توصل فريق من الباحثين إلى تركيبة عضوية تحتوي على "فيرومونات" يطلقها النحل، يمكنها إبعاد "الأفيال" عن الحقول الزراعية دون تعريضها للخطر، وذلك وفق دراسة نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، وأُجريت داخل حديقة "جريتر كروجر" الوطنية في جنوب أفريقيا في الفترة ما بين ديسمبر 2017 وفبراير 2018.

وضع الباحثون مزيجًا من الفيرومونات التي يطلقها النحل عند الشعور بالخطر داخل قوالب محددة لتتسرب ببطء في الأماكن المحيطة ببرَك المياه التي تتردد عليها الأفيال الأفريقية من سلالة "فيل الأدغال الأفريقي"، المعروف علميًّا باسم "لوكسودونتا أفريكانا"، وهو أحد أكبر أنواع الأفيال الموجودة في القارة السمراء.

والفيرومونات عبارة عن مادة عضوية متطايرة تطلقها الحيوانات أو الحشرات في الجو، فتؤثر على سلوك سلالات أخرى أو وظائفها.

ولاحظ الباحثون أن معظم الأفيال التي اقتربت من التركيبة ظهرت عليها علامات زيادة الحذر ومظاهر الشك، مثل تخبُّط القدمين وهز الأذنين وتمايُل الرأس، مما يدفعها في النهاية إلى الابتعاد عن المكان.

وفى المقابل، فإن الأفيال التي اقتربت من قوالب شبيهة لا تحمل هذه التركيبة كان لديها الفضول لمعرفة الأشياء الغريبة الموجودة في المناخ المحيط بها.

وضع الباحثون الفيرومونات في جوارب بيضاء، فيها صخور صغيرة، لتتدلى من فروع الأشجار على ارتفاع نحو متر واحد من الأرض.

وخلال التجربة التي تم تصويرها بالفيديو، ابتعد 25 من بين 29 فيلًا عن الجوارب المعلقة التي تحتوي على الفيرومونات بعد استنشاق رائحتها، أما الجوارب عديمة الرائحة فقد تجاهلتها الأفيال أو حاولت الإمساك بها لتذوقها.

من جهته، يقول "مارك رايت" -أستاذ علم الحشرات بقسم علوم حماية النبات والبيئة بجامعة "هاواي" في "مانوا" والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذه النتائج تُعَد استكمالًا لدراسات سابقة، أظهرت أن خلايا النحل يمكنها إبعاد الأفيال عن المحاصيل الزراعية، ولكن في نطاق محدود نسبيًّا. ويتطلع الفريق البحثي للتوسُّع في هذه التجربة وتطوير أدوات إضافية للسيطرة على حركة الأفيال".

يضيف "رايت" أن "الدراسة شارك فيها باحثون من شركة "آي إس سي إيه تكنولوجيز"، وهي شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية، تولت إعداد التركيبة العضوية. ولهذه الشركة تجارب لأكثر من 20 عامًا في مجال تطوير وتسويق منتجات تعتمد على الفيرومونات ومركبات أخرى طبيعية تؤثر على سلوك الحيوان وتسيطر على الحشرات التي تدمر المحاصيل أو تنشر الأمراض دون الحاجة إلى رش مبيدات سامة على نطاق واسع"، مشددًا على أن "الدراسة تفتح آفاقًا جديدة بإثبات أن الفيرومونات المصنَّعة يمكنها هي الأخرى السيطرة على سلالات ضخمة من الثدييات بعدما أصبح البحث عن إستراتيجيات آمنة للسيطرة على الأفيال ضرورةً مُلحة مع تزايُد أعداد السكان في أفريقيا وآسيا وتعرُّض الزراعات للتلف، وأحيانًا يتعرض الأشخاص للسحق أو يتم قتل الأفيال".

يشير "رايت" إلى أن الباحثين استفادوا مما يحدث في الطبيعة، موضحًا أنه "عندما تشعر النحلة بمهاجمة حيوان ما لخلاياها، تطلق من جسدها إنذارًا في صورة فيرومونات لتنبيه بقية النحل للدفاع عن الخلايا ومهاجمة الحيوان، وفي المقابل فإن الأفيال تكره لسع النحل، الذي يصيب –عادةً- الأنسجة الرخوة الموجودة في عيونها وداخل خراطيمها، ولهذا استقر في ذهن الأفيال على مر العصور تمييز رائحة الفيرومونات التحذيرية التي يطلقها النحل، والتراجُع عند التعرف عليها؛ لارتباطها لديهم بلسع النحل".

ورغم أن بعض المزارعين في أفريقيا يضعون خلايا النحل بجوار الأسوار لحماية محاصيلهم من الأفيال، إلا أن استخدام الفيرومونات المُصنَّعة يُعَدُّ أقل تكلفةً وأكثر مرونةً وأسهل في الانتشار لضمان تَعايُش آمن بين البشر والأفيال.

يقول "رايت": "إن الفيرومونات المصنعة ليس لها فاعلية تلك التي يفرزها النحل؛ فالأولى تقتصر على نوعين من المركبات من بين 24 مركبًا تمثل المزيج الذي يطلقه النحل عند الشعور بالخطر، ونأمل في الحصول على تمويل لتحسين المزيج الصناعي وتحديد أكثر الوسائل فاعليةً لإبعاد الأفيال عن الحقول، وأيضًا تطوير أدوات إضافية للسيطرة على الأفيال".