"كيبيش"، تلك المنطقة النائية جنوب غرب إثيوبيا، ربما شهدت العهد الأول لأجدادنا من البشر العقلاء، ثمة عوامل جذب وُجدت هناك استقطبت أوائل بني نوعنا البشري، تعرضت تلك المنطقة لتاريخ طويل من الحركات التكتونية؛ فالقشرة الأرضية عمومًا تتكون من عدة صفائح متجاورة، تتحرك على عجينة لدنة من الوشاح، مما يعرضها باستمرار لحركات دائمة من الاصطدام والتمزق والانزلاق.

ومنذ حوالي 30 مليون عام مضت تقريبًا، تعرضت الصفيحة الأفريقية لحركة شد عنيفة أدت إلى تمزقها إلى قطعتين: الصفيحة الأولى تحمل معظم القارة الأفريقية وتسمى أحيانًا الصفيحة النوبية، أما الصفيحة الصومالية الأصغر فتحمل منطقة القرن الأفريقي وتشمل الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا.

بين الصفيحتين يقع وادٍ متصدع عميق، يسمى بالوادي الأفريقي الشرقي، أتاح هذا الصدع العميق تجمُّع مياه الأمطار التي تهطل بشدة في تلك المناطق، جذبت المياه العذبة أجدادنا الأوائل للعيش وفاضت المنطقة بالحياة، وعلى مدار السنين يشهد الوادي الأفريقي الشرقي ثورات من النشاط البركاني الذي غطى رماده ثرى أول إنسان عاقل، فمَن هو الإنسان العاقل؟ تناقضت الآراء بين أفكار العلماء وأبحاثهم المنشورة وصيحات العامة المتبادلة حول الأمر، ليظل العلم دائمًا معززًا لرياح الوعي الحاسمة.

مَن نحن؟

كم جلسنا ونحن صغار تدور في خواطرنا أسئلة وجودية عن ماهيتنا، مَن نحن؟ من أين أتينا؟ ومتى كانت أولى خطواتنا على الأرض؟ وقد يتعذر على البعض منّا تصوُّر أننا نحن البشر كان لنا شركاء على الأرض، بشرٌ آخرون باختلافات تشريحية بسيطة، وربما يتساءل البعض، أليست الأرض ملكًا لنا وحدنا؟

مثل أي كائن حي يعيش على الأرض، للإنسان تصنيف بيولوجي يبدأ بالمملكة الحيوانية مرورًا برتبة الرئيسيات (التي تضم الليموريات والقردة والقردة العليا) ولنا معهم سمات مشتركة، نهاية بجنس هومو ونوع سيبيانز أي الإنسان العاقل (Homo sapiens)، ومن أوائل أنواع بني جنسنا البشري، وقد يكون الأقدم، الإنسان منتصب القامة (Homo erectus) ، فهو أول مَن امتلك أبعاد جسم شبيهة بالإنسان، أي لديه أذرع أقصر وأرجل أطول مقارنةً بجذعه، بل كان أيضًا أول أشباه البشر الذين هاجروا من أفريقيا، وربما يكون أول مَن طها الطعام.

بل هناك من بني جنسنا مَن شاركنا الزمان والمكان وأيضًا الجينات مثل النياندرتال (Homo neanderthalensis) وهومو لوزون وهومو فلورنسز والدينسوفان، ولا يزال العلم يجدُّ في سعيه لحسم أمور كُبرى تخص الإنسان وأصوله، فمن أين أتينا؟ ومَن هو سلفنا المباشر؟

سلفنا المباشر

يحدد العلماء أصول الكائنات عامةً من خلال شجرة الأنساب التي تصاغ بمقتضاها صورة الحياة على الأرض، لتوضيح هذا الارتباط بين جنس وآخر، وذاك التشابه بين نوع وأخيه، لكن الأمور لا تبدو بهذه البساطة، ففهم معضلة شجرة الأنساب الخاصة بجنسنا البشري أمرٌ معقدٌ للغاية، ومحير حتى لعلماء الأنثروبولوجي.

ظهر الإنسان العاقل في أفريقيا في العصر البليستوسيني الأوسط، الذي يعود تاريخه إلى 774000-129000 سنة مضت، وقد شهدت تلك الفترة أيضًا ظهور النياندرتال في أوروبا رغم سبق النياندرتال لنا في تعمير الأرض، وهي مشكلة يسميها العلماء "الوحل في الوسط"، والمقصود بهذا التعبير هو صعوبة فهم علاقات أنواع جنسنا البشري في وسط البليستوسين، ومما يزيد الطين بلة هلامية تعريف بعض الحفريات المستخرجة التي تعود إلى ذلك العمر في القرن التاسع عشر، في تلك الفترة كانت جنوب أفريقيا تحت سطوة المستعمر البريطاني متمثلةً في رجل الأعمال والسياسي المستبد سيسل رودس، الذي ازداد نفوذه حتى طال العلماء، فهددهم وأجبرهم على تسمية بعض الحفريات المستخرجة باسمه دون الاستناد إلى خصائص تشريحية ومورفولوجية واضحة لتصنيفها كنوع جديد.

