في سبعينيات القرن الماضي وتحديدًا في عام 1978، تمكَّن علماء من كلية الطب بجامعة أثينا اليونانية ومتخصصون في علم الأنثروبيولوجيا (علم دراسة تطور الإنسان) من الوصول إلى كهف في منطقة وعرة، بحثًا عن كسرات عظام أو حتى مجرد أدوات تخص أجدادنا القدامى. ولحسن الحظ، تمكَّنوا من الوصول إلى كهف من الحجر الجيري في جنوب اليونان يسمي «أبيديما». وقد وجدوا بالفعل مرادهم داخل ذلك الكهف متمثلًا في اثنتين من الجماجم البشرية بارزتين من جدار الكهف ومتباعدتين مسافة 30 سم فقط.

ورغم أن تلك الجماجم كانت شبه مُدمرة بفعل عوامل التجوية؛ إذ تتألف حفريات تلك الجمجمتين من 66 شظية، مرتبطة بقوة بتربة الكهف، ما يجعل مهمة استخراجهما شبه مستحيلة. إلا أنه وبعد جهد شاق استمر أكثر من عامين، نجح هؤلاء العلماء في استخراج الجمجمتين ونقلهما إلى المعامل البحثية المختصة من أجل دراستهما بالتفصيل.

صُنفت الجمجمتان آنذاك باعتبار انتمائهما إلى الإنسان البدائي"النياندرتال" (Homo neanderthalensis)، وظلتا في أدراج المعامل البحثية عقودًا من الزمن، دون معرفة كامل حكايتهما.

ومع التقدم التكنولوجي الذي تشهده المجالات العلمية، أجرى فريق من علماء الأنثروبولوجيا، ضمن دراسة جديدة، نُشرت مؤخرًا في دورية نيتشر، تحليلًا لصفاتهما الموروفولوجية، وكانت المفاجأة أن إحداهما تمثل أحد أبناء جنسنا الحالي «هومو سابينس Homo sapiens».

استخدم الفريق البحثي تقنيات حديثة للتأريخ، وكانت النتائج "مبهرة وغير متوقعة"؛ فقد وجدوا أن الحفرية تعود إلى إنسان عاقل عاش في اليونان قبل أكثر من 210 آلاف عام، ما يجعل تلك الحفرية -وفق هذه النتائج- أقدم حفرية معروفة إلى الآن لجنس الإنسان العاقل "هومو سابينس"، في القارة الأوروبية تحديدًا وخارج أفريقيا في العالم أجمع بشكل عام. مما يعني أن الإنسان المعاصر هاجر من أفريقيا إلى أوروبا في وقت أبكر كثيرًا مما كان يُعتقد.

في تصريحه لمجلة "للعلم" يقول «راينر غرون» -الأستاذ بمركز البحوث الأسترالي لدراسة تطور الإنسان في جامعة جريفيث بأستراليا والباحث المشارك في الدراسة: "استطعنا أن نكسر عقدة دراسة هذه الجماجم بعد أن ظلت بلا هوية عقودًا طويلة".

صراع مع الزمن

الدراسة الجديدة فريدة من نوعها، فهي تميط اللثام عن تسجيل أقدم بقايا للبشر المعاصرين –الإنسان العاقل- (Homo sapiens) خارج أفريقيا، وتحديدًا من كهف «أبيديما» في شبه جزيرة ماني جنوبي بيلوبونيز في اليونان. وباستخدام نماذج متطورة من المسح المقطعي بالأشعة السينية وتقنية التأريخ باليورانيوم لإعادة البحث في أصول هذه البقايا (الجمجمتين).

 لقد تبيّن أن إحدى هاتين الجمجمتين -وقد أطلق عليها "أبيديما 2" نسبة إلى الكهف الذي عُثر عليهما فيه- تعود إلى 170 ألف عام، وهي تخص إنسان "نياندرتال". لكن العلماء صُدموا عندما اكتشفوا أن "أبيديما 1" كانت أقدم من "أبيديما 2" بـ40 ألف سنة، وهي عائدة إلى "الإنسان العاقل". وهذا الاكتشاف يجعل من جمجمة "أبيديما 1" أقدم ما اكتُشف في القارة الأوروبية من بقايا الإنسان العاقل الحديث، والعينة الأقدم على الإطلاق للإنسان العاقل من خارج أفريقيا، ليعيد العلماء بذلك كتابة تاريخ جديد لحياة جنسنا البشري.

تقول «كاترينا هارفاتي» -الباحث الأول والرئيسي في هذه الدراسة ورئيسة قسم الأنثروبولوجي في جامعة إبرهارد كارل في توبنغن بألمانيا لـ"للعلم": لقد وجدنا أنفسنا أمام اكتشاف مذهل ربما يعيد تأريخ حياة الجنس البشري على هذا الكوكب. جدير بالذكر أن «هارفاتي» كانت من المشاركين في الورقة العلمية التي نُشرت قبل عامين في مجلة نيتشر، والتي سجلت أقدم بقايا للإنسان العاقل على الإطلاق من جبل إيرهود بالمغرب.

تقنيات متطورة

نظرًا لصعوبة استخراج الجماجم بالكامل من الصخر المحيط بها، توجه العلماء إلى التصوير باستخدام الأشعة المقطعية، إذ تتيح الدخول إلى قلب الحفريات المختلفة دون حتى مجرد لمسها. ومن ثم جرى تحليل مفصل لنتائج هذا التصوير باستخدام برامج حاسوبية معقدة.

ثم قام الفريق بتأريخ الحفريات بطريقة تعتمد على التحلل الإشعاعي لليورانيوم الطبيعي في حفريات تلك الجماجم. ووجدت الاختبارات أن الجمجمة الأولى عمرها لا يقل عن 170 ألف عام، وتنتمي إلى جنس الإنسان البدائي "نياندرتال". أما الجمجمة الثانية فتنتمي إلى جنس الإنسان العاقل "هومو سابينس"، ويبلغ عمرها 210 آلاف عام على الأقل.

تقول «هارفاتي»: لقد طبقنا أساليب الأنثروبولوجيا الافتراضية لإعادة هيكلة الجماجم، ثم أجرينا المقاييس الهندسية والإحصائيات متعددة المتغيرات لتحليل مظهرها المورفولوجي مقارنةً بالسجل الأحفوري البشري المعروف من أوراسيا وأفريقيا في تلك الفترة الزمنية. ثم طبقنا التأريخ باليورانيوم ليتيح لنا ذلك اكتشاف أقدم بقايا للبشر المعاصرين خارج أفريقيا.

من جانبه، أوضح «غرون» أن اختلاط الجمجمتين يعني وجود تدفُّق طيني في الكهف، غمر الجمجمتين في وقت واحد، وخلط عظامهما معًا، والغريب أن الجمجمة الخاصة بالإنسان الحديث كان فيها عدد غير طبيعي من الثقوب، مما يشير إلى أن هذا قد يكون سبب الوفاة.

حتى توقيت نشر هذه الدراسة، لم يكن العلماء يعتقدون أن جنسنا البشري المعاصر هاجر إلى القارة الأوروبية في ذلك التوقيت المبكر، فالبقايا التي اكتُشفت على مدى السنوات الماضية تؤكد أن الإنسان الحديث عاش في القارة الأوروبية قبل أقل من 45 ألف سنة فقط، إلا أن الباحثين في تلك الدراسة يقولون إن عمر الجمجمة نحو 150 ألف عام، أي أكبر من العمر الذي كان العلماء يتوقعونه سابقًا بما يقارب أربعة أضعاف.

استيلاء تدريجي على القارة الأوروبية

من المرجح أن يُعيد البحث ترتيب جميع السيناريوهات الخاصة بالكيفية التي انتشر بها البشر في أوروبا، وقد يعيد أيضًا كتابة النظريات الأساسية حول تاريخ جنسنا البشري. وتُعزِّز الحفرية الجديدة وجهة نظر ناشئة مفادها أن البشر هاجروا من أفريقيا في موجات عدة، في وقت أبكر بكثير مما كان يُظَن سابقًا، وهو ما يعني أن البشر من جنس الهومو غزوا مناطق يسيطر عليها البشر البدائيون من أبناء عمومتنا المنقرضين من إنسان النياندرتال.

ويُعد النياندرتاليون هم المجموعة الشقيقة لجميع البشر المعاصرين (هومو سابينس)، وهم نوع من جنسنا ذوو بشرة بيضاء وجسم مفتول استوطنوا الجزء الشمالي من الكرة الأرضيّة قبلنا، حيث تعايشنا جنبًا إلى جنب مع النياندرتال قبل انقراضهم. وبناء على نتائج الأبحاث العلمية الحديثة، يُعتقد أننا أدينا دورًا مهمًّا وكنا سببًا من الأسباب التي أفضت إلى انقراض النياندرتال.

عاش إنسان النياندرتال قبل نحو 430 ألف عام، وكان من أبناء عمومة البشر الحاليين ولم يكن سلفًا مباشرًا لهم. والنياندرتال هم أكثر أقربائنا الذين تمكنَّا من دراستهم. حين خرج الإنسان الحديث من أفريقيا، التقى إنسان النياندرتال في غرب أوراسيا –وهي كتلة أرضية امتدت بين ما يُعرف الآن بإسبانيا في الغرب وحتى روسيا في الشرق- فنجم عن ذلك اللقاء تزاوُجٌ ترك بصمة جينية من إنسان النياندرتال في الحمض النووي للإنسان الحديث.

وكان جنوب شرق أوروبا نقطة التقاء ساخنة للبشر القدماء، فالمنطقة تمثل مفترق طرق بين القارات الثلاث -أفريقيا وآسيا وأوروبا- وتتمتع بمناخ معتدل نسبيًّا، وتمثل موئلًا مناسبًا للاستقرار البشري، وهذا ما جعلها بوابة عبور رئيسية للإنسان الحديث من أفريقيا. وعلى الرغم من ذلك، لم تتوافر أدلة في الماضي على غزو البشر المعاصرين لتلك المنطقة إلا قبل نحو 45 ألف عام، في حين كان هناك العديد من الاكتشافات التي تشير إلى وجودٍ قديم لإنسان "نياندرتال" في كل أنحاء القارة. وقبل هذا الاكتشاف كان يُعتقد أن الأشخاص الذين يعيشون خارج أفريقيا اليوم تركوا القارة في عملية هجرة جماعية منذ 60 ألف عام، مما يعني أن البشر المعاصرين غادروا أفريقيا قبل ذلك بكثير. وكانت حفريات «الإنسان العاقل» المُكتشَفة في التسعينيات من القرن الماضي قد رجحت وجود عمليات هجرة فردية للإنسان العاقل من أفريقيا في فترة ما بين 90 ألفًا و125 ألف سنة مضت.

وفي تصريح لـ"للعلم" يقول «هشام سلام» -مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والباحث غير المشارك في الدراسة: "هذه دراسة مثيرة وتضيف الكثير إلى فهم تاريخنا على هذه الأرض".

ويضيف: حل الإنسان العاقل محل إنسان نياندرتال في كل أنحاء أوروبا قبل 35 ألف سنة، ومع الأعمار الكبيرة التي تسجلها هذه الدراسة يؤكد هذا أن احتلال القارة الأوروبية من البشر المعاصرين كان استيلاءً تدريجيًّا تَسبَّب كذلك في انقراض البشر البدائيين "النياندرتال".

هجرات فردية

وتُعَد الدراسة الحالية دليلًا قطعيًّا على أن الإنسان العاقل هاجر من أفريقيا إلى جنوب أوروبا في "أكثر من مناسبة"، وليس ثمة تعارُض بين هذا الاكتشاف والنظرية التي تشير إلى أن الهجرات الجماعية إلى خارج أفريقيا بدأت قبل 60 ألف سنة، فندرة الحفريات التي تشبه ما تم تسجيله في الدراسة الحالية تعني أن تلك الهجرات الجماعية الكبيرة سبقتها هجرات متفاوتة، وربما فردية أو استكشافية.

وبذلك تمثل الجمجمة المُكتشف عمرها حديثًا أقدم علامة على انتقال الجنس البشري الحديث، أو الإنسان العاقل خارج أفريقيا، الأمر الذي يعني إعادة النظر في فصل رئيسي من تاريخ الإنسان. وكان علماء قد أوضحوا في دراسة سابقة أن بقايا عظام وأسنان تعود إلى الإنسان العاقل (هومو سابينس) وُجدت في كهف في بلدة «الجليل» شمالي فلسطين ويعود عمرها إلى ما بين 177 و194 ألف عام، وترجح الدراسات أن بلاد الشام وتركيا كانتا نقطة عبور الإنسان العاقل من أفريقيا إلى جنوب أوروبا.

ومعقبًا على ذلك، يضيف «سلام»: من خلال هذا الاكتشاف المذهل الذي يغير فهمنا لطريقة وصول الإنسان المعاصر إلى أوراسيا، تدعم نتائج الدراسة التي أُجريت على هذه الجمجمة فكرة أن الإنسان العاقل قام بهجرات متعددة، وأحيانًا غير ناجحة، من أفريقيا خلال عشرات الآلاف من السنين.

مزيد من الجدل

رغم أن الدراسة الحالية تلقي مزيدًا من الضوء على احتمالات جديدة كُليًّا، وتدلل على أن البشر المعاصرين الأوائل هاجروا خارج قارة أفريقيا قبل 210 آلاف عام، وهذا يعني أنهم ربما استقروا في بلاد الشام قبل ذلك التاريخ بفترة طويلة تتيح لهم إكمال الهجرة إلى القارة الأوروبية، ثم توسعوا غربًا إلى أوروبا، القارة التي كانت موطنًا بالفعل للنياندرتال. وهذا يعني أن روادًا بشريين مبكرين ربما يكونون قد وصلوا إلى أوروبا عبر ذلك الطريق، إذ حل الإنسان العاقل محل البشر البدائيين في ذلك التوقيت.

إلا أن بعض العلماء يقولون إن الادعاء الكبير بوجود الإنسان العاقل في أوروبا قبل أكثر من 200 ألف عام بحاجة إلى مزيد من الأدلة، ويجادل فريق من العلماء بأنهم غير مقتنعين بأن الجمجمة تنتمي إلى جنس الإنسان الحديث؛ لأن الحفرية مجزأة وغير مكتملة ولا يُمكن أن تدعم ذلك الادعاء القوي، وبما أن الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلةً غير عادية، والشظايا التي تم فحصها تفتقد القاعدة القحفية وأجزاء من الوجه، فإن هذا يجعلها دليلًا غير استثنائي.

من جانبه، يختتم «سلام» حديثه لـ"للعلم" بقوله: إن التقدم في تكنولوجيا التأريخ وشتى العلوم الأخرى قد يستمر في تشكيل فهمنا لطريقة انتشار أسلافنا في أنحاء العالم. وأعتقد أن التقنيات الحديثة قد أظهرت أن مجال الحفريات الفقارية لا يزال مليئًا بالمفاجآت.