كشفت دراسة جديدة نشرتها دورية "سيل ريبورتس" (Cell Reports) عن البروتين المسؤول عن إكساب الدماغ الخبرة في التعامل مع المرئيات وتكوين الذكريات.

فلكي تُصبح الخلايا العصبية في الدماغ أكثر قدرةً على تحديد الأشياء المختلفة، أو معالجة المعلومات التي تراها العين، تحتاج الخلايا إلى الحفاظ بشكل انتقائي على التواصل بين بعضها وبعض. وتُكوِّن تلك الخلايا الصور المختلفة وتضعها في الذاكرة ليتعلم الدماغ عن الأشياء الموجودة حوله. وقد اكتشف العلماء أحد البروتينات التي تنشط في أثناء عملية التعلم، لتُكسب الدماغ "الخبرة" عن طريق التجربة.

وقال العلماء إن بروتينًا يُسمى CPG15 يعمل كدليل للتجارب، عن طريق تجنيد بروتين آخر يُسمى PSD95، لضمان الحفاظ على نقاط التشابك العصبي.

ولتبسيط الأمر، دعنا نتخيل طفلًا يرى شعلةً من لهب لأول مرة، فُيقرر لمسها، حينها تنتقل صورة الشعلة من العين عبر العصب البصري وصولًا إلى الخلايا العصبية، وتقوم نقاط التشابك العصبي -وهي بِنًى دماغية تتيح للخلايا العصبية تبادل الإشارات الكيميائية والكهربائية فيما بينها- بدور الوسيط، بين الإشارات الكهربائية المتمثلة في رؤية شعلة اللهب، والإشارات الحسية الكيميائية الناجمة عن شعور الطفل بحرارة اللهب حين يلمس الشعلة.

لتثبيت تلك التجربة في دماغ الطفل، يقوم البروتين CPG15 بـ"الكتابة" في دماغ الطفل، أما البروتين PSD95 فيقوم بتثبيت المعلومة التي تقول للطفل: حين ترى لهبًا بعينك، لا تلمسه كي لا تحترق.

تتعاطى الخلايا العصبية ويتفاعل بعضها مع بعض باستمرار، وهي ميزة حاسمة تسمح للدماغ بتخزين المعلومات ومعالجتها. ويعتمد المعيار الرئيسي لذلك الأمر على مدى مشاركة الخلايا في الاستجابة للنشاط العصبي القائم على الخبرة.

وقد ظلت الكيفية التي يُنفذ بها ذلك الأمر عصيةً على الفهم، من الناحية الجزيئية، إلا أن علماء الأعصاب في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" تمكَّنوا من اكتشاف تلك الآلية الجزيئية، عبر إجراء مجموعة من الملحوظات والتجارب على فئران عادية وُضعت في ظروف خاصة داخل المعمل، ومقارنتها بفئران أخرى جرت هندستها وراثيًّا بطريقة تكبح نشاط البروتين CPG15.

وقالت الدراسة إن الفئران العادية تعلمت واكتسبت خبرات أسرع بكثير من الفئران المعدلة وراثيًّا، وهذا يعني أن لذلك البروتين دورًا حيويًّا في عملية تحقيق الكفاءة المُثلى للخبرات المكتسبة عن طريق التجربة.

يقول مؤلف الدراسة "إيلي نيديفي"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي طور أساليبَ من الفحص المجهري تعتمد على استخدام ميكروسكوب عالي الدقة لمشاهدة العصبونات الفردية في أدمغة الفئران، ومتابعتها من حيث إرسال الإشارات اللازمة للمساعدة في تتبُّع البروتينات الدماغية التي تتيح صقل الخبرات عن طريق التجربة".

ويضيف أن "عملية صقل الخبرة عن طريق التجربة تؤثر على تكيُّف الكائنات الحية واستجابتها للبيئات المختلفة، والنتائج التي توصلنا إليها مهمة في المساعدة على شرح الكيفية التي تتعامل بها خلايانا العصبية مع التجارب التي تُعد أساس التعلُّم وتُسهم في تكوين الذكريات".

ويرى "نيديفي" أن فهم الأسس الجزيئية لوظيفة الدماغ يُمكن أن يوفر نظرة ثاقبة حول أسباب حدوث اضطرابات التنكس العصبي التي تؤثر على الإدراك، كما يُمكن أن يُسهم أيضًا في توفير مقاربة قوية تُمكِّن العلماء من استخدامها لتحديد الظروف البيئية والوراثية التي تؤثر على عمليات التعلُّم والتذّكر".