هومو رودنسز (Homo rhodesiensis) نوع جديد من جنس هومو سُمّي تحت التهديد، من الأنواع المكتشفة أيضًا من أفريقيا وأوروبا ولكنها لم تلقَ قبولًا رائجًا بين العلماء هو نوع هومو هيدلبيرج (Homo heidelbergensis)، إذ يرى بعض العلماء أن العينات التي اكتُشفت من أوروبا تعود إلى النياندرتال ويجب مراجعتها، وبالتالي مراجعة العينات المستخرجة من أفريقيا أيضًا.

في أواخر العام الماضي نُشرت دراسة تعيد النظر في بعض العينات المستخرجة من القارة الأفريقية، والتي عادةً ما تجري تسميتها على أنها هومو هيدلبيرج أو هومو رودنسز، ولوضع النقاط على الحروف، قام العلماء بحصر بعض الصفات التشريحية الواضحة التي تميز هذه العينات كنوع جديد من جنس هومو، تمت تسميته هومو بودنسز، ويفيد العلماء في دراستهم بأنه هو السلف المباشر لنا في شجرة الأنساب.

"حلت هذه الدراسة معضلة البليستوسين الأوسط، وأتاحت الفرصة للمجتمع العلمي للتعامل بشفافية ووضوح حول الأنواع المكتشفة في تلك الفترة الزمنية"، حسبما صرح كريستوفر باي، عالم الأنثروبولوجي بجامعة هاوا وأحد مؤلفي تلك الدراسة، في أحد البيانات الصحفية، فدائمًا ما يهتم العلم بتدقيق أي اكتشاف جديد ومراجعته، ومن أكثر الأمور إثارةً في الوسط العلمي العمل على تحديد العمر الحقيقي لأول إنسان عاقل ظهر على الأرض.

متى جئنا؟

في عام 1967 عثر العالِم ريتشارد ليكي -أحد أشهر وأهم علماء الحفريات في العالم، الذي وافته المنية في مطلع السنة الحالية عن عمر يناهز 77 عامًا- هو وزملاؤه على بعض من كسرات عظام جمجمة لإنسان، بالقرب من بلدة كيبيش الجنوبية الإثيوبية، هناك حيث اختفى نهر أومو وروافده منذ زمن طويل، قام العلماء بتأريخ أصداف رخويات المياه العذبة التي عُثر عليها إلى جوار الجمجمة ليجدوا أن البقايا عمرها حوالي 130 ألف عام، درس "ليكي" وفريقه الحفريات ليجدوا أن وجه الجمجمة المسطح والذقن البارز والجبهة المرتفعة تتشابه كليًّا معنا نحن الإنسان المعاصر وأنها ترجع إلى شخص مُسن، مما لا يدع مجالًا للشك بتصنيفه على أنه ينتمي إلى جنسنا البشري، عُرفت العينات باسم أومو الأول، نسبةً إلى اسم المتكون الصخري الذي اكتُشِفت فيه الحفريات (أومو كيبيش)، واستمرت الاكتشافات هناك لأجزاء من الهيكل العظمي، بل امتدت أيضًا إلى مناطق ودول مجاورة.

ومنذ ذلك الحين، استمر العلماء في محاولات لتحديد التأريخ الدقيق لعينات أومو الأول، فقيل إن عمرها يرجع إلى حوالى 197000 عام، ولأكثر من نصف قرن عُرفت بأنها أقدم عينات "مؤكدة" للإنسان العاقل في أفريقيا، حتى جاء عام 2017 عندما اكتُشفت في المغرب شظايا جمجمة وفك وأسنان يقدر عمرها بحوالى 300000 عام تقريبًا، وبذلك اعتُبر الاكتشاف أقدم حفريات عُثر عليها للإنسان العاقل، لتصبح عينات أومو الأول هي الثانية من حيث القِدم، رغم أن هناك بعض التحفظات لدى بعض العلماء على انتماء عينات المغرب إلى الإنسان العاقل، وأنها تمثل نوعًا أكثر بدائيةً منه وفق وجهة النظر هذه.

ولكن مؤخرًا خرجت علينا نتائج دراسة جديدة نُشرت في دورية نيتشر العلمية، لتؤكد أن عمر أومو الأول أقدم مما قُدر في السابق، إذ أسهم الرماد البركاني في فك شفرة العمر الحقيقي.

الرماد البركاني وبصمة الإصبع

طابت الحياة لأومو الأول ليعيش ويموت هناك في جنوب إثيوبيا، قبل أن يثور بركان هائل يسمى "شالا" ليمطر رماده على تلك الحفريات التي تحفرت بها عظامه، حبيبات من الرماد شديدة الدقة تشبه الدقيق في نعومتها، صعّبت على الباحثين إيجاد العمر الحقيقي لأومو بسبب خلوها من أي بلورات معدنية كبيرة تيسر قياس العمر بالطريقة الإشعاعية (عن طريق قياس كمية البوتاسيوم المشع وتحلله إلى الأرجون المشع في المعدن)، لكن كان لدى سيلين فيدال -عالِمة الجغرافيا بجامعة كامبردج بالمملكة المتحدة- وفريقها خطة أخرى لفك اللغز.

في درجات حرارة عالية قاربت 45 درجة مئوية، وسماء مكشوفة خالية حتى ولو من بضع سحائب يستظلون بها، وبين المنحدرات الوعرة وسفوح التلال، سافرت "فيدال" وزملاؤها إلى بلدة كيبيش جنوب غرب إثيوبيا؛ لأخذ عينات من رماد الانفجارات البركانية القديمة، لمعرفة العمر الحقيقي لها.

"كانت الرحلة إلى كيبيش مختلفةً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فكيبيش رائعة من كل النواحي، سواء من منظور ثقافي أو بيئي أو جيولوجي، هكذا تحدثت فيدال عن تجربتها لـ"للعلم": "لم تكن المتعة مقتصرةً على المغامرة وسبر أغوار طبقات الرماد البركاني، رغم أن الأمر كان مثيرًا للغاية، لكن القدرة على التفاعل مع السكان المحليين هي التجربة الحقيقية، تجربة غيرت منظوري للحياة".

"كل ثوران بركاني له تركيبة جيوكيميائية فريدة تميزه، إذ تُعد كبصمة الإصبع في مسرح الجريمة، ويمكن استخدامها لتحديد البركان الذي غطّى رماده ثرى أومو الأول"، وفق ما أوضحت فيدال.

استخدم الفريق أدلةً جيوكيميائيةً لمطابقة طبقة الرماد البركاني التي تغلف الحفرة التي استُخرجت منها العينات بانفجار بركاني آخر، عن طريق أخذ عينات من الصخور بالقرب من مصادرها البركانية، في الأماكن التي احتوى فيها الحطام الرمادي على الكثير من البلورات الكبيرة المناسبة للتأريخ الإشعاعي، اكتشف العلماء أن عمر أومو الأول أكبر مما كان يُعتقد سابقًا بـ36000 سنة.

لقد غطى رماد بركان شالا طبقة الرواسب التي تحتوي على أحفورة أومو الأول منذ حوالي 233000 عام تقريبًا، مما يعني أنه وبنيه عاشوا هناك منذ ذلك الوقت على الأقل، أي أن أومو الأول أكبر مما كان يُعتقد من قبل بعشرات الآلاف من السنين، إذ إن تراكمات الرماد البركاني على الصخور الحاوية لأومو الأول جاءت في وقت لاحق بعد حياته وموته وتحفُّره أيضًا، لذا يعمل العلماء على دراسة الصخور التي تعلو أومو الأول، لمعرفة أقصى عمر يمكن أن يصل إليه.

تقول فيدال لـ"للعلم": "لقد كانت بالتأكيد لحظةً خاصة عندما ربطنا بصمة بركان شالا بالبركان القريب منه، واستطعنا أخيرًا تأريخ عمره، ونحن في طريقنا إلى معرفة أقصى عمر له"، ترى كيف ولماذا خرج أجدادنا من أفريقيا، موطنهم الأصلي؟

أسفار الإنسان العاقل 

لم تكن للحفريات المكتشفة الكلمة الوحيدة في الأصل الأفريقي للإنسان، فالدراسات الجينية تدعم أيضًا الأصل الأفريقي، إذ تسجل أفريقيا أعلى مستويات اختلاف جيني بين سكانها، فهناك المزيد من التنوع الجيني في أفريقيا مقارنةً ببقية العالم مجتمعة، بل الجدير بالذكر أن أصل الحمض النووي الحديث، في الميتوكوندريا (مصنع الطاقة داخل الخلية الحية) تم تتبُّعه ليتوصل العلماء في النهاية إلى وجوده داخل خلايا امرأة أفريقية واحدة فقط، لذا سماها العلماء بـ"ميتوكوندريا حواء"، لكن أين وطننا الأصلي في تلك القارة السمراء شاسعة المساحة؟

قبل حوالي مئتي ألف عام، كانت هناك واحة خضراء وسط صحراء كالاهاري بأفريقيا، جنة غنّاء تنتشر الغابات والمراعي فيها وتتخللها البحيرات تُعرف باسم أراضي ميكاديكادي- أوكافانجو Makgadikgadi–Okavango  الرطبة القديمة، هناك وعلى ضفاف بحيرات تلك الأراضي، استراح أسلافنا الأوائل، وقامت جداتنا وأجدادنا بالصيد وكوَّنوا عائلات، وعاشوا هناك عشرات الآلاف من السنين، وفق النتائج التي نشرتها دراسة أُجريت على جينات مئات السكان من ذوي العرق الأصلي لدول جنوب أفريقيا.

يقول فانيسا هايز -عالِم الجينات بجامعة سيدني بأستراليا- في البيان الصحفي المصاحب للدراسة: "لقد ساعدت دراسة الجينات في تحديد مكان موطن البشر الأصلي، نستطيع القول بأن البشر الأوائل استقروا لفترة كبيرة من الزمن في موطنهم الأصلي ميكاديكادي- أوكافانجو قبل أن يرحلوا"، وهنا يأتي السؤال لماذا ترك أجدادنا جنات عدن تلك؟ الإجابة غالبًا تكمن في التغيرات المناخية، فمع تغيُّر مناخ الأرض، وهطول الأمطار تفتّحت مسارات جديدة خصبة عبر الصحراء لأول مرة، مما أتاح لأجدادنا الفرصة لاستكشاف المجهول، تاركين وراءهم أراضي ميكاديكادي- أوكافانجو، أو كما يسميه العلماء "موطن الأجداد الحيّ".

انطلقت مجموعات من البشر القدامى من موطنهم الأفريقي الأصلي، أعدادهم ليست بالكثيرة، مهاجرين إلى عوالم خفية، سالكين دروبًا لم يتعودوها، ثمة مجهول يتربص بهم، تغلبوا على الصعوبات بجسارة، نجا مَن نجا من مصير قد يكون داميًا، تغلبوا على الخلاء، حتى عمروا الأرض بما رحُبت ليصل عدد سكان الأرض الآن إلى قرابة 8 مليارات نسمة، ولهجرة الإنسان من أفريقيا عوامل كثيرة، ربما كان أهمها عامل المناخ، إذ إن له دورًا مهمًّا جدًّا في تاريخ هجرة الإنسان والتأثير المباشر على ظروف معيشته، كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن التغيُّرات المناخية أسهمت بشكل كبير في الانتشار المبكر للإنسان داخل أفريقيا وخارجها، فقد لوحظ أن الظروف البيئية الأكثر رطوبةً توفر موائل مناسبة لمعيشة الإنسان، وقد سهلت التوسع البشري بعيد المدى إلى مناطق جديدة، في حين أن فترات الجفاف كانت أقل ملاءمة، فبدورها أدت إلى التضييق المكاني وعزلة السكان.

إن التطور البشري بعيد كل البعد عن البساطة، ويتضمن العديد من سبل الانتشار والاتصالات والتفاعلات بين الأنواع المختلفة من البشر، ولا تزال أسباب انتقال الإنسان العاقل وانتشاره داخل أفريقيا وخارجها موضع نقاش وجدال سائد إلى يومنا هذا، لكن هناك سيناريوهين واضحين حول نشأة الإنسان العاقل وانتشاره حول العالم حتى الآن: السيناريو الأول هو ما يُعرف بـ"خارج أفريقيا"، والسيناريو الآخر هو المعروف بـ"متعدد المناطق".

يقترح نموذج "متعدد المناطق" أن تطور الإنسان العاقل حدث في عدة أماكن على مدى فترة زمنية طويلة، بعدها حدث اختلاط بين المجموعات السكانية المختلفة، مما أدى في النهاية إلى ظهور نوعنا الإنسان العاقل (Homo sapiens) على الأرض، بينما يُعد نموذج "خارج أفريقيا" هو النموذج الأكثر قبولًا في الوسط العلمي، إذ يقترح أن الإنسان العاقل تطور في أفريقيا قبل هجرته عبر العالم، تقول فيدال: "يميل الناس إلى الاعتقاد بأن الاكتشافات تحدد الحقيقة في لحظة من الزمن، لكن العلم يوضح لنا كل يوم أن الملحوظات تعتمد على مَن يرى"، وتتابع: "نستمر في تحسين فهمنا، يمكننا فقط ملاحظة ما تسمح لنا الطبيعة برؤيته، فكل اكتشاف هو معجزة، وما على العلم سوى الاستمرار في البحث والتدقيق والمراجعة".