في يونيو الماضي، اكتشف باحثون من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في ليبزيج بألمانيا، أن بداية تطور الإنسان المعاصر كانت في كل أنحاء القارة الأفريقية قبل 300 ألف سنة على الأقل، وليس في مكان واحد محدد كما كان يُطلق عليه في السابق «مهد واحد للبشرية». بحث جديد صدر مؤخرًا أظهر أن بدايات هذا الإنسان تعود إلى أبعد من ذلك.

تمكن الفريق البحثي من جامعة أوبسالا السويدية، من تحديد أقدم انقسام حدث لـ«هومو سابينس Homo Sapiens» إلى مجموعات منفصلة، مقدِّرين أن ذلك الانتشار يعود إلى الفترة الزمنية الممتدة من 260 إلى 350 ألف سنة مضت.

توصل الباحثون إلى استنتاجهم المنشور في 21 سبتمبر الماضي في دورية (Cell)، بعد أن حللوا الحمض النووي المستخرج من بقايا رفات 7 أشخاص، وُجد في إقليم كوازولو ناتال، الواقعة شرق جنوب أفريقيا.

وأظهرت النتائج أن 3 منهم كانوا صيادين عاشوا قبل 2000 سنة، على مقربة من إنسان الأدغال «البوشمن»، وهي مجموعة من الشعوب الأفريقية الموحدة.

في حين ثبت أن الأشخاص الأربعة الآخرين مزارعون عاشوا في العصر الحديدي، في الفترة ما بين 300 إلى 500 عام مضت، ويملكون صفات وراثية تشبه تلك التي تملكها الشعوب المتحدثة بلغة البانتو، هؤلاء الناس يعيشون في جميع أراضي أفريقيا والصحراء الكبرى تقريبًا.

وفي حديثها لـ"للعلم"، قالت كارينا شليبوش -أحد المشاركين في الدراسة، بقسم البيولوجيا العضوية، في مركز علم الأحياء التطوري التابع لجامعة أوبسالا- إن دراستهم تشير إلى أن البشر الذين عاشوا في إقليم كوازولو ناتال، انفصلوا عن إنسان الأدغال أو "البوشمن" وغيرهم من فئات الإنسان العاقل ما بين 260-350 ألف سنة مضت، ما يؤكد على أن أصل الإنسان الحديث كان قبل هذا الوقت بكثير.

وكان باحثو معهد ماكس بلانك قد عثروا على بقايا متحجرة من البشر، من نوع «هومو سابينس» أو «الإنسان العاقل» تعود أصولها تاريخيًّا إلى 300 ألف سنة في جبل إيجود بالمغرب Jebel Irhoud. كما كان يُظَن في السابق أن أقدم انتشار للإنسان العاقل إلى مجموعات منفصلة حدث قبل 100-160 ألف سنة فقط.

العزلة لبُعد المسافات

سلط الباحثون الضوء على بدايات توسُّع سكان أفريقيا وهجرتهم، من خلال تحليل الجينوم الخاص بصبي عاش قبل 2000 سنة على أراضي الساحل بالقرب من الشعوب المتحدثة بلغة باليتو، إذ اتضح أن الحمض النووي للصيادين -على عكس الحمض النووي لإنسان الأدغال "البوشمن"- لم يتأثر بالاختلاط الجيني الحديث مع مجموعة شرق أفريقيا ومجموعة أوراسيا الذين وصلوا إلى المنطقة خلال الألف الميلادية الأولى.

وعن السبب في ذلك، أشارت شليبوش إلى أن الصيادين الأفارقة لديهم تاريخ سكاني عميق جدًّا في مناطقهم، ولم ينتقلوا من مكان آخر، وربما عاشوا في المنطقة نفسها لفترة طويلة جدًّا، وربما تطورت أشكالهم القديمة إلى أخرى حديثة داخل المنطقة المحلية، وهو تأثير نسميه في علم الوراثة "العزلة بسبب بُعد المسافات"، وفق قولها.

وأضافت أنه على النقيض من الصيادين، كان للمزارعين تاريخ مختلف جدًّا، وكان لديهم تحرُّكات سكانية هائلة وهجرة في السنوات 2000-7000 الماضية، وكان أكبر توسُّع للمزارعين في أفريقيا هو توسع المزارعين الناطقين بلغة البانتو من غرب أفريقيا إلى بقية أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وقد حلَّ متحدثو البانتو محل معظم مجموعات السكان الأصليين، وهم السكان الرئيسيون اليوم في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وبدأ التوسُّع منذ حوالي 5000 سنة في غرب أفريقيا، ووصلوا إلى الجنوب الأفريقي منذ حوالي 1800 سنة.

وفي هذا الإطار، قال ماتياس جاكوبسون -أستاذ علم الوراثة بقسم البيولوجيا العضوية في مركز علم الأحياء التطوري بجامعة أوبسالا- إن اكتشافنا يشير إلى أن أسلاف شعوب "خوي- سان"، وهي مجموعات كانت تمتهن رعي الغنم والماشية وعاشت في شرق أفريقيا، وينتمي إليها جينوم الصبي الذي عاش قبل 2000 سنة، واختلطت مع مجموعات أخرى من غرب أفريقيا وشرقها ووسطها، ومجموعات غير أفريقية.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن الاستنتاج المنطقي لهذا الاختلاط والانتشار أن الإنسان الحديث ظهر قبل 350 ألف سنة مضت، وأن الرعاة هاجروا من شرق أفريقيا جنوبًا للوصول إلي الجنوب الأفريقي، ربما قبل 1200 سنة، وأن هذه الهجرة أثرت على التنوع البشري الذي أعقب ظهور أسلاف مجموعات "خوي-سان" الحديثة.

وعن خطواتهم المقبلة، قال جاكوبسون إن الفريق سيواصل التركيز على دراسة أدلة ظهور بداية تطور الإنسان المعاصر، ولا سيما داخل أفريقيا، حيث يعكف الفريق على دراسة الرفات البشري من مختلف أجزاء من أفريقيا.

وعن الطريقة التي يتبعها العلماء لرصد بدايات الإنسان العاقل من واقع الرفات الذي عثروا عليه، قال هشام سلام- الأستاذ المساعد في قسم الجيولوجيا بجامعة المنصورة- إن الرفات يعود لحوالي 2000 سنة، لكنه يكشف بدايات ترحال الإنسان العاقل قبل 350 ألف سنة مضت عن طريق تتبُّع أصل الحمض النووي. ونوَّه بأن هذا الكشف هو بداية لاكتشافات أخرى متوقَّعة، ربما تُظهر أن الإنسان العاقل ظهر قبل هذا التاريخ بكثير.

الإنسان العاقل والـ«هومو ناليدي»

وأثنى سلام على نتائج البحث، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم"، أن هذه النتائج تكشف أن الإنسان العاقل عاش قبل فترة أبعد من 350 ألف سنة مضت، أي قبل تقديرات «إنسان المغرب».

وأشار إلى أن نتائج البحث كانت ستطرح علامات استفهام كبيرة، لو ظهرت قبل أبحاث إنسان المغرب الذي يعود أصله إلى ما قبل 300 ألف سنة على الأقل، وإنسان إثيوبيا الذي يعود إلى 190 ألف سنة، لكن بقايا إنسان المغرب ردمت الفجوة التي كان من الممكن أن تكون كبيرة بين إنسان إثيوبيا ونتائج البحث الجديد.

ونوَّه بأن ما توصل إليه العلماء يفيد بأن الإنسان العاقل عاشر إنسان الـ«هومو ناليدي Homo naledi»، وهو نوع منقرض من جنس أشباه البشر، تم اكتشافه عام 2015 في مخبأ كبير من الحفريات الخاصة به تحمل اسم "دي ناليدي" بأحد كهوف نظام النجم الصاعد في دولة جنوب أفريقيا.

ويشير سلام إلى أن ما يميز هذا الكشف عن غيره من الاكتشافات أنه احتوى على تحليل رفات من أعمار مختلفة بما فيها الأطفال.