأوزون في طبقة الاستراتوسفير.

وأظهرت بحوث "شيروود" وفريقه، التي نُشرت في دورية "نيتشر" في عام 1974م، أن غازات الكلوروفلوروكربون والفريونات لها تأثير ضار على الأوزون في الغلاف الجوي، وطالبت بالحد من استخدام الفريون حتى يتم إبطاء استنفاد طبقة الأوزون، وأتبعوا ذلك بعرض تقرير مطول (يقع في 150 صفحة) في اجتماع الجمعية الأمريكية للكيمياء الذي عُقد في مدينة أطلنطا ليشرح تفاصيل المشكلة.

تبلورت نظرية استنفاد الأوزون من خلال الربط بين المعلومات العلمية الأساسية حول كيمياء الأوزون وغازات الكلوروفلوروكربون، والتعرُّف على ما يمكن أن يحدث في الظروف الجوية المغايرة، واستخدمت النمذجة الحاسوبية (نماذج الكمبيوتر) لرسم السيناريوهات المستقبلية المحتملة.

دارت البحوث التي أجراها "شيروود" في البداية حول كيفية تحلُّل الكلوروفلوروكربون التي لا تتحلل في الارتفاعات المنخفضة من الغلاف الجوي، فهي تحافظ على تركيبها الكيميائي حتى تصعد إلى الطبقات العليا حيث تتغير الظروف، وهناك تتعرض النطاقات المرتفعة في طبقة الإستراتوسفير للأشعة فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية والطول الموجي القصير فتقوم فوتوناتها بكسر جزيء الأكسجين، وتطلق "ذرات" أكسجين حرة ونشطة، يمكنها أن تكسر غازات الكلوروفلوروكربون وتنطلق نواتج التحلل في الغلاف الجوي، والتي تحتوي فيما بينها على ذرات الكلور.

ذرات الكلور الناتجة من التحلل هي الأخرى نشطة جدًّا كيميائيًّا، فهي تحتوي على إلكترونات مفردة (يسميها الكيميائيون مشتقات حرة)، وتتحد ذرات الكلور بسهولة مع جزيئات الأوزون فتنزع منها إحدى ذرات الأكسجين وتحولها إلى الأكسجين العادي (ذرتي أكسجين) وأول أكسيد الكلور، وهكذا تتآكل طبقة الأوزون.

وتبين النظرية أن أول أكسيد الكلور هو الآخر عبارة عن مشتق حر يتفاعل مع الأوزون لينتج جزيئين من الأكسجين وذرة كلور، تحفز بدورها التحلل المستمر للأوزون، ويستمر التفاعل المتسلسل الذي يحطم طبقة الأوزون، وبإجراء الحسابات للكميات التي يتم إطلاقها من الكلوروفلوروكربون في الجو، تم التحقق من أن الغاز يستطيع بدء تفاعل متسلسل يهدد طبقة الأوزون في الغلاف الجوي.

جدل ومصالح

أثار هذا التقرير اهتمامًا كبيرًا، وتحول الأمر إلى قضية قومية؛ إذ عُرضت تلك النظرية في مؤتمر صحفي نظمته الجمعية الأمريكية للكيمياء، وجرت المطالبة بالمنع التام لإطلاق الكلوروفلوروكربون في الغلاف الجوي، وتم الاتصال بالمسؤولين وصناع القرار، والجمعيات البيئية وغيرها.

جلبت تلك الصيحة التحذيرية العديد من التجارب العلمية والمشاريع البحثية الجديدة، وكذلك جلسات استماع تشريعية، وتغطيات إعلامية واسعة، في الوقت ذاته، رفض صناع الفريون ومؤسساتهم التجارية ذات الأرباح الضخمة ما جاء به الباحثون، واستغرق الأمر عامين حتى بدأ الناس في الاقتناع بالحاجة إلى إجراءٍ ما عندما صدرت مراجعة مؤيدة من الأكاديمية القومية للعلوم بأمريكا، ونشر بعدها باحثون آخرون في 1985م نتائج مؤيدة لنظرية رولاند، تؤكد نقصان معدل الأوزون في طبقة الإستراتوسفير فوق القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) التي تقع في أقصى جنوب الكرة الأرضية، وأدى العمل المستمر إلى تبنٍّ عالمي لبروتوكول مونتريال في عام 1987م، الذي ينص على تخفيض إنتاج الكلوروفلوروكربون ومنع استخدامه في أسطوانات الدفع والمبردات، إذ صدقت عليه 56 دولة، وصدرت التشريعات والقوانين التي تحمي طبقة الأوزون.

في العام 1995م، حصل فرانك رولاند شيروود مع تلميذه، ماريو مولينا، وبول كروتزن، على جائزة نوبل في الكيمياء، لبحوثهم حول كيمياء الجو، وخاصةً تلك المتعلقة بتكوُّن طبقة الأوزون وتحلُّلها.

حصل صاحب العقل النابه ذو الرؤية الثاقبة على أكثر جوائز العالم رفعة، فقد رأى قبل غيره ثقبًا في السماء سببته الغازات المنطلقة من استخدامات الإنسان على سطح الأرض، لقد نبه صاحب القلب الكبير الناس إلى الخطر المحدق بهم من الأشعة التي تخترق هذا الثقب الحادث في السماء فتؤثر سلبًا على الحياة.

وفي العام 2003م، وقَّع 21 عالِمًا من الحاصلين على جوائز نوبل على البيان الإنساني الثالث الذي ينادي بضرورة الحفاظ على البيئة والطبيعة.

رحل شيروود عن دنيانا في 2012م، في منزله وبين أسرته، بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتتواصل من بعده جهود العلماء للحفاظ على سلامة كوكبنا المهدد بالمخاطر.