لماذا نشعر في بعض الفترات بأن الوقت يمر بسرعة كبيرة دون أن نستطيع مجاراته أو ملاحقته؟ ولماذا ينتابنا شعور في فترات أخرى من العمر بأن القدر نفسه من الوقت يمر ببطء؟!

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف نيوروساينس" (JNeurosci)، التي تصدرها جمعية علم الأعصاب.

تناولت الدراسة أهمية منطقة "التلفيف فوق الهامشي" في المخ، وكيف أن تلك المنطقة مسؤولة عن تصحيح الأخطاء المتعلقة بفهم البشر لما يدور حولهم.

وأشار الفريق البحثي -وهما باحثان بقسم علم النفس بجامعة كاليفورنيا بيركلي- إلى أن السبب في اختلاف إحساسنا بالوقت مع تقدم العمر يرجع إلى تآكُل الخلايا العصبية الحساسة للوقت، وهو ما يشوه تصوراتنا للوقت، وأن تلك الخلايا موجودة في منطقة بالدماغ تسمى "التلفيف فوق الهامشي" supramarginal gyrus، وهي من مناطق الدماغ المرتبطة بالمرونة والخيال والإبداع والتخطيط وتوقُّع الكيفية التي يتصرف بها الآخرون، وكذلك الفص الجداري والفص القذالي المسؤول عن الرؤية ونقل المعلومات من العين إلى المخ.

وتوضح الدراسة أن "الخلايا العصبية في التلفيف فوق الهامشي (SMG) تتعرض للتآكل، وأن تلك الخلايا العصبية الحساسة للزمن تتعرض للإرهاق والتعب، في حين أن الخلايا العصبية الأخرى تستمر في العمل بشكل طبيعي، وهو ما يجعل إدراكنا الذاتي للوقت يصبح منحرفًا مع التقدم في العمر".

الباحثان المشاركان في الدراسة استخدما التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس نشاط دماغ المشتركين في هذه الدراسة خلال أدائهم للمهمات المطلوبة منهم مقارنةً بالفترات الزمنية المحددة، موضحين أن نتائج الدراسة توفر دليلًا فسيولوجيًّا قويًّا على أن قدرة القشرة الجدارية على فك شفرة الوقت بصورة صحيحة تساعد الأشخاص في تجربتهم الذاتية للتعامل مع مرور الزمن.

وتضمَّنت التجربة عرض دائرة رمادية اللون ثلاثين مرةً متتالية على المشاركين خلال فترة زمنية كانت مدتها تُعلن لهم، ما يساعدهم على التكيُّف البصري، وبعد ذلك عُرضت عليهم صورة اختبارية وطُلب منهم تقييم زمنها مقارنةً بالتكيُّف البصري.

وأوضحت النتائج أنه إذا كان زمن التكيُّف البصري أطول، فإن المشاركين يقللون من تقدير الوقت، أما إذا كان زمن التكيُّف البصري أقصر، فإن المشاركين يبالغون في تقديره.

وأظهرت نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن انخفاض نشاط الخلايا العصبية فوق التلفيف الهامشي يتسبب في عدم قدرة المشاركين على تقدير الوقت بصورة صحيحة.

تشوه تقدير الوقت

وخلص الباحثان إلى أن درجة تشوُّه تقدير الوقت في هذه التجارب ترتبط بمستوى انخفاض نشاط الخلايا العصبية فوق التلفيف الهامشي والفص الجداري الأيمن. وأنه كلما ازداد إرهاق الخلايا العصبية، كان تشوه تقدير الوقت أكبر، وأن إدراكنا لمرور الوقت غالبًا ما يكون غير حقيقي، بل يكون متحيزًا وفقًا للعوامل السياقية المختلفة.

فهل تقود نتائج هذه الدراسة إلى القول بأن فقدان الإحساس بالوقت يمكن أن يكون مؤشرًا على زيادة خطر الإصابة بأمراض واضطرابات نفسية عصبية في المستقبل مثل مرض ألزهايمر؟ وكذلك فقدان الدماغ للمرونة والتخطيط والتخيل؟

يجيب ماساماشي هياشي -الباحث بقسم علم النفس بجامعة كاليفورنيا بيركلي، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" قائلًا: سيكون من الرائع أن يتنبأ أي قياس للإحساس بالوقت بمخاطر الأمراض المستقبلية، لكن لسوء الحظ لم أسمع أي شيء من قبيل ذلك حتى الآن.

ويضيف: في دراستنا جرى الإبلاغ عن حدوث تشوهات في الإدراك الزمني بالنسبة للمرضى الذين يعانون من مرض باركنسون واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، لكنني لا أعرف أي دراسات تُظهر أن فقدان الإحساس بالوقت يمكن أن يتنبأ بمخاطر مثل هذه الأمراض.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" عما إذا كان اتباع إرشادات طبية محددة -مثل ممارسة الرياضة- من شأنه أن يؤدي إلى وقف تآكل الخلايا العصبية المسؤولة عن الشعور بالوقت، يقول "هياشي": للأسف دراستنا ليست شيئًا يمكنه تقديم أي نصيحة صحية عملية. لقد استهدفت دراستنا فقط توضيح الآلية العصبية الأساسية للتجارب الزمنية الذاتية.

ضمور في المخ

يتفق أحمد مرسي -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة الزقازيق- مع ما ذهبت إليه الدراسة قائلًا: مع تقدم العمر قد يحدث ضمور في الدماغ ويَتلف كثيرٌ من الخلايا الموجودة في المخ، ومنها الخلايا العصبية الموجودة في التلفيف فوق الهامشي للمخ، والتي تتميز بحساسيتها للوقت.

يضيف "مرسي" في تصريحات لـ"للعلم": وُجد على نطاق واسع أن حجم الدماغ و/أو وزنه  ينخفض ​​مع تقدم العمر بمعدل حوالي 5% لكل عقد بعد سن الـ40، مع احتمال زيادة معدل الانخفاض الفعلي مع تقدم العمر، خاصةً فوق سن الـ70، ويعاني الأشخاص الذين يصابون بأمراض الشيخوخة مثل ألزهايمر من ضمور أكبر في المخ، وذلك بسبب ضمور التكوينات التي تشبه الإصبع في الخلايا العصبية وفي الوصلات فيما بينها. وبالإضافة إلى ضمور تلك التكوينات، تبدو قدرة المخ على أداء عمليات التفكير والذاكرة ونقلها إلى بقية الجسم آخذةً في التراجع.

ويشدد على أن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تساعد في استخلاص نتيجة مؤداها أن فقدان الإحساس بالوقت قد يكون مؤشرًا على الإصابة بأمراض واضطرابات نفسية وعصبية مستقبلًا، ومنها مرض ألزهايمر، مضيفًا: "بعض الأجزاء في المخ يتضرر أكثر مع التقدم في العمر، خاصةً القشرة الدماغية التي تؤدي كثيرًا من الوظائف المعرفية وعمليات التفكير المعقدة؛ إذ تصاب بالضمور أكثر من المخيخ المسؤول عن التحكم في الحركة، وهو ما يفسر أن هناك أشخاصًا قد يصابون بألزهايمر لكنهم يبقون قادرين على الحركة بشكل جيد".

أنسجة المخ

من جهته، يشير أشرف الجلاد -أستاذ المخ والأعصاب بجامعة الزقازيق- إلى أن الأعصاب هي المسارات التي تنقل الإشارات بين الدماغ وبقية أعضاء الجسم.

يقول "الجلاد" في تصريحات لـ"للعلم": "مع تقدم العمر، يمر الدماغ والجهاز العصبي بتغيُّرات طبيعية، ويفقد الدماغ الخلايا العصبية والوزن ويحدث ضمور للمخ، وقد تبدأ الخلايا العصبية في تمرير الرسائل بشكل أبطأ مما كانت عليه في الماضي".

 يعلق "مرسي" قائلًا: بطء التفكير والذاكرة هو جزء طبيعي من الشيخوخة، ويمكن أن يؤثر انهيار الأعصاب أو إرهاقها أو تلفها على الحواس. وهذا ما يفسر النتائج التي ذهبت إليها الدراسة، ولكن هذه التغيُّرات لا تحدث بالكَم نفسه عند الجميع؛ فهناك مَن يعاني من تغيرات كثيرة في الأعصاب وأنسجة المخ، بينما يعاني البعض الآخر من تغيرات قليلة، ولا ترتبط هذه التغيُّرات دائمًا بالتأثيرات على قدرتك على التفكير.

وكانت دراسة سابقة نشرتها دورية "نيتشر" أكدت أن إجهاد المخ والخلايا العصبية من شأنه أن يعجِّل بالإصابة بالشيخوخة، موضحةً أن "استرخاء المخ وإراحته من التفكير المُبالَغ فيه يُسهِم في إبطاء شيخوخة الإنسان وإطالة عمره؛ إذ يعمل البروتين المعروف باسم REST على إبطاء عملية الشيخوخة عن طريق قمع النشاط المفرط للخلايا العصبية للدماغ.

ولفتت الدراسة إلى أن هذا النشاط المفرط للخلايا العصبية الموجودة في المخ يؤدي بدوره إلى الإفراط في التفكير، وتقصير عمر الإنسان، وظهور الأمراض والاضطرابات العصبية المرتبطة بتقدم العمر، ومنها ألزهايمر.

وعمل الباحثون على تحليل أنسجة الدماغ الخاصة بأشخاص ماتوا، تراوحت أعمارهم بين 60 و70 عامًا، وقارنوها بأنسجة أشخاص عاشوا لنحو 100 عام، وتوصلوا إلى أن الأشخاص الذين ماتوا في سن مبكرة كانت لديهم مستويات أقل من البروتين المعروف باسم (REST)، الذي يعمل على تهدئة نشاط الدماغ ويحد من عمل الجينات المرتبطة بالإثارة.

وكان الكاتب البريطاني ستيف تايلور قد حاول الإجابة عن سؤال "لماذا يختلف إحساسنا بالوقت مع التقدم في العمر؟" في كتابه "صنع الوقت"، مشيرًا إلى أن "السبب في هذا يرجع إلى أننا حينما نكون أطفالًا عمرنا ٣ أو ٤ سنوات ومر عام من عمرنا فإنه يكون قد مر ثلث عمرنا أو ربعه، وبالتالي نشعر بأن الوقت طويل، وفي مرحلة الشباب نذهب إلى الجامعة ونلتقي الأصدقاء، وتمتلئ حياتنا بالحيوية والنشاط، ونشعر بأن الوقت طويل وكافٍ لإنجاز المهمات، أما في الشيخوخة وتقدُّم العمر فيقل الإحساس بالوقت بسبب قلة الحركة وقلة النشاط، وهو ما يؤدي إلى إحساسنا بأن الوقت يمر بسرعة".