كشفت دراسة ألمانية حديثة أن حرص الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم في المنزل وقراءة الكتب لهم خلال سنوات الطفولة المبكرة يُسهم إسهامًا كبيرًا وفعالًا في تحسين مهاراتهم في اللغة والرياضيات في مرحلة المراهقة. وأظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال الذين اعتاد آباؤهم قراءة الكتب لهم والتحدث معهم بانتظام عن الكتب في مرحلة ما قبل المدرسة، حققوا نتائج أفضل في اختبارات الرياضيات في عمر 12 عامًا.
أجرى الدراسة باحثون من جامعة "بامبرج" الألمانية، ونشرتها دورية "سكول إيفيكتيفنس آند سكول إمبروفمنت"، بتمويل من "مؤسسة البحوث الألمانية" (DFG)، وهي مؤسسة مستقلة تُعنى بتقديم خدماتها في مجالات العلوم والهندسة والعلوم الإنسانية في ألمانيا. وتُعد هذه الدراسة من أوائل الدراسات التي قدمت تفاصيل عن أهمية التعلُّم المنزلي في السنوات الأولى على نمو الأطفال حتى سن المراهقة المبكرة.
التعليم المنزلي
شملت عينة البحث في البداية 554 طفلًا ألمانيًّا تبلغ أعمارهم ثلاث سنوات، تم اختبارهم بهدف تتبُّع مدى التفاعل بينهم وبين والديهم فيما يتعلق بـ"التعليم المنزلي" في مرحلة ما قبل الالتحاق بالمدرسة، وجرى تتبُّع مستويات تقدُّمهم المعرفي من حين إلى آخر حتى بلوغهم سن 13 عامًا، لكن إجمالي عدد الأطفال الذين اجتازوا الاختبارات انخفض إلى 229 طفلًا.
وخلال فترة الدراسة تم اختبار مهارات القراءة والكتابة والحساب لدى المشاركين سنويًّا، ابتداءً من سنوات ما قبل المدرسة أو الطفولة المبكرة (3-5 سنوات)، ثم قاموا بقياسها مرةً أخرى عندما أصبح عمر المشاركين ما بين 12 إلى 13 عامًا في المرحلة الثانوية، وذلك باستخدام "تحليلات الانحدار المتعددة"، وهي تحليلات إحصائية تهتم بدراسة وتحليل أثر عدة متغيرات مستقلة على متغيِّر تابع (مثل دراسة تأثير الراتب وسنوات الخبرة والمستوى الاجتماعي على الرضا الوظيفي).
عمل فريق البحث على تقييم جوانب بيئة تعلُّم الأطفال في المنزل، من خلال الأنشطة التعليمية التي يؤديها الآباء والأمهات مع أبنائهم خلال الطفولة المبكرة مثل قراءة الكتب للأطفال والحديث معهم عن العمليات الحسابية البسيطة والأعداد والأرقام، كما تأكد الباحثون من أنهم وضعوا في الحسبان المتغيرات التي تتعلق بالعوامل التي تؤثر على نتائج بيئة التعلم المنزلي، مثل الجنس وتعليم الأم والوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة.
وتوصَّل الباحثون إلى أن الأطفال استفادوا من التعليم المنزلي في سنوات ما قبل المدرسة، وخاصةً في مهارات القراءة والكتابة واللغة والرياضيات، ما أدى بدوره إلى تحقيقهم نتائج أعلى في مهارات القراءة والحساب في المدارس الثانوية، ووجدوا أيضًا أن سعي الوالدين لمحو أمية أطفالهم في المنزل يؤدي إلى تعزيز المهارات اللغوية وتحسُّن قدراتهم في التعامل مع العمليات الحسابية في الكبر. كما ارتبط حديث الآباء مع أطفالهم عن العمليات الحسابية في مرحلة الطفولة المبكرة بتفوُّق هؤلاء الأطفال وتحقيق نتائج أفضل في الرياضيات في المرحلة الثانوية. 
تعميم النتائج
وعن إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمعات وبيئات أخرى، يقول "سيمون ليهرل" –من جامعة بامبرج، وقائد فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": "إن عينة البحث من الأطفال الألمان الذين التحقوا بمركز رعاية الطفل في سن 3 سنوات على الأقل، ولا يمثلون جميع الأطفال في جميع أنحاء العالم، ما يعني أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة تستند إلى عينة إقليمية صغيرة، ويجب أن نحاول التحقُّق من احتمالات تعميم نتائج الدراسة من خلال إجراء دراسات واسعة النطاق".
ويشير "ليهرل" إلى أن الدراسة طولية، وأن التحدي الأكبر الذي واجه فريقه البحثي تمثل في الحفاظ على أكبر عدد من عينة البحث خلال هذه المدة الطويلة التي امتدت لحوالي 10 سنوات، على حد قوله. ويضيف أن "التفاعل بين الآباء والأمهات والأطفال في سنٍّ مبكرة يؤدي إلى إرساء أساس جيد لنمو الطفل في وقت لاحق، ويشمل ذلك التفاعل: قراءة الكتب مع الطفل بشكل تفاعلي (طرح الأسئلة، والرد على اهتمامات الطفل، وطرح الأفكار وما إلى ذلك)، وتزويد الأطفال بمختلِف أنواع الكتب والمواد التي تحفز التفكير"، مشددًا على ضرورة أن يحدث هذا التفاعل "في جو دافئ يشعر فيه الطفل بالاهتمام".
دراسات سابقة
وتشير نتائج دراسة سابقة إلى أن الأطفال الذين تربوا وكبروا في بيئة فقيرة أو متدنية اجتماعيًّا واقتصاديًّا، تصبح قدراتهم المعرفية عرضةً للتدهور لاحقًا، بسبب عدم قدرة والديهم على تعليمهم في سن ما قبل المدرسة نتيجةً لظروفهم الاجتماعية الصعبة.
وبيَّنت الدراسة أن المحيط الذي يترعرع فيه الفرد يؤثر على قدراته المعرفيّة على المدى الطويل، بناءً على معطيات متعلقة بالتعليم والصحة النفسية ونمط الحياة، وأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية لها تأثير سلبي على قدرات الفرد المعرفية.
واتساقًا مع نتائج الدراسة الألمانية، توصلت دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) إلى أن البدء في تعليم الأطفال مبكرًا -بداية من شهورهم الأولى وحتى سن الالتحاق بالمدرسة- يساعدهم على اتخاذ قرارات اجتماعية سديدة في أثناء فترة المراهقة، مشددةً على أن استثمار الآباء في تعليم الأطفال في عمر مبكر يجعلهم قادرين على التخطيط بصورة أفضل لمستقبلهم. ووجدت الدراسة أن الاستثمار التربوي في مرحلة الطفولة المبكرة يؤثر بالإيجاب على المهارات المعرفية –كالقدرة على اكتساب معلومات- وعلى المهارات غير المعرفية -كالنجاح على الصعيدين الاجتماعي الاقتصادي- شريطة أن يكون ذلك الاستثمار "عالي الجودة".
فترة خصبة
من جهته، كشف "كمال مغيث" -الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية- في تصريحات لـ"للعلم" أن تحديد سن الـ6 سنوات شرطًا لالتحاق الطفل بالمدرسة أصبح أمرًا متخلفًا جدًّا، على حد وصفه، وذلك في ضوء الاكتشافات العلمية والنفسية في الآونة الأخيرة، والتدفق العلمي والمعرفي والاتصالات الرهيب. ولفت "مغيث" النظر إلى أن الأطفال في مجتمعاتنا العربية يتعرضون لمؤثرات خطيرة منذ العام الأول لولادتهم؛ بسبب عدم وعي الوالدين بخطورة وسائل التكنولوجيا الحديثة على شخصية الأطفال وسلوكياتهم.
ويرى "مغيث" أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ترك الأطفال من دون تعليم حتى بلوغهم سن السادسة، مضيفًا أن "الطفل تتشكل مداركه وشخصيته حتى السنة الخامسة من عمره، وبالتالي فإن الفترة العمرية حتى سن خمس سنوات هي فترة خصبة يكتسب فيها الطفل عاداته وقيمه وأفكاره وتوجهاته نحو العالم.
واتفق "مغيث" مع نتائج الدراسة، مشددًا على "ضرورة الاهتمام بتلك المرحلة العمرية، وحرص الآباء والأمهات على قراءة الكتب بكثرة، وإقامة حوار بَنَّاء في جو دافئ بين الطفل ووالديه، بما يسهم بشكل إيجابي وفعال عند بلوغه مرحلة المراهقة".