قدمت دراسة علمية جديدة أول دليل تجريبي على أن جينًا واحدًا يُمكن أن يكون له دور فعال في تحديد النظام الطبقي داخل مستعمرات النمل.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس" اليوم "الخميس" 26 يوليو، أن "جين ILP2، المسؤول عن إفراز هرمون يُشبه الإنسولين لدى النمل، هو ما يجعل بعض النمل يحيا حياة الملكات في حين يظل باقي النمل في طبقة العمال إلى الأبد".

وتقدم الدراسة أدلةً حول كيفية تنظيم الآلية الجينية التي يجري بموجبها اختيار ملكات النمل، موضحةً أن "النمل يُشكل مستعمرات ذات نظامٍ صارمٍ إلى حد كبير؛ إذ تحتوي المستعمرة الواحدة على مئات أو ألوف من النمل، في حين تضم ملكةً واحدةً في الغالب تقوم بالتناسل ووضع البيض، وإناث عقيمات يُشكلن طبقة من العمال تقوم بخدمة ذرية ملكتهم".

ويشير الباحثون إلى أن "جينILP2"، الذي يصفونه بأنه "المسؤول عن إفراز هرمون يُشبه الإنسولين" هو المعني بتنظيم تلك العملية داخل مستعمرات النمل، مشيرين إلى أن "الهرمون الذي يفرزه ذلك الجين هو المسؤول عن عملية التناسل، فالنمل الذي ترتفع لديه مستويات الهرمون قادر على وضع البيض، أما باقي النمل فيُحرم من عملية التناسل، في عملية مُذهلة".

ينظم الهرمون "شبيه الإنسولين" عملية التكاثر؛ إذ يعمل على تعزيز التناسل أو وقفه، وقد اكتشف العلماء تلك الخاصية عن طريق إجراء مجموعة من التجارب على مستعمرات النمل الناري.

في التجربة الأولى، رصد الباحثون غياب أي تمايز بين الملكات أو العمال؛ إذ يمر النمل كله بمرحلة التناسل ووضع البيض، وحين يتحول البيض إلى يرقات، يتوقف وضع بيض جديد، وتصبح أولوية الجميع هي "رعاية الصغار".

فحص الباحثون مستويات الهرمون "شبيه الإنسولين" في ذلك التوقيت، ليجدوا أن اليرقات عملت على وقف إفراز الهرمون عند كل النمل الموجود في المستعمرة، بحيث تتوقف عملية التناسل في أثناء رعاية الصغار.

وفي التجربة الثانية، أزال الباحثون اليرقات من المستعمرة، ما ساعد على تزايُد مستويات الهرمون ووضع النمل لبيض جديد.

أما في التجربة الثالثة، فقام الباحثون بحقن النمل بالهرمون (شبيه الإنسولين) مع ترك اليرقات داخل المستعمرة، ووجدوا أن النمل بدأ في التكاثر مرةً أخرى رغم وجود اليرقات.

واستنتج الباحثون من التجارب الثلاث أن النمل الذي يرعى النسل تكون أولويته الأولى إيجاد الغذاء وليس وضع بيض جديد، وهو ما يعني الكثير بالنسبة لمستعمرات النمل التي تنقسم طبقيًّا إلى ملكات وعمال.

يقول "دانيال كروناور" –الباحث بجامعة روكفلر الأمريكية، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن ملكات النمل تحظى بمستويات عالية من الهرمون شبيه الإنسولين، وهو ما يجعلها تضع البيض باستمرار، وتتم تلك العملية بصورة مذهلة؛ ففي البداية تضع الملكة البيض نتيجة وجود مستويات عالية من الهرمون في جسدها، ويتوقف باقي النمل عن التناسل لرعاية ذرية الملكة، أما الملكة نفسها فلا تتوقف عن عملية التناسل؛ إذ إن وجود اليرقات لا يمنعها من إفراز ذلك الهرمون، فتقوم بوضع بيض جديد يتحول إلى يرقات، وذلك على النقيض من باقي النمل، الذى يقوم برعاية ذريتها الجديدة، في الوقت التي تقوم فيه تلك الملكة بوضع المزيد والمزيد من تلك البيض، طيلة الوقت".

ويضيف "كروناور" أن "تلك العملية تجعل الملكة ملكة والعمال عمالًا؛ إذ إن التناسل هو المتحكم الأساسي في سلوك النمل داخل المستعمرات، ولأن النمل كائن اجتماعي ومتجاوب مع ذريته وحريص على رعايتها، تقوم الملكة بعملها وهو وضع البيض، في حين يُفني الباقون أعمارهم في رعاية ذريتها".

ويشير "كروناور" إلى أن الدراسة استغرقت 5 سنوات كاملة، مؤكدًا أن تلك هي المرة الأولى التي يُحدد فيها الباحثون جينًا واحدًا مسؤولًا عن تنظيم الإشارات الاجتماعية في مستعمرات النمل، وفق قوله